(Image Credit: Yoyolu/Flicker)

 

اليمن اليوم تخطّى معضلة السؤال عن النصر والهزيمة. لم تعد الجردة الآن صراعاً إعلامياً وقولبةً للرأي العام، فيما يفترض أن الحرب تدخل طور النهاية للمرة الثالثة أو الرابعة. وبالتالي فإن لحسبة “النهاية” هذه عناصر واقعيّة على الأرض تتجاوز التصدير والدعاية. فالمفترض الآن، هو تشريح الواقع اليمني على خرائط هجينة ووافية من ملامح جيوسياسيّة وتوزعات ديمغرافيّة فضلا عن الطرق والموانىء والثروات المعدنية والأرض الزراعيّة. واليوم تسعى الأطراف المنخرطة في الحرب اليمنية إلى إعادة صياغة اليمن بالفعل. فقد شكلت فترة الاقتتال، بمراحلها المتتابعة، العامل الأساسي في تهيئة الناتج الوطني اليمني النهائي، وطبيعة علاقاته ومصالحه وهويّته قبل كل شيء.

لم يبقَ من يمن آب 2014 ما يكفي لتعزيز “الجبهة” السياسيّة الشمالية وتحالفها، بعد قتل الحوثيين لعلي عبدالله صالح، وقبله الانقضاض مع الراحل صالح على القوى الجنوبيّة. ولم يبقَ أيضاً من يمن المبادرة الخليجيّة الشيء الكثير، فعاصفة التحالف العربي عمّقت الانقسام بفعل استثمارها السلبي وتعويمها العسكري للقضيّة الجنوبيّة حدّ صناعة “المشروع الوطني”، ثم عادت لتحديث رؤيتها من خلال سلّة مبادراتٍ أسبوعية، وربما ساعيّة. هكذا استطاع الميدان “تنظيم” الديناميات المحليّة، وأوصلها إلى حدودٍ تتجاوز فيها قدرة كبار الرعاة والمنخرطين على الضبط والتنظيم الجراحي، لكنها في الوقت ذاته، وصلت إلى أقصى إمكانات التمدد، وأظهرت فائض الاستثمار من عدمه في كل جيب للمعارك.

الحوثيون في الشمال، وجدوا أنفسهم في الشمال فحسب، فالمعركة لم تبدأ للوصول إلى البداية، والانقلاب لم يكن دفاعاً بل اندفاعاً نحو “رؤية” ومشروع. اليمن الذي انقلب الحوثي وصالح على تسويته الخليجيّة، تعرّض لتغييرات جذريّة في الشكل والهوية، فيما تضاءلت خريطة “الميدان” بشكل أسبوعي. ضاقت حدود حرب صيف 1994 على أهلها، وبدأ التحالف بالتمدد أكثر شمالاً خلال الشهور الماضية. هكذا خسر الحوثيون تباعاً غالبية الواجهة البحريّة في الساحل الغربي، وكامل الحدود البريّة مع السعوديّة بعدما كانت العمليات تنفذ وتنطلق من داخل حدود المملكة.

هنا أيضا أنتجت واقعيّة الحرب “أرضيّة” لم يردها الحوثيّ منذ البداية، فلم يعد “أنصار الله” تنظيماً وطنياً عابراً لنظام علي عبدالله صالح إلى رحاب معارضيه. المسألة تحولّت إلى نهاية عمليّة لحلم الدولة ووراثة الدولة، خصوصاً أن الخريطة بحد ذاتها أصبحت تعبيراً عن ديناميات “جذريّة” للديموغرافيا اليمنيّة وارتباطاتها وفق أجندات الصراع.

الحوثيون خسروا اليمن كما كان، وربما الجميع خسر ذاك اليمن، فالاستثمار المنتج “للتمرّدات” الحوثية إبان نظام صالح، والآخر صانع “أمجاد” “القاعدة” في الوسط وحضرموت، والاستثمار الثالث في القضيّة الجنوبيّة طوال سنوات الحرب وما سبقها من سنوات الصراع السياسي، وضع “ساسة” الجنوب على طريق العودة إلى ما قبل الإرتباط، ووضع الشمال والوسط على طريق تقسيم مذهبي على شاكلة الرعاة وأكثر قرباً من النموذج الشامي. فالمشروع الجنوبي مثلاً، وقد رعته إيران بين أعوام 2008 و2014، استلمته الإمارات وهو في طور النضوج ليصبح مشروعاً انفصالياً كاملاً وعابراً لمحددات “عاصفة الحزم”، وقبلها المبادرة الخليجية ورؤيتها “الوحدوية” لليمن.

هذا الواقع في اليمن يعني أنه  لن يتخلى أحدٌ عن سلاحه، ولن يقبل أحدٌ الغوص في مغامرةٍ وحدويةٍ رومنسية

تمنع هذه الزاوية وحدها من الأزمة الجميع عن الرهان على سلامٍ مستدامٍ، وبالتالي تؤجّل إجبارهم على رمي أجنداتهم على طاولة الحل. فالمصلحة السعودية تقتضي السير باتجاه “تحييدٍ” عملي لليمن، وإخراجه من دائرة القرار الإيراني، وليس النفوذ بالضرورة.

