بدا أمين عام “حزب الله” اللبناني السيّد حسن نصرالله في خطبة العاشر من محرم الماضي وكأنه يضع اللمسات النهائية لحدود علاقاته الخارجية وطبيعتها ومدياتها. وفي الوقت ذاته، أجاب حينها على سؤال إشكالي رافق مسيرة الحزب النضالية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتركز حول طبيعة علاقته بإيران. الإجابة عكست بنيانًا سياسيًا عقائدياً عابرًا للحدود الوطنية والجغرافيا القوميّة. وبمعزل عن الأثمان في السالب والموجب من الانخراط هذا، أصبح المرشد الإيراني علي الخامنئي “سيدًا” و”قائدًا” لـ”أجزاء” من دول المنطقة من دون وكلاء أو حلفاء تقليديين، بل ربطًا بتنظيمات عقائدية مسلحة لا تحيد عن الهرمية التي تنتظم فيها مؤسسات الدولة الإيرانيّة.

ومن الإقليم نحو لبنان وجبهات “عربيّة” أخرى، بدت إيران قوة إقليميّة عابرة لحدود الدول الوطنية ومجالاتها الحيويّة واستراتيجياتها. فالمسألة التي صُدّرت دومًا على أنها تحالف مع ديناميات محليّة لها إضباراتها السياسية/الوطنية الكاملة، كفصائل “الحشد الشعبي” في العراق و”أنصار الله” في اليمن و”حزب الله” في لبنان، تحولت بفعل شبه الحصار الأميركي على إيران إلى مسار ينقل القضيّة من السياسة إلى “الإفصاح”، مع ما يعنيه ذلك من قناعة بأن طاقة “التمدد” قد بلغت مدياتها القصوى، فضلًا عن أن المرحلة تتطلب تحريك عناصر القوّة لكبح جماح الأميركي عن التصعيد، خصوصًا أن خنق الاقتصاد الإيراني بشكل غير مسبوق، تطلب “استثمارات” عسكريّة تصعيديّة. هكذا، خلقت طهران مسارًا موازيًا للضغط الأميركي، قوامه الضغط على كبار المستوردين الدوليين للنفط من منطقة الخليج العربي، إضافة إلى التهديد بإدراج إسرائيل في لائحة الأهداف عبر “الحلفاء” في لبنان وربما العراق، منعًا لسيناريو الحرب الكبرى، وتعزيزًا لواقعها على طاولة التفاض المقبلة.

لكن المعضلة الرئيسيّة تبقى من خارج الحسابات الإيرانية، وتتركز على بيئة الاستثمار الإقليمي هذا منذ انتصار الثورة على الشاه الموالي للغرب عام 1979، تحديدًا في ما يخصّ فشل طهران في إقامة علاقات مع دول المنطقة أو مع أي دولة في العالم تصل إلى حدّ التحالف. حتى العلاقات مع ليبيا معمر القذافي في الثمانينيات ومعها سوريا حافظ الأسد تركّزت حول خصومة الطرفين للقيادة العراقيّة والرئيس الراحل صدام حسين تحديدًا. وهي مرحلة “اضطرت” فيها طهران إلى البحث عن السلاح، تحديدًا الصواريخ، وفي كل مكان، لكنها مرحلة ساهمت أيضًا في تحديد ملامح النظام الإيراني بالنسبة لجيرانه من العرب. إيران المقبلة (في تلك المرحلة) ليست طالبان مع مطارات ونفط وموانىء، بل “فاعل عاقل” يسعى إلى حفظ مصالحه بكل الوسائل.

