في تشرين الثاني 2015، كتب صحفي لبناني عن المفكّر الماركسي الهندي إعجاز أحمد إنّه “رصين ونبيه”، لكنَّ رصانته ونباهته تتناقضان مع مواقفه من “الثورة السورية”، من دون أن يتساءل هذا الصحفي ما السحر الخارق الذي أوقف رصانة الرجل ونباهته ما إنْ تعلّق الأمر بسوريا، ومن دون أن يخطر في ذهنه ولو كاحتمال أن يكون نقد أحمد “الثورة السورية” صادراً عن “الرصانة والنباهة” ذاتيهما، لا سيما أنَّ أحمد كان قد تغنّى بالثورتين التونسية والمصرية أشدّ التغنيّ (بخلاف ثورتي ليبيا وسوريا)، ولا يُعرَف عنه أنّ لديه استثمارات في سوريا يتشاطرها مع فاسدين هناك.
ومنذ أيام وصف صحفيّ لبناني آخر نزول المناضلة الجزائرية التاريخية جميلة بوحيرد إلى الشارع مع شعبها احتجاجاً على عهدة بوتفليقة الخامسة بأنّه غسل لما لحق بها من عار “عندما ذهبت إلى دمشق، في حومة مزيج الغباء والسذاجة الذي قاد بعض القوى اليسارية الى تأييد المستبد ضد الشعب السوري”. ومع أنّ آخر زيارة لبوحيرد إلى دمشق كانت في الشهر الأول من عام 2009، أي قبل أكثر من عامين على انطلاق “الثورة السورية”؛ ومع أنني لا أعرف يسارياً حقيقياً واحداً عمل على “تأييد المستبد ضد الشعب السوري”؛ وأجد أنّ هاتين مجرّد فِرْيَتين متسرعتين، فإنَّ السؤال الأهمّ الذي لا يطرحه هذا الصحفي على نفسه -أبعد من الكلام الأخلاقوي السطحي عن غسل العار وأبعد من الاتهام بالغباء والسذاجة- هو ما الذي دفع مناضلين ومفكّرين محترمين ورصينين ونبيهين، مثل جميلة بوحيرد وإعجاز أحمد وسمير أمين وسلافوي جيجيك وسواهم الكثير، لئلا يقفوا مع ما دُعِيَت “الثورة السورية” أو يناصروها؟
يبدو استهجان هذين الصحفيين، لا سيما ثانيهما، عدم مناصرة اليساريين “الثورة السورية” غريباً ومستهجناً هو ذاته بعد ممارسات “الثورة السورية” فكرياً وسياسياً وعسكرياً، وبعد انهمار “النقد الذاتي” مدراراً في السنوات الأخيرة من “رفاقٍ” لهما سوريين ناصروا “الثورة” أو كانوا فيها. وعلى سبيل المثال فحسب، فقد اعترف نحو 300 معارض سوري في “نداء إلى شعبنا السوري من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية وجهة نظر نقدية لتصحيح مسارات الثورة”، صدر مع بداية عام 2017 (أي بعد 6 سنوات فقط لا غير من “الثورة”) بأنّهم اقترفوا ما أسموه “الأوهام” و”الأخطاء” التالية: 1- وهم المراهنة على “أن نوعاً من التدخّل الدولي سيحصل”، و”التعويل على الخارج والارتهان لأجنداته”؛ 2- “وهم … أنَّ إسقاط النظام، لن يتم إلا بالسلاح وحده”؛ 3- “وهم المراهنة على جبهة النصرة وأخواتها”؛ 4- “وهم المناطق المحرّرة”، من دون القدرة على “تأمين الحماية لسكانها، ولا فرض نموذج مقبول لإدارتها”؛ 5- “وهم المراهنة على الكيانات والخطابات الأيدلوجية والطائفية”؛ 6- “وهم الضربة القاضية، أو ساعة الصفر” التي “ثبت أنّها كلّها تصدر عن عقليات قدرية ورغبوية لا علاقة لها بالسياسة ولا بموازين القوى، ولا تبدي أي حساسية للأرواح والتضحيات ولا للأثمان الباهظة المدفوعة ولا لعذابات شعبنا”؛ 7- “وهم التمثيل”، تمثيل الشعب السوري من خلال “المجلس الوطني” و”الائتلاف” و”الحكومة المؤقتة” و”الهيئة العليا للمفاوضات”؛ 8- عدم إدراك “أن الأمر لا يتعلق بالشعارات والحقوق فحسب، وإنما بالإمكانيات والقدرات”؛ 9- طغيان “العفوية والتجريبية والمزاجية والقدرية على الثورة في كل شيء”، بما “يبدّد تضحيات شعبنا”؛ 10- “لم يتوفر للثورة قيادة واقعية وعقلانية، بل لم يتوافر لها أي شكل من أشكال القيادة، لا في السياسة ولا في العسكرة”؛ 11- اشتغال المعارضة “بمعزل عن حواضنها المجتمعية … في واقع تبدو فيه أغلبية شعبنا خارج معادلات الصراع، أو كضحية له”؛ 12- بقاء المعارضة “مجرد هياكل وقوى تستكين أو تنضبط للدور المرسوم لها، من الفاعلين الدوليين والإقليميين”.

