في لحظةٍ ما من التاريخ، بدا وكأن سيرورة التطور الحضاري لدى البشرية قد تعثّرت، وراحت تتدحرج متراجعةً إلى الخلف. فها نحن على وشك دخول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، إلا أننا أشبه ما نكون بأولئك الأسلاف الذين هابوا كلّ من هو مختلفٌ عنهم، وكل ما هو جديدٌ عليهم.

لقد شكّلت العشرة الماضيات عقداً تناسلت فيه حالات رهابٍ دينيةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ غالباً ما تحولت إلى اعتداءