يخطئ “حزب الله” كثيراً إن كان يعتقد أنّ بإمكانه الفصل بين المسألة الوطنية والمسألة الاجتماعية ومسألة الحريات في مرحلة هبّة شعبية كبرى كالتي يشهدها لبنان اليوم، وإن كان يمكن تصوّر ذلك بعض الشيء ولبعض الوقت في الأيام العادية. وهو إذ يعمد إلى هذا الفصل، إنّما يشبه، بالمقلوب، متلبرلي منطقتنا (ومعظمهم فتات يساروي سابق) ممن يفصلون بين هذه المسائل، فيعلون من شأن ديمقراطيةٍ وحرياتٍ منقوصة حدّ الزوال في الوقت الذي لا يتورعون فيه عن طلب التدخل الخارجي لفرض هذه الحريات السراب، حتى إنّ أحدهم بلغ به الأمر في أيلول/ سبتمبر 2012 حدّ تشجيع المعارضة السورية على “إغراء العالم بالتدخّل، أيّ تدخّل كان” ولو اقتضى ذلك قولاً صريحاً وواضحاً ومطمئناً لإسرائيل “في أمر استعادة الجولان”.

لا يستطيع “حزب الله” أن يحافظ إلى ما لا نهاية حتى على البيئة الحاضنة لمقاومته ومساندتها الشعبية في الوقت الذي يدافع فيه عن سلطة نهّابة لم تكفّ عن الإسراف في سرقة هذا الشعب وتجويعه والإفراط في ذلك حدّ الارتطام بالجدار. بل إنه لا يستطيع أن يدّعي درجةً رفيعةً من الوطنية ذاتها في الوقت الذي يقف فيه، كما فعل مؤخراً في شأن ما دُعي بـ”الورقة الإصلاحية”، مع سياسات تدعو إلى خصخصة القطاع العام والخضوع لمقتضيات البنك الدولي.

بل إنّ الوطنية ذاتها، في منطقتنا أكثر من غيرها، لا تقتصر على تحرير أرض الوطن وحماية حدوده، بل تتعدّى ذلك إلى كونها جهداً يرمي إلى إقامة بنية اقتصادية اجتماعية مستقلة متمحورة حول مصالح شعبها بعيداً عن أيّ ارتهان أو تبعيّة، فلا تعود محاربة عدوّ محتلّ على أهميتها العظيمة وضرورتها التي لا بدّ منها، سوى جزء من هذا الكلّ. ومن الواضح أنّ مثل هذا التعريف للوطنية لا يفصل بين ما يُحَقَّق من تنمية وتقدم اجتماعي وحريات تضمن مشاركة أوسع قطاعات الشعب وبين مقاومة الاحتلال والمشاريع الخارجية وممانعتها. وبذلك تكون الوطنية وجه العملة الآخر للديمقراطية والحريات والحفاظ على الثروة الوطنية وتنميتها وتوزيعها العادل، وليست قطباً يواجه ذلك كلّه أو يمكن فصله عنه في ترتيب زائف لهذه الأولويات. وكما ينبغي أن نشكّ في “ديمقراطية” من يستقوون بالإمبريالية الأميركية وتلتبس عليهم حروب مقاومة إسرائيل، كذلك ينبغي أن نشكّ في “وطنيّة” من يمارسون النهب والقمع أو يساندونهما.

بل إنَّ أمر الربط بين المسألة الوطنية والمسألة الاجتماعية ومسألة الحريات في بلداننا العربية يبلغ حدّ القول إنَّ انتقال الأنظمة العربية من العداء لإسرائيل إلى مصالحتها والتحالف معها لم يكن أمراً سياسياً فحسب، بل كان في جوهره انتقالاً لفئات وطبقات اجتماعية وتحالفات طبقية برمّتها من خندق العداء النسبي لإسرائيل إلى خندق التسوية معها ومصالحتها، وذلك بانتقالها الاقتصادي من وضعٍ كانت تجد فيه بعض المصلحة في ذاك العداء إلى وضعٍ لم تعد تجد فيه أيّ مصلحة في الصراع مع إسرائيل ورفض وجودها الاستعماري الاستيطاني. وعلى سبيل المثال، فإنّ السادات، لم يكن يعزف منفرداً حين زار القدس، بل كان يمثّل درجة متقدّمة من درجات تطور حلف طبقي كامل: حلف القطط السمان المصرية في القطاعين العام والخاص، ممن جعلوا السلطة مصدراً للثروة في بلدٍ رأسمالي متخلّف وتابع. وبذلك كانت الزيارة وما عنته خيار نظام هو نظام تلك الطبقات والفئات الاجتماعية التي سلبت مصر وجوّعت شعبها وقمعته وانتفخت بالمال المنهوب حتى صارت مصالحة العدو خياراً استراتيجياً لها.

حين ننظر من باب موقف “حزب الله” من إسرائيل، وباب الموقع الاجتماعي الاقتصادي لأبنائه وأبناء الغالبية الساحقة من بيئته الحاضنة، نجد الكثير مما يشجع على القول إنَّ موقعه في الانتفاضة اللبنانية اليوم، بل ومصلحته منها، هما إلى جانب المنتفضين

واللافت للانتباه في العقود الثلاثة الأخيرة هو التحاق فئات غير قليلة من المثقفين، ذوي الماضي اليساري في الغالب، بتلك الفئات والطبقات والأنظمة، توفّر لها ما يحتاجه الحكّام من آلاتٍ ذاتِ أقلام تنظّر للعملية، وتقدّم لها المفاهيم والمصطلحات اللازمة، وتنشر عليها التعمية والتزييف الضروريين، وتبرر استبدالها بعدو المنطقة الفعلي الإسرائيلي أعداء جدداً من جيرانها التاريخيين، سواء كانوا أتراك أم إيرانيين.

