منذ ثمانينات القرن الماضي تزايد الاهتمام الأكاديميّ، في فرنسا خصوصًا، بالظّواهر الاجتماعيّة والسّياسيّة المرتبطة بالإسلام المعاصر. وبرزت منذ تلك السّنوات وجوهٌ أكاديميّة-إعلاميّة تُعنى بتحليل هذه الظّواهر، لا سيّما تلك المرتبطة بالعنف أو بإيديولوجيات الحكم عند جماعات الإسلام السّياسيّ. كلّ ذلك ضمن إطار ميدان معرفيّ جديد هو “L’islamologie”، وهو ميدان يقف على أرضيّةِ تلاقي العلوم الاجتماعيّة والعلوم السّياسيّة والتّاريخ، وهو مختلف عن “الإسلاميّات” المعنيّة بالدّراسة الأكاديميّة والتّاريخيّة للدّين الإسلاميّ؛ أي نشأته وتاريخه وتطوّره. تتميّز هذه الوجوه بكونها أكاديميّة وذات حضورٍ إعلاميّ في آن، فهي تعمل على نشر أبحاثها ودراستها ومتابعة التّدريس الجامعيّ من جهة، لكنّها أيضًا حاضرة في موادّ الجدل الإعلاميّ، وتشكّل الانتقاداتُ المتبادلةُ بينها محطَّ اهتمامٍ ومتابعةٍ عند الجمهور العريض (جيل كيبيل، أوليفييه روا، فرنسوا بورغا وآخرون…).

تختلف هذه الشّخصيّات الأكاديميّة في فهمها للإسلام السّياسيّ وتيّاراته (L’islamisme)، وللأسباب وراء صعود الحركات العنفيّة والإرهابيّة المسمّاة “جهاديّة” (Djihadisme). ويصل الاختلاف أحيانًا، لا إلى مستوى التّحليل فحسب بل إلى مستوى الاصطلاح نفسه. بينهم من يرى في حركات العنف نتيجة للسّياسات الكولونياليّة وما بعد الكولونياليّة مترافقةً مع الاستبداد المحلّي في بلاد المنشأ. وبينهم من يرى فيها تعبيرًا عن أزمة هويّة واجتماع عند الجيل الجديد من المهاجرين أو عند القلّة من المتحوّلين إلى الإسلام تُرجمت بالبحث عن صيغة متشدّدة في الإسلام عبر أسلمة التّطرّف بدل تطرّف الإسلام (بحسب عبارة أوليفييه روا الّتي يكرّرها منذ العام 2008). وبينهم من يرتكز على الجذور الثّقافيّة والفكر الإسلاميّ نفسه لتفسير هذا الانشقاق السّلوكيّ في ضواحي المدن وتعذّر الاندماج في المجتمع الفرنسيّ.

بعيدًا عن الانتقادات المتبادلة بين مختلف هذه الشّخصيّات تبعًا لتموضعاتها المعرفيّة أو الإيديولوجيّة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ظاهرة الحركات العنفيّة الدّينيّة لا يمكن تفسيرها أو تشريحها من زاوية واحدة، بل لا بدّ من أجل فهمها، وبالتّالي علاجها، من مقاربتها بما هي ظاهرة مركّبة. إنّ أيّ إغفال لجانب من المشكلة على حساب جانب آخر، لن يؤدّي فقط إلى فهمٍ معطوب، أو ناقصٍ في أحسن الأحوال، بل سيؤدّي كذلك إلى علاجٍ خاطئ يفاقم الأزمة بدل تخفيف تداعياتها عبر إنتاج خطاب يعمّق الشّرخ الاجتماعيّ في البلاد.

الفهم لا يعني التبرئة

إنّ حدث مقتل صامويل باتي، أستاذ مادّة التّاريخ والجغرافيا، والّذي وقع في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر، وما تبعه في مدينة “نيس” (على يد قاتل دخل خلسةً إلى الأراضي الفرنسيّة قبل يومٍ واحدٍ من تنفيذ جريمته في 29 تشرين الأوّل/أوكتوبر)، استعاد الجدل حول خلفيّات أعمال العنف وأسبابها. بطبيعة الحال، فاستفظاع جريمة مقتل أستاذٍ أمام باب المدرسة بديهةٌ لا نقاش فيها، كما هو حال استفظاع كلّ الجرائم الّتي سبقت وتلت هذا الحدث مؤخّرًا، في فرنسا أو أفغانستان أو باكستان أو النّمسا. لكنّ الموقف الأخلاقيّ هذا لا يمنع من متابعة الأسئلة حول الدّوافع والأسباب، وحول المسار الّذي يسلكه المجتمع نفسه، لا بهدف التّبرئة أو تحييد الإدانة، بل بهدف الفهم والتّفسير وتجنّب الأحكام التّعميمية وبالتّالي معرفة ما ينبغي فعله.

يبقى اللّافت أنّ السّمات الشّخصيّة لمرتكبي الجرائم واحدة، منذ تسعينيات القرن الماضي إلى اليوم، مع بعض الاختلافات الطّفيفة في مساراتهم الحيّاتيّة. هؤلاء، بأغلبهم هم من الجيل الثّاني لمهاجرين استوطنوا البلاد أو من القادمين الجدد إلى أوروبا، والبقيّة منهم هم أفراد أوروبيّون تحوّلوا حديثًا إلى الإسلام، لكنّهم جميعًا تكوّنوا باستقلال عن مصادرهم الثّقافيّة الأولى وبعيدًا عن الجوّ الشّبابيّ للمجتمع الّذي يعيشون فيه. وهم عُرفوا، إضافةً إلى ذلك، بحياةٍ بعيدةٍ تمامًا عن السلوك الدّينيّ ثمّ عاشوا انقلابًا مفاجئًا وسريعًا إلى حياةٍ دينيّةٍ متشدّدةٍ اكتسبوها في حلقاتٍ مغلقةٍ وضيّقةٍ (أغلبها مكتسبة من السجون أو تعاطي المخدّرات). هؤلاء لا ينسلكون في نسيج الطّائفة المسلمة الّتي تعيش في المجتمع والّتي انخرطت أعدادٌ كبيرةٌ منها في وظائف الدّولة والمؤسّسات الحكوميّة الفرنسيّة وصارت جزءًا من الجيش أو الشّرطة على سبيل المثال([1]). البحثُ عن فضاءٍ يسمحُ لهم ببناء مخيالٍ يعبّر عن تطرّفهم وردّ فعلهم هو الّذي قادهم إلى الاستنجاد بنسخةٍ متطرّفةٍ من الإسلام كما يرجّح أوليفييه روا، وكلّ ذلك نتيجة للفراغ الّذي يعيشونه بسبب نشأتهم في محيط منزوع الثّقافة (déculturalisé)([2]). هذا لا يدفعنا إلى الاكتفاء بتفسير الظّاهرة على المستوى النّفسي-الاجتماعيّ، بل لا بدّ من الانتقال بها لقراءتها أيضًا على المستوى السّياسيّ واللّاهوتيّ أيضًا… بيد أنّ ما سبق يؤكّد لنا الملاحظة الّتي كان يكرّرها محمّد أركون في تشديده على ضرورة التحليل الدقيق لمختلف حقول الواقع التي تشكل مجتمعًا بشريًا معيّنًا، وذلك قبل القفز إلى خطاب العلائق بين الدّينيّ والسّياسيّ([3])، وبالتّالي ضرورة تجنّب الاكتفاء بمعالجة عوائق العلمانيّة على السّطح القانونيّ وبطريقة ساذجة من دون الخوض في ما هو أعمق وأولى؛ أي إزالة معوّقات العلمانيّة على مستوى المعرفة والتربية والانخراط المجتمعيّ.

من الواضح أنّ الإسلام المعاصر يعيش أزمة، لكنّ الإشارة إلى الأزمة المذكورة لا يفسّر لنا وحده السّلوك الإجراميّ لهؤلاء القلّة من الأفراد المنحرفين