كانت “الفوضى” بوابة إيران الدائمة للعبور إلى حيث النفوذ والقوّة الإقليميّة

“العقلانيّة” الإيرانيّة هذه وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع الأنظمة العربية المحافظة والقوميّة، نظرًا لتركة الأزمات من عهد الشاه كالجزر الإماراتيّة والحدود والأهواز مع العراق (مع فاقد القوّة الذي تعرضت له البلاد مع انهيار نظام الشاه). كما أن الفجوات “القوميّة” التي استفادت منها في سوريا وليبيا لم تكن كافية لبناء منظومة حماية إقليميّة لنظامها الوليد. فحاجة إيران لبناء مجال حيوي يخلق لها حدودًا “نظريّة” بعيدة عن خارطتها الجيوسياسيّة، وضعتها على مسار تصادمي حتمي مع الأنظمة الإقليميّة الحاكمة. إيران ببساطة “العاقل”، انتقلت إلى خيارات واستثمارات أكثر تعقيدًا في انعكاساتها الإقليميّة والمحليّة، تمثلت في “اختراق” البيئات المذهبيّة والتناقضات القوميّة أو الوطنية لدى جيرانها العرب من دون مظلة عقائدية ثابتة. فالمطلوب كان الولوج إلى تلك الساحات بمعزل عن الكيفيّة، وبمعزل عن الرواية الأخلاقيّة حيث كان الانخراط هذا.

استثمرت إيران حيث أمكن، فانخرطت في دعم وتأسيس التنظيمات الإسلامية في البلقان إلى جانب “الناتو”، وتنظيمات إسلاميّة أخرى في أفغانستان في وجه السوفيات، وتنظيمات يساريّة في جنوب اليمن في وجه صنعاء، وتنظيم لبناني معاد لإسرائيل وتتنظيمات فلسطينيّة معادية لسوريا في لبنان، فضلًا عن دعم “الإخوان المسلمين” حيث وُجدوا (ما يعني للأنظمة المحافظة استثمارًا عكسيًا في أرجاء العالم العربي كافة). وبتواقيت وأزمنة مختلفة أيضًا، وجدت إيران نفسها في أكثر من مواجهة عابرة للهوية “المذهبية” لنظامها، إنما لا تحيد عن صناعة أرضيّة لتلبية حاجاتها الاستراتيجية (كالاصطدام بـ”حركة أمل” اللبنانية في الثمانينيات، وبعض القوى العراقيّة في الجنوب التي أرادت مقاومة الاحتلال مطلع الألفيّة).

بذلك كانت “الفوضى” غير الخلاقّة بوابة إيران الدائمة للعبور إلى حيث النفوذ والقوّة الإقليميّة، لكن الاستثمار الثابت الأكثر إنتاجًا لعوائد السياسة، كان في تطوير “الجيوب” المذهبية التي خلقت في قلب دول فاشلة أو على طريق الفشل. تلك “الجيوب” كانت الأكثر قدرة على البقاء وتخطي الصعاب في وجه التحديات الخارجية والداخلية في بلدانها. فتعداد طهران اليومي لحلفائها، واستعراضها الإقليمي غير المتوقف منذ مجيء ترامب وانقلابه على تفاهمات أوباما، يظهر طهران وحيدة بأنصاف بل وأرباع شركاء كروسيا (التي تحظر بيع غالبية الأسلحة لإيران فيما توطّن صناعتها في السعوديّة) وتركيا (“الأطلسيّة” التي تشتبك مع إيران في سوريا والعراق)، إنما بتنظيمات عسكرية عقائديّة على استعداد لتلبية الحاجات الإيرانيّة العسكريّة من دون الرجوع إلى منظوماتها المحليّة الحاكمة.

هنا يظهر الإصرار الإيراني دومًا عبر العناصر المحليّة في الإبقاء على حالة “الثورة الدائمة”، أو الأزمة المفتوحة، أو أي وصفة تنفع في الإبقاء على الزناد. كما يظهر النموذج اليمني، مثلًا، مدى سرعة الإيرانيين في الانتقال بين عناصر الاستثمار. إذ تركزت الجهود الإيرانية هناك على دعم الانفصال في الجنوب، فكانت حاضنة لرفاق الشيخ عيدروس الزبيدي ورجاله في بيروت حتى انقلاب “الحوثيين” في أيلول/سبتمبر 2014، ومن ثم دعم الانقلاب برغم نجاح ثورة “الحوثي” و”الإخوان” و”الحراك” في استلام السلطة، ربما لأن السلطة الائتلافيّة وقتها كانت ستحرم إيران من خاصرة إضافية تضرب فيها الأميركي أو أي خصم إقليمي آخر عند اشتداد التوتر المتوقع.