بل إنَّ الأشد لفتاً للانتباه، في السنوات الأخيرة، هو ما يدفع إليه قمعُ الأنظمة الوحشي الذي لا يُطاق وفساد أقسام كبيرة من النخب المعارضة في تصوراتها ومقترحاتها من استجارةِ فئاتٍ غير قليلة بكلّ من تتوهّم أنّه يمكن أن يردّ عنها القمع والقتل ولو كان إسرائيل، ومن معاداة لكلّ من تعتبره حليفاً لتلك الأنظمة عداءً كيانيّاً مبرماً لا نقاش فيه، على أسسٍ دينية وطائفية غالباً.

لذلك كلّه لا يستطيع من يزعم الوطنية والمقاومة أن يمارس أو يدعم سياسات نهّابة لقوت الشعب وجالبة للسيطرة الخارجية الاقتصادية وسواها، ففي ذلك تناقض جوهري لا يطول الوقت على انفجاره وتكشّفه. ولا تنفع فيه حين ينفجر ويتكشّف لا القوة ولا السلاح ولا جميع الإنجازات التي سبق اجتراحها من تحريرٍ وسواه.

يبقى السؤال عن الدافع الذي يدفع إلى مخاطبة حزب كـ”حزب الله” على هذا النحو كما لو أنّه حركة من حركات التحرر الوطني التي تربط بين التحرير والتنمية والعدل الاجتماعي الجذري (وهي حركات كانت قد أخفقت في منطقتنا إخفاقاً ذريعاً كما نعلم)، لا كما هو في حقيقته حركة جهادية دينية بلا أجندات اقتصادية اجتماعية جذرية تميّزها جوهرياً عن أجندات الأنظمة العربية التابعة والمتخلفة.

هذا الدافع، رغم أخذ علاقة الحزب بإيران بالحسبان ورغم ما يمكن قوله عن تدخله هنا وهناك، إنّما ينبع من أمرين: أولهما، أننا لا ننطلق في تقويم هذا الحزب من أيديولوجيته فحسب أو من تحالفاته وحدها، بل أيضاً من ممارسته حيال إسرائيل ومن واقعه الموضوعي وبنيته وبنية جمهوره الاجتماعية الاقتصادية. وهذه الأخيرة هي بنية أبناء لبنان الجنوبيين والبقاعيين والضاحويين الذين لطالما انتهكتهم إسرائيل وأذلّتهم دولتهم النهّابة والعاجزة إلى جانب سواهم من فقراء لبنان، فواجهوا كلتيهما مع كلّ من واجههما بصرف النظر عن أيديولوجية هذا المواجِه وحلفائه (مقاومة فلسطينية، مقاومة لبنانية يسارية وعلمانية..). وثانيهما، هو التسليم بأنّ “حزب الله”، إلى جانب بعض الحركات الجهادية التي تواجه إسرائيل، ظاهرة موضوعية برزت من إخفاق حركة التحرر الوطني العربية وتقهقرها وانهيار حلفائها، فكان من المفهوم بعد هذا الإخفاق والتقهقر أن تمثّل هذه الظاهرة خطوة إلى الوراء على الأصعدة الاجتماعية والديمقراطية والأيديولوجية.

حين ننظر من باب موقف “حزب الله” من إسرائيل، وباب الموقع الاجتماعي الاقتصادي لأبنائه وأبناء الغالبية الساحقة من بيئته الحاضنة، نجد الكثير مما يشجع على القول إنَّ موقعه في الانتفاضة اللبنانية اليوم، بل ومصلحته منها، هما إلى جانب المنتفضين، مهما تكن نواقصهم، لا إلى جانب سلطة سترطمه بحائطها المسدود عاجلاً أو آجلاً وستضعه في مواجهة أهله الذين لم يعد يسعهم لباسه الديني والطائفي مهما يكن مقاوماً. وحين ننظر من باب أيديولوجيته ورؤاها الفكرية والاجتماعية والسياسية، نجد الكثير مما يدفعه باطراد إلى أن يكون قريباً من فرقاء النظام الطائفي اللبناني وإن يكن أنزههم كفّاً وأشدّهم وطنية.

مثل هذا التناقض العميق لا أعلم له حلّاً إلى الآن أفضل من حلّ “لاهوت التحرير” الأميركي اللاتيني الذي لا يتسع المجال الآن للتفصيل فيه. لكنّ هذا يقتضي من “حزب الله”، أقلّه، التقرّب من القضية الاجتماعية ومن المدافعين عنها مهما يكن ضعفهم اليوم، خصوصاً أولئك الذين سبقوه إلى مقاومة إسرائيل ويدركون جيداً معنى هذه المقاومة وأفقها الاجتماعي اللازم كي تتحصن، وعدم الغوص في رمال غطرسة القوة التي هي الذروة قبل الانزلاق إلى الهاوية كما تشير دروس التاريخ، خصوصاً غطرسة القوة إزاء شعب مظلوم منتفض.

 
×