شكلت الخمسينيات من القرن الماضي مرحلة نضالية انتهت بتأسيس الكليات الأساسية في الجامعة اللبنانية عام 1959، واعتُبر الحراك الطلابي جزءاً أساسياً من الحراك الاجتماعي الذي سعى إلى تكريس الحق بالتعليم المجاني وفقاً لمعايير أكاديمية عالية. واستمر النضال بأشكال مختلفة إلى أن صدر عام 1976 القانون الذي يعترف للجامعة اللبنانية بالاستقلال المالي والإداري ويجعل منها سلطة مستقلة تتخذ قراراتها بما يخدم الهدف المنشأة من أجله. كان ذلك في مرحلة سياسية محلية ودولية ساهمت في تكريس دولة الرعاية من ناحية وحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية من ناحية ثانية. وعلى أثر التحولات الاقتصادية والاجتماعية في العالم، والتغير الذي طرأ على دور الدولة وعلاقتها بمواطنيها، أعلنت “اليونيسكو” مبادئ الحريات الأكاديمية التي وضعت من خلالها معايير جودة التعليم والبحث العلمي والإدارة الرشيدة للجامعات ودور الهيئات الأكاديمية والطلابية، بهدف المحافظة على العدالة في تقديم خدمة التعليم لكل الفئات الاجتماعية، بما يضمن الشفافية والنزاهة والمحاسبة وجودة الإنتاج.

في لبنان، ونتيجة الحرب الأهلية التي بدأت عام 1975، أخذت الجامعة الرسمية الوحيدة تتفرّع على مقاس مناطق محسوبة على فئات طائفية، تطلبتها خصوصية المرحلة الأمنية. إلا أن الأهداف السياسية لم تكن بعيدة عن هذا التوجه، إذ تحولت على أثر اتفاق الطائف الذي ساهم في إنهاء الحرب الأهلية إلى مركز للمحاصصة السياسية والطائفية في الإدارات المختلفة وفي التمثيل الطلابي بشكل خاص. وشكلت إعادة الاعمار مرحلة نقابية لدى أساتذة الجامعة، استطاعوا من خلاله توحيد صفوفهم في سبيل تحسين واقعهم الاجتماعي والاقتصادي من خلال أدواتهم النقابية. لكن ذلك حصل في ظل غياب أي مواجهة لتحويل الجامعة إلى مكان للتقاسم السياسي والطائفي، مع سحب صلاحيات مجلس الجامعة وإعادته لمجلس الوزراء.

منذ ذلك الوقت غلب على التعليم العالي الذي يتمتع بالجودة في لبنان نمطان: الخاص والمخصص واقعياً لفئة طبقية محددة، والعام الممسوك من السلطات السياسية، التي استخدمت هذا الصرح للتوظيف السياسي الذي يزدهر في فترات الانتخابات النيابية. لا ينفصل هذا الواقع عن خدمة الجامعات الخاصة التي فاق عددها الخمسين جامعة، والتي تملك كثيراً منها مجموعة من المستثمرين المقربين أو الممثلين للأطراف السياسية المختلفة الموجودة في الحكم.

وتظهر أهمية الجامعات العامة كمكان، ليس فقط للتعلم، إنما للحوار والبحث وممارسة الحرية الفكرية بأبعادها المختلفة، لا سيما الأكاديمية منها على مستوى الأساتذة والطلاب. فالتعليم بمراحله المختلفة والعالي بشكل خاص، وإن يكن خاضعا لأنظمة رسمية ولإدارة تعكس الواقع السياسي للدولة، إلا أنه المسؤول عن بناء مجتمع حديث يقوم على أساس العدالة والمواطنة. انطلاقا من هذا الواقع نستطيع أن نفهم إطباق السلطة السياسية على الواقع الإداري والتوظيفي الأكاديمي والطلابي والنقابي داخل الجامعة اللبنانية، علماً أن هذا الإطباق تزامن مع شح تمويلي للمكتبات والمختبرات وتردٍ في الإنتاج العلمي عامة باستثناء بعض الجهود التي تقوم على مبادرات فردية من الأساتذة وعلى نفقتهم غالباً.