يظهر الإصرار الإيراني دومًا عبر العناصر المحليّة في الإبقاء على حالة “الثورة الدائمة”، أو الأزمة المفتوحة

وفي العراق انتقلت البوصلة الإيرانية من التعايش مع الاحتلال الأميركي وتثبيت “حاشيته” المحليّة الجديدة، إلى إعادة ترتيب منطقة الجنوب والانخراط في صراعاتها الجزئية (استهداف مقتدى الصدر ومعركة النجف)، بما يمنح طهران حصة من الفوضى المقبلة بقوّة، ويحدّ من إمكانيّة صياغة الأميركي للعراق على سجيّته وبحرية كاملة، حتى وصل الأمر إلى صعود “تتنظيم الدولة – داعش”. حينها، كانت مقدمات الفوضى العارمة هذه بمثابة فتح الأبواب على مصراعيها أمام إيران في الداخل العراقي. هكذا وجدت طهران نفسها في قلب إعادة هيكلة لحلفائها، أفضت إلى انبثاق “الحشد الشعبي” عن عناصر حرسها العراقي القديم. اليوم، بات التنظيم الإرهابي على طريق الاندثار، فيما الكيان العسكري الذي يوالي إيران في العقيدة والسياسة ينشط باتجاهات أكثر تنوعًا، ويمثل أبرز تحديات “الدولة الحديثة”، علمًا أن الجهد العسكري الأساسي من الأنبار إلى الموصل ضد الإرهابيين تولّته القوات الحكومية و”التحالف الدولي”، مع منع تام لتواجد “الحشد” حيث كانت هذه العمليات. بينما يؤمن “الحشد” مصالح إيران في الباب الأول، وهو ما بدا جليًا في تهديدات “الحشد” لساسة العراق إبان البحث عن تشكيل للحكومة عقب الانتخابات النيابية الأخيرة.

سوريا، شريكة إيران السابقة في لبنان إلى جانب السعودية، لم تكن هي الأخرى يومًا حليفًا كاملًا للإيرانيين. فالتلاقي على عداء “البعث” العراقي، تحول إلى صدام عندما بدأت سوريا بدعم المقاومة العراقيّة، بل حتى ما تبقى من حزب “البعث العراقي” في ضرب قوات الاحتلال الأميركي-البريطاني للعراق. كذلك كان الصدام في القضية الكرديّة، حيث رعت سوريا واحتضنت (في لبنان) تأسيس “حزب العمال الكردستاني” بمعزل عن المصالح الإيرانية في هذا الصدد. ثم تبدلت الأمور مع الحرب وسيطرة الفشل والفوضى على أجزاء واسعة من سوريا. وتحولت الشام إلى منصة إقليميّة فاشلة أخرى (على الأقل لأربع سنوات)، يمكن للإيرانيين وغيرهم العمل على حفظ أو صناعة مصالحهم فيها. هكذا تراكمت عناصر “الضرر الجانبي” في الاستثمار الإيراني بسوريا (من خلال تأسيس تنظيم مسلح محلي يتبع “حزب الله”، وفي ملف الجولان في وهلة ظنّ الجميع فيها أن دمشق انتهت)، حتى تحوّل الأمر إلى مسبّب للصداع الاستراتيجي للروس، ولقطاع من النظام السوري على السواء.

تبدو ملامح قيادة المرشد الإيراني للموالين له في المنطقة، حسبة من خارج حسبة الدولة الوطنيّة. تلتقي في عقلانيتها مع الأميركي حتى النهاية في طهران، وتشتبك مع الجميع حتى النهاية من اليمن والعراق أو أي مكان آخر. حيث الخطاب في لبنان ولدى صاحب مقولة “حسين زماننا” السيّد حسن نصرالله يتجه إلى تحرير القدس (قاله الأمين العام لـ”حزب الله” في لقائه الأسبوع الماضي عبر التلفزيون الإيراني) وتدمير إسرائيل بالتعاون مع غزة. بينما تبحث القيادة الإيرانية عن صفقة مع الأميركي تخرج الجميع من عنق الزجاجة، وتعيد إيران ثلاث سنوات إلى الوراء حيث الاستثمارات الأميركية والأوروبية-الإيرانية المشتركة اقتربت في خططها الأوليّة من 600 مليار دولار. عندها نعود إلى تهدئة من عشرة أعوام أو أكثر، على أن يبقى الإصبع على الزناد في دول “تنظيمات” المحور الإيراني، بلا صفقات أو تسويات، بانتظار مؤشرات طريق الحرير.

 
×