فهم الدّوافع وراء ارتكاب القتلة لهذه الجرائم لا يكون باقتطاع بُعدٍ واحدٍ من أبعاد شخصيّاتهم، أي البُعد الدّينيّ في الحالة هذه، ثمّ العمل على تفسير سلوكهم على هذا الأساس. الإسلام، شأنه شأن أيّ دين آخر، لا يُشار إليه بصفته جوهرًا ثابتًا منفصلاً عن الواقع والمجتمع، لأنّه ببساطة غير موجود على هذا النّحو، بل هو موجودٌ وفاعلٌ بصفته ظاهرةً ثقافيّةً في المجتمع والواقع والتّاريخ. إنّ المحاكمة النّصيّة للإسلام كدين (religion) لن تُفيد أبدًا في فهم دوافع الأفراد المجرمين حتّى لو تحجّجوا بالنّصوص نفسها، بل هي ستؤدّي إلى خطاب تعميميّ لن يزيد المجتمع إلّا تفسّخًا، لا سيّما في ظلّ وسائل الإعلام ووسائل التّواصل الاجتماعيّ الّتي لا تنفكّ تغذّي المتخيّل السّلبيّ لمتابعيها من مختلف الأطراف. عوض ذلك لا بدّ للبحث أن ينصبّ على صور التّدين (religiosité) عند هؤلاء الأفراد بنحو خاصّ، دون أن نفصل تصوّراتهم العقائديّة المتطرّفة عن بقيّة الأبعاد السّلوكيّة والاجتماعيّة المكوّنة لشخصيّاتهم، كي نفهم بالتّالي هذا الكلّ المركّب الّذي يقف وراء أفعالهم([4]). نعم، من الواضح أنّ الإسلام المعاصر يعيش أزمة (والمسلمون أنفسهم هم أوّل ضحايا هذه الأزمة)… هذه أزمة تلقي بظلالها على المجتمع بنحو متزايد منذ انتكاسة بذور مشروع النّهضة وتزايد الانكماش في الفكر اللّاهوتيّ الإسلاميّ المعاصر على يد دعاة الإسلام السّياسيّ. لكنّ الإشارة إلى الأزمة المذكورة لا يفسّر لنا وحده السّلوك الإجراميّ لهؤلاء القلّة من الأفراد المنحرفين. خلطُ هذه المستويات سيؤدّي بنا إلى مقاربات اختزال بدل أن يؤدّي إلى تشخيص دقيق يكون مقدّمةً لحلّ جذريّ.

في الفضاء العلمانيّ لا يكون النّقد إلّا علمانيًا

كان للجريمة المرتبكة في 16 تشرين الأوّل/أوكتوبر رمزيّة مضاعفة عند الفرنسيين، ذلك أنّ الضّحيّةَ أستاذٌ في التّعليم الرّسميّ، وقد قُتل أمام صرحِ المدرسة بسبب مضمون حصّة دراسيّة حول القيم العلمانيّة. في الحالة الطّبيعيّة، فإنّ الدّرس المدرسيّ يشكّل الخطوة الأولى في إعداد الوعي العلمانيّ للتّلميذ، وبالّتالي لا بدّ من الحرص الشّديد على المحتوى الدّراسيّ في المدرسة لضمان سلامة التّكوين المعرفيّ للطّلاب. العلمنة القانونيّة لا تستقيم إلّا باستقامة العلمنة المعرفيّة المبنيّة على علمنة العلوم والمنهج، وعلى استيعاب الدّين كظاهرةٍ ثقافيّةٍ ضمن إطار التّعدديّة في المجتمع. وبالتّالي دراسة الدّين لا بما هو عنصر غريب ودخيل ينبغي ضبطه وسجنه وكبح نشاطه بصورة متطرّفة تتعارض حتّى مع مضمون قانون 1905، ولا بما هو مقدّس يتعالى على القراءة النّقديّة، بل ينبغي دراسته كموضوعٍ للبحث وللتّفكير والنّقد مع فهم خصوصيّاته وموقعه وتركيبه في المجتمع، وتجنّب جعله هويّة واحدة ثابتة تُعمّم على كلّ أتباعه.