هنا يتداخل الإقليمي بالدولي بالمصالح الوطنيّة، فالأميركي لا يريد الصدام مع الإيراني ومنحه بذلك مخرجاً “وطنياً” من مأزق العقوبات عبر حرب “مصيريّة” لإيران وثانويّة للولايات المتحدة وفقاً لواقعها الداخلي وكذلك مصالحها الحالية. فيما تقوم السياسة الإيرانية المضادة للحرب الاقتصادية على التوتير العسكري من دون إحراج القوى الدولية بما يكفي من أسبابٍ لشنّ الحرب عليها من باب مجلس الأمن أو “حلف شمالي الأطلسي”. يتطلّب هذا الواقع معالجة جراحية للجبهات التي تنخرط فيها إيران، فبدل منح وكلائها فرصة الضرب في جبهات نازفة لها “سردياتها” المحليّة، أتى الخيار الأميركي في الاستدارة إلى “الوكلاء” عبر تسوياتٍ مرحلية أو ضرباتٍ اقتصادية وأمنيّة، في العراق وسوريا ولبنان وغزة. بهذا أصبحت “هدنة” اليمن بكل نسخها مرتكزاً أساسياً لتعزيز الضغط على إيران عبر تحييد “حلفائها” بالتوازي مع مسار ديبلوماسي خليجي يهادن طهران ويرفع من مستوى الحرج الإيراني في استهداف الملاحة النفطية في الخليج العربي، وهذا ما نجحت فيه مرحلياً الإمارات والكويت.

على المنوال ذات إنما في غيابٍ شبه تامٍ للإيرانيين، بات الواقع الجنوبي يتطور من وجهة نظر الرياض الى خواتيم لم تُردها، لكنها الأقدر على التعامل معها وفقاً للتداخل الشديد في المصالح مع الإمارات. هكذا تأتي أولوية إعادة ترتيب المحافظات الجنوبية وفق بنود اتفاق الرياض، إنما بنسخةٍ أكثر قدرةٍ على إنتاج حلّ بيني يعيد الشرعيّة الى عدن في الشكل، ويرسّخ الانفصال في المضمون. وبالتالي، يمكن أن يفضي الزخم المفقود جنوباً (انسحب العديد من الألوية من الجبهات وعادت الى الجنوب للضغط على التحالف) إلى إعادة ترتيبٍ غير محبّذ لدى الرياض.

كل ذلك بالتوازي مع فشل السعودية في احتواء “الإخوان المسلمين”، ما يعني اضطراباً كاملاً في صف التحالف على أي طاولةٍ ممكنة. لذا بدت سطوة الواقعيّة في محاولة ترتيب المحافظات الخاضعة للتحالف، في مقابل تهدئة “عمليّة” (مقارنة بوقائع صيف 2019 ) في الشمال، وكأنها تمنح نفساً للتذخير والاستعداد والتفاوض، وكل احتمالات الصراع المفتوح.

لذلك، لا تبدو الرياض مستعجلةً للجلوس إلى طاولة التفاوض، فالمطروح اليوم هو خطوط التماس وميناء الحديدة، ولم يعد متاحاً أمام الحوثيين التفاوض على شبرٍ واحدٍ خارج السيطرة العملية لمقاتلي “أنصار الله”. ما لم يعد متاحاً أمام الرياض هي الأخرى هو السير بورقةٍ واحدةٍ لأزمةٍ واحدة، إذ حتّم الانهيار التام للدولة المركزية اليمنية السير بأكثر من ورقةٍ وأكثر من مشروع.

“انقرضت” اليوم الدولة المركزية إذاً، وانقرضت معها التنظيمات العسكرية التي تقبل بالعودة إلى الوراء، مهما كان “الوراء” هذا رومنسياً ووطنياً وجميلاً، فلزوم الارتباط الحالي بين الوكيل والراعي، يحتّم إنتاج كيانٍ دائم الثورة والتسلح، مع أعداءٍ لا يفنون ولا يموتون، وبتحدياتٍ عصيّة على الحرب والزمن. هذا الواقع في اليمن يعني أنه  لن يتخلى أحدٌ عن سلاحه، ولن يقبل أحدٌ الغوص في مغامرةٍ وحدويةٍ رومنسية. أصبح الحوار اليوم حوار الفدراليات العسكريّة “الأبديّة”، في الجنوب كما في الشمال. لذا فإن أرضيّة الحل التي ستسير عليها السعودية ومعها الإمارات، لن تكون مدخلاً للحلول الاستراتيجية، بل “تراقيع” ممكنةٍ لتمرير استحقاقات المرحلة، وتأجيل الحرب دوماً بلا صناعةٍ حقيقيةٍ للسلم الأهليّ والإقليميّ (عملاً بانخراط اليمن في صراع المحاور). هكذا ساهمت الحرب في “تشذيب” الحوثيين الى أقصى درجةٍ ممكنة، والبناء على خريطة سيطرتهم في لحظة التفاوض، وهكذا أيضاً صُنع الأمر الواقع في جنوبي اليمن برعاية التحالف.

 
×