السؤال المؤرق الذي يستدعيه إطلاق مشروع إعلامي جديد كـ”أوان”، هو ذاك المتعلّق باحتمالات النجاح والتعثّر. هذا في ذهن المعنيين بالمشروع أساسًا. أما في ذهن أي متابع، فتلوح أسئلة بديهية عن الجهة الداعمة، وعن الجديد الذي يُقدَّم، وعن هوية الموقع وسياسته التحريرية.

بحثنا عن إجابات على الأسئلة هذه على مدار أشهر. و”نا” المتكلمين، بالمناسبة، ما زالت قيد التعريف، وهي في طور الاتساع أيضًا. بعض المعنيين بها ـ أي بفريق العمل ـ ساهم اليوم، وبعضهم الآخر سيشارك أو ينخرط مستقبلًا.

ننطلق من دون دعم، ولا بأس في ذلك طالما أن الأمر سمح لنا بضمان استقلاليتنا. هذه إجابة على أول الأسئلة المذكورة أعلاه والأكثر وجاهة بينها. ندرك أن الكثير من الصحف العربية كانت، على مدى عقود، قائمة على الريع السياسي لتمويل عملية الإنتاج، لكننا نرفض الالتحاق بهذا النموذج. ندري أيضًا أن سوق الإعلانات الرقمية في العالم العربي ما زال قاصرًا مقارنة بمثيله في الدول المتقدّمة، وأن علاقة القارئ (أو المشاهد) بالإعلام العربي لا تدفعه في الغالب إلى دعم هذا الإعلام، لكنّنا نُقبل على تحدي النشر الإلكتروني. نعلم كذلك أننا نخوض غمار التجربة في ظل رقابة مُقيّدة لحريّة التعبير في معظم الدول العربية٬ ونضع في الاعتبار واقع الاستقطاب السياسي والطائفي في إقليم يغلي منذ أكثر من ثمانية أعوام، وكذلك الارتفاع في نبرة الخطاب اليميني الشعبوي القائم على المبالغات والمستثمر في الهواجس والمخاوف الجمعية، غير أن هذا كلّه يزيدنا إصرارًا على المباشرة.

في “أوان” سنتعامل بواقعية، لكن بطموح، مع التعقيدات التي تحيط بعالم الصحافة في طور تحولّها الرقمي٬ وسنتكيّف مع ضغوط السوق والسياسة في العالم العربي. سنستلهم من تجارب ناجحة في الخارج برغم غياب الإمكانيات راهنًا، وبرغم اختلاف الظروف والأولويات، وسنجتهد لتنويع المضمون وتقديم إنتاج بصري مواز للمكتوب. سيتوزع الإنتاج على أقسام رأي وتحليل وثقافة وميديا ومدونة وقصص وتحقيقات وحلقات مصورة. سنعمل على تكثيف المضمون واختصاره٬ وعلى ترشيق اللغة وتحديث الأسلوب، وسنعمد إلى توسيع هوامش النقاش في القضايا الإشكالية، وإلى توفير مساحة لأصوات تقدّمية تحاول أن تعقلن السجالات التي تنفلت من عقالها كلّ حين.

سنجتهد لتكون تجربة “أوان”، كما نريدها، خارقة للاصطفافات الطائفية٬ نقديّة٬ ومعنية بالتعبير عن هموم العالم العربي

سنجتهد لتكون التجربة، كما نريدها، خارقة للاصطفافات الطائفية٬ نقديّة٬ ومعنية بالتعبير عن هموم العالم العربي عمومًا٬ أو شطر منه بشكل رئيسي٬ لجهة قضايا الهوية والاستقلال والتنمية البشرية والإنتاج المعرفي والثقافي.

“أوان”، عبر أقسامه المختلفة، هو مشروع يهدف إلى تحفيز متابعين من خلفيات متنوعة على متابعة النقاش المرئي والمكتوب الذي يقدمه والمشاركة فيه. هو مشروع نعمل فيه على تأمين مستلزمات الاستمرار عبر ابتداع وسائل تسمح بالتمويل وبإنتاج المضمون من دون الركون إلى أي من أشكال الريع السياسي٬ ولا إلى وصاية أو رقابة.

نعود من هنا إلى السؤال المؤرق الأول، ذاك الخاص باحتمالات النجاح والتعثّر. ما الذي يمكن أن نخسره بعد الانطلاق؟

يمكن القول، بعقل بالغ البرودة، إن أسوأ الاحتمالات يتمثل بعدم تمكّننا من الإبحار بعيدًا عن عتبة المحاولة، وبأن تكون التجربة واحدة من مساعي اجتراح البدائل التي يُمكن لتجارب أخرى أن تبني عليها مستقبلًا. في الاحتمال الأكثر تشاؤمًا هذا، ستكون التجربة حجرًا مرميًا في مياه نرغب، شأننا شأن كُثُر في هذا المشرق العربي، بألا تستسلم للركود. وهذا، يقول عقلنا البارد، بحدّ ذاته قيمة مضافة.

لكنّنا نتطلّع إلى أكثر الاحتمالات تفاؤلًا، وبنا يقين بأن الأفق مفتوح على مداه، لا على الاختبار فحسب، بل على إنتاج ولّادٍ للكثير من الفرص، وللكثير من الإبداع، لا تقيّده سوى الاعتبارات المهنية، وقبل هذه الاعتبارات وبعدها، الكثير من الإخلاص لقضايانا من المحيط إلى الخليج.

نبدأ ونحن ندرك، في ظروفنا العربية الحالكة، أن هذا أوان التجربة المُبادِرة؛ نفتح نافذة وِسعها، نشتبك مع الواقع بكل تعقيداته، ننتقد ونتقبل النقد، نتكيّف مع الظروف والمستجدات، ونُراكم.

 

 
×