صدر عن رئيس الجامعة اللبنانية تعميمان وصفهما الكثير من الأساتذة بـ”مذكرات الجلب”، حيث اتخذ من خلالهما تدابير مرتبطة بمنع السفر وضرورة إبلاغه بأسماء الأساتذة الملتزمين بالإضراب

وقد تحول واقع الجامعة إلى صورة مصغرة عن واقع الدولة، وعُبِّر عن هذا التحاصص بـ”الميثاقية”. وغابت الجامعة اللبنانية عن الحراك الاجتماعي السياسي في السنوات العشر الأخيرة، الذي تجلى آخره إثر أزمة النفايات في بيروت وغيرها من المناطق. وليس عبثاً وقف الانتخابات الطلابية منذ العام 2008 وحصر التمثيل الطلابي عن طريق وراثة المكاتب الطلابية واعتماد المداورة الطائفية في قيادة الأداة النقابية، حيث وصل إلى قيادتها مسؤولون في المكاتب التربوية للأحزاب السياسية.

هذا الواقع السياسي تزامن مع سلسلة تعاميم صدرت عن رئيس الجامعة الحالي تضرب مفهوم الجامعة كفضاء وطني عام، وتُفقد الأساتذة المكانة العلمية والأكاديمية التي يُفترض أن يتمتعوا بها خلال تأديتهم مهامهم الجامعية، كما تُفقد الطلاب حقوقهم الأساسية. وقد بدأ ذلك منذ توليه رئاسة الجامعة إثر تعميم دعى فيه إلى احترام “الميثاقية” في المراكز الأكاديمية، متجاهلاً المعايير القانونية والعلمية، وأرفق تعميمه بمنع تسجيل الطلاب في اختصاصين، وهذا ما أبطله مجلس شورى الدولة بعد طعن تقدم به بعض الطلاب المستقلين. وقد استمر التوجه غير الواضح لإدارة الجامعة من خلال تعاميم أعادت فرض صفة الموظف على الأستاذ الجامعي، ما يسقط عنه كل الحصانة المعنوية المرتبطة بحريته الأكاديمية. وقد ختم رئيس الجامعة هذا المسار بتعميمين غريبين خلال الاحتجاجات الأخيرة، وصفهما الكثير من الأساتذة بـ”مذكرات الجلب”، حيث اتخذ من خلالهما تدابير استثنائية مرتبطة بمنع السفر وضرورة إبلاغه بأسماء الأساتذة الملتزمين بالإضراب، وسَحَب بموجبهما صلاحية المجالس الإدارية والأكاديمية.

من هنا يظهر تحرك الأساتذة في الجامعة اللبنانية، خلال الشهرين الماضيين، مع تحرك ملفت للطلاب المستقلين، كأحد أشكال الحراك الاجتماعي السياسي في مواجهة السلطة التي حاولت بداية تجاهل هذه الانتفاضة ثم قابلتها بالعديد من الإهانات على مختلف المستويات، وهو ما يعطي مؤشراً واضحاً على “مَونة” غير مبررة من الزعماء السياسيين على الأساتذة الأكاديميين.

كما تتجلى أهمية هذه الحلقة من سلسلة التحركات العامة في انطلاقها العفوي من الأساتذة والطلاب رغم كل محاولات الإطباق عليها. وهي، وإن تم تظهيرها من خلال مطالب اقتصادية-اجتماعية، إلا أن مناداتها باستقلالية الجامعة وكف يد السلطة السياسية عن العبث بها، تشكل التفسير الوحيد للغضب الذي تعاملت به أطراف السلطة السياسية كافة مع التحرك، سواء من خلال أدواتها الإدارية والنقابية داخل الجامعة، أو من خلال تصريحات السياسيين المتعددي الانتماءات، الذين لم يثبتوا كفاءة علمية، لا عن طريق عملهم السياسي ولا عن طريق عملهم التقني داخل الإدارات التي أحكموا السيطرة عليها منذ انتهاء الحرب الأهلية. أما ما زاد الأمر شبهة فهو أداء الإعلام، المرئي بشكل خاص، لجهة تعاطيه مع هذا الحراك، حيث غيَّب المطالب الأساسية وسلط الضوء على المطالب المالية حصراً، وشكّك بأخلاقيات الأساتذة، علماً أن الأساتذة المنتفضين لكرامتهم وكرامة هذا الصرح الوطني، هم أنفسهم أصحاب الجهود التي أبقت نتائج الجامعة لامعة على المستوى المحلي والدولي برغم كل المعوقات.

المزيد من هذا المؤلف

 
×