 

السؤال الأهمّ هو ما الذي دفع مناضلين ومفكّرين مثل جميلة بوحيرد وإعجاز أحمد وسمير أمين وسلافوي جيجيك وسواهم الكثير، لئلا يقفوا مع ما دُعِيَت “الثورة السورية” أو يناصروها؟

 

مع أنَّ كلَّ “وهم” و”خطأ” من هذه الأوهام والأخطاء لا يقلّ عن جريمة سياسية وإنسانية كبرى بحدّ ذاته، ومع أنَّ إعجاز أحمد وأمثاله كانوا قد أشاروا إلى كلّ هذا باكراً جداً، فإنَّ ذلك لا يغيّر شيئاً لدى أمثال صحفيينا اللبنانيين. فهما لا يتساءلان، مثلاً، ما الذي يدفع أحداً، أيّ أحد، لمناصرة “ثورة” لم يتوفر لها “قيادة واقعية وعقلانية، بل لم يتوافر لها أيّ شكل من أشكال القيادة، لا في السياسة ولا في العسكرة”، دع عنك بقية الجرائم جميعها. وهما لا يتساءلان أيضاً إن كانت مناصرتهما مثل هذه “الثورة” نابعة من أنَّ الأمر لا يكلفّهما أيّ شيء سوى الكلام، كلام الجرائد، من دون أن يقتضي منهما اقتراباً من “النصرة” أو زيارةً لـ”المناطق المحررة”. ومع ذلك، وبخلاف ما فعلاه حيال إعجاز أحمد وجميلة بوحيرد، فإننا نتساءل حيالهما: ما الذي يدفع صحفيين “رصينين ونبيهين” يناصران الثورات -شرط ألّا تكون في البحرين- لأن يَغْفَلا عن تعقيدات الأمور ويخلطا بين انتقاد ثورة و”تأييد المستبد”، ولا يريا أنَّ أحداً لم يمارس “تأييد المستبد” كما مارسه رفاقهما أصحاب “الأوهام” و”الأخطاء” الآنفة، وكما مارساه هما نفسيهما؟
الجواب -باختصارٍ جديرٍ بالتوسّع لاحقاً على ضوء الحراكين السوداني والجزائري اللافتين في سلميتهما وفي الغياب اللافت إلى الآن للإسلام السياسي ومطياته من اليساريين المتأمركين، الأمر الذي يفرّقهما كثيراً عن باقي الحراكات، لا سيما الحراكين الليبي والسوري- هو أنّ هذين الصحفيين يقيمان تماثلاً بين جميع ثورات ما دُعي “الربيع العربي” نابعاً من تشابه الأنظمة في الرداءة والسوء، وهوتشابه فعليّ بحقّ، من دون أن يهتمّا لاختلاف الثورات ذاتها من بلد إلى آخر في طبيعة قياداتها الطبقية والفكرية والسياسية، وفي برامجها، ووسائلها، وتكتيكاتها، واستراتيجياتها، وتحالفاتها، وبنياتها الذهنية والأخلاقية …؛ ويخلطان بين نخب الثورات والشعب الثائر في شعبويةٍ انتهازية ومزايدةٍ لافتة؛ ويخلطان بين الأرضية الموضوعية للانتفاض الشعبي الواسع ذي المنحى الاجتماعي وما أطلقته هذه الأرضية في البداية من تحركات وقوى ديمقراطية شعبية حقيقية وبين إجهاض ذلك كلّه بالتدخل العسكري للجماعات المسلحة وبإمساك الإسلام السياسي ومطاياه من اليساريين السابقين بالدفّة السياسية؛ إلى آخر تلك القائمة المكرورة من ضروب الخلط التي باتت شائعة لدى اليسار السابق المتلبرل الذي فقد معظم ما لدى البشر الأسوياء من ملكات التمييز والتفريق السويّة.

المزيد من هذا المؤلف

عن الرقابة والخوف

 
×