مع اختتام جولات التفاوض الماراتونية في لوزان ٢٠١٥ بين الإيرانيين والمجموعة الدوليّة، أنجزت طهران امتحان “العقلانيّة” الأخير على طريق عودتها إلى منظومة الاقتصاد الدولي بكامل طاقتها. بل إن انخراطها في العلاقات الدولية اقترب من أعلى مستوياته في سنوات ما قبل ثورة ١٩٧٨، مع فائض رضا أميركي مقارنة بتلك المرحلة (الأميركي لم يحبّذ الشاه رضا بهلوي في آخر سنوات حكمه). وفي لحظة غابت عنها أهميّة “الملحق” السياسي في الاتفاق، طغت على الصورة مقاربة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما للعلاقة مع حركات الإسلام السياسي، وهي إضبارة كافيّة لبناء “ودّ” عابر لشعار “الموت لأمريكا”.

وفي لوزان ذاتها عكست “نشوة” الفرح التي أصابت وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، شبه قناعة في طهران بأن منجز المرور إلى علاقة سويّة مع واشنطن قد تم وبنجاح، خاصة أن الأثمان دارت في الحلقة التقنيّة المتعلقة بالمخاوف الغربية حول النووي الإيراني، من دون المرور الإلزامي بالرواق الإسرائيلي. يضاف إلى ذلك “التحييد” الأميركي لدول الخليج العربي و”أجنداتها الإيرانيّة”. ما يعني أن إيران اقتربت من التحول إلى شريك دولي للغرب بلا خسائر استراتيجيّة، في ظل احتفاظها بنقاط نفوذها وساحات انخراطها العسكري والسياسي خارج طاولة التفاوض النهائي.

في عقليّة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، إيران كانت على الطريق الصحيح للتحول إلى قوة إقليميّة “عظمى”، بتعويم أميركي – غربي شبه كامل. ولمَ لا من وجهة نظر أوباما وفريقه، طالما أن الإيراني أثبت أن الفارق بين التصدير السياسي والواقع، كالفارق بين لوزان وشعارات “الموت”. لكن ترامب فضّل السير بحذاء حلفائه في الشرق الأوسط إلى النهاية. إذ إن “التحرر” الإيراني من ثقل العقوبات كان من شأنه أن ينتج خللاً في التوازن بين القوى والأنظمة العربيّة المحافظة، في مقابل صعود إسلام سياسي “إخواني” مدعوم من إيران وتركيا وقطر، فضلاً عن الساحات الأكثر “رحابة” وانسيابيّة للنفوذ الإيراني كاليمن وسوريا والعراق ولبنان.

ترى القيادة الأميركيّة الجديدة في إيران الكثير مما تراه في ذاتها. فترامب أيقن أن إيران التي تشاكس الغرب منذ الثورة، تبحث عن الأمان والصفقة وديمومة النخبة كما يفعل الجميع على طاولة السياسة “العاقلة” الخاليّة من “أوهام” العقائد المارقة. وإيران هذه ليست “تنظيم الدولة” أو “كو كلوكس كلان”، بل إن انخراطاتها الأكثر تشدداً (بالمنظور الغربي) أثبتت جنوحها الدائم نحو التسويات المرحليّة عند الصدامات الكبرى (ومعها الحلفاء كـ”حزب الله”).

يدرك ترامب أن خيارات إيران الحاليّة لا تحيد عن منطق الممكن والمتاح في السياسة، فلا يمكن اللجوء إلى خطوات حافة الهاوية طالما أن اختبارات التحمّل في سوريا قد بلغت أهدافها، حيث الضرب المستمر لم يثمر اشتباكاً ايرانياً-اسرائيليّاً

هنا لا يريد ترامب من الإيرانيين (في المرحلة الحاليّة) أكثر مما أراده من زعيم كوريا الشماليّة كيم جونغ أون، بل إنه قد يرى أن الحالة الإيرانيّة أكثر يسراً مما كانت حالة بيونغ يانغ. الفارق أن التهديد الإستراتيجي الكوري الشمالي لواشنطن يفوق بعشرات المرات نظيره الإيراني، بل إن صواريخ إيران وقبلها العراق كانت من ارهاصات الصراع في شبه الجزيرة الكوريّة، فضلاً عن إرث بعشرات آلاف القتلى الأميركيين في حربين. إيران من جهتها قدّمت نموذجاً مختلفاً للتعاطي مع الغرب والأميركيين تحديداً، فقد كانت إلى جانب واشنطن في غزوها العراق وقبل ذلك أفغانستان وصولاً في الذاكرة إلى عام ١٩٨١ في أوّل صفقة من سلسلة إيران/كونترا، والتي جرت قبل خطف الأميركيين في لبنان (كان الخطف مبرر الأميركيين للصفقة).

يدرك ترامب تماماً أن خيارات إيران الحاليّة لا تحيد عن منطق الممكن والمتاح في السياسة، فلا يمكن اللجوء إلى خطوات حافة الهاوية طالما أن اختبارات التحمّل في سوريا قد بلغت أهدافها (الضرب المستمر لم يثمر اشتباكاً ايرانياً-اسرائيليّاً). بالتوازي لا يمكن للأميركي أن يجنح عن السياق الحالي، طالما أنه ينجح تباعاً في تجفيف مصادر إيران للعملة الصعبة. هنا يعيد البيت الأبيض إنتاج لعبة الوقت مع إيران، فالتفاوض في ظل العقوبات لا يختلف كثيراً عن اللاصراع في ظل العقوبات.

إيران على المقلب الآخر تمرر الوقت. إذ إن الرهان المنطقي يتركز على رحيل دونالد ترامب خلال عامين وعودة “الديمقراطيين” من أصدقاء محمد جواد ظريف. عندها يصبح اللقاء ممكناً أكثر، على طاولة تعيد صياغة تفاهم أو اتفاق ينعش مرحلة لوزان (لا يمكن العودة عن إلغاء الاتفاق أميركياً). إذ لم يعد هناك ساحات كافية تنخرط فيها إيران وتغري الأميركي، فاليمن أصبح في مكان مختلف عن انقلاب أيلول ٢٠١٤، فيما تعيد بغداد إنعاش خطوط التواصل مع الجميع، منهية معضلة “المحاور” التي أنتجها تأسيس “الحشد الشعبي”، بينما يتراجع النفوذ الإيراني في سوريا أمام مدّ روسي نهم في الاقتصاد والاستراتيجيا.

في شبه حصار أميركي وشبه انهيار اقتصادي إيراني، سيتواصل الرهان على ثمانية عشر شهراً من الخطابة والتصدير والشعبويّة. فهذه مرحلة بلا مغامرات وبلا أوهام، يكون المخرج لها مرتكز إلى تسوية ما بعد الانتخابات الرئاسيّة الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٢٠. بهذا يضمن ترامب أن إيران لا تملك سوى الطاولة في تلك المرحلة، وهو “نجاح” سيتبناه سواء كان رئيساً أم لم يكن. لكن المعضلة الإيرانية الباقية في حال تخطي الكوارث المالية والاقتصادية والسياسيّة الداخليّة، تكمن في عودة ترامب، وهي الأرجح.

 
×