إنّ تجاوز النّسخة النّضاليّة والصّراعيّة من العلمانيّة يشكّل مقدّمةً لا بدّ منها لتشكيل فضاء علمانيّ سليم ومُستدام. وتجنّب العلمانيّة الصّراعيّة لا يكون إلّا بتفهّم الدّرس العلمانيّ للبُعد الدّينيّ في إطار عمليّة التّعليم. وهذا بالتّحديد ما كان محمّد أركون يدعو إليه كي لا يكون الموقف العلمانيّ والموقف الدّينيّ مستبعِدَيْن وطارِدَيْن لبعضهما البعض. وعليه، نرى أنّ هذا الباب مدخلٌ ضروريّ لتصويب المضمون العلمانيّ كي لا يجنح صوب علمانويّة تبشيريّة واختزاليّة تدخل في صراع مع الدّين. لكنّ هكذا تصويب لا يمكن أن يكون إلّا من الفضاء العلمانيّ نفسه وبأدوات علمانيّة، لا باستثارة خطاب دينيّ يؤجّج المشاعر الدّينيّة ويعيدنا إلى اختراع ثنائيّة أسطوريّة جديدة على نمط أساطير “صراع الحضارات” تُقابل بين الإسلام والقيم الجمهوريّة كإطارَيْن ثقافيّيْن لا يلتئم واحدهما مع الآخر.

بعد الاعتداءات الّتي حدثت مؤخّرًا في فرنسا، كان التّعليق الأوّل لباسكال بونيفاس هو أنّ الهجوم يحمل تحديّين: تحدّي التّهديد نفسه، وتحدّي الرّدّ على هذا التّهديد. وفي هذه الظّروف، وحده الهدوء يمكن أن يكون فعّالاً كردّ في اللّحظات الأولى، بدلاً من دعوات التّشديد على طائفة أو على إثنيّة معيّنة في إطارٍ يزيد الخدش في الإرث الدّيمقراطيّ أو ما تبقّى منه. إنّ التزامًا بالهدوء على غرار ما حدث بعد اعتداءات النّروج ونيوزلّندا ليس موقفًا أخلاقيًّا فحسب، إنّما هو موقف سياسيّ ناجح وفعّال للحدّ من الانفجار. لكنّ دعوة بونيفاس، وإن كانت سليمة كخطوة أولى، تفتح أمامنا أسئلة حول الخطوات اللّاحقة على المدى الطّويل. فالمسؤوليّة اليوم مركّبة، تمامًا كما هو حال الظّاهرة نفسها. منها ما يقع على الدّولة الّتي بات ينبغي عليها العمل على حماية العلمانيّة من نزعاتٍ تزيد من تشنّج الواقع وبالتّالي تُضاعف خلق فضاءاتٍ منزوعةِ الثّقافة بدل إضعافها، ومنها ما يقع على حركات اليسار الأوروبيّ المنشطرة والّتي أفلت منها خطاب الأمميّة فوقع في يد أصوليّات متطرّفة، ومنها ما يقع على المسلمين أنفسهم الّذين بات من الضّروريّ عليهم إنتاج لاهوت جديد ينسجم مع قيم الحداثة وقادر أن يتشكّل في المجتمعات الّتي يحلّ فيها دون أن يسمح بأن يتحوّل أرضًا سلبيّةً تحتضن نزعات عنفٍ وتطرّف.

 

[1] . Olivier Roy, Le Djihad et la mort, 2016.

[2] . مع ملاحظات يُبديها أوليفييه روا حول الاعتداءين الأخيرين. منذ عام 2016 يتحرّك المعتدون بصورة فرديّة وغير منظّمة، يستخدمون أدوات قتل تهدف إلى التّعبير عن الكره أكثر من كونها تهدف إلى قتل أكبر عددٍ ممكن من الضّحايا، مع ضرورة الالتفات إلى الأصول الّتي ينحدر منها القتلة والّتي تدلّ على تنوّع أكبر من الفترة السّابقة، وإن كانت، كما في حال القاتل الشيشانيّ الّذي نفّذ اعتداء 16 تشرين الأوّل/أوكتوبر، يمكن فهمها أيضًا في إطار الدّوافع نفسها على ما يبدو.

انظر مقابلة أوليفييه روا مع ماري لومونييه:

Pakistanais, Tchéchène, Tunisien… Les nouveaux profils du terrorisme, par Marie Lemonnier, L’OBS, 18 octobre 2020.

[3] . Mohammed Arkoun et Henri Sanson, Une approche laïque de l’islam, 1989.

تُرجمت المحاضرة إلى العربية في كتاب: العلمنة والدّين – الإسلام المسيحيّة الغرب، عن دار السّاقي، 1996.

[4] . Olivier Roy, Le Djihad et la mort, 2016.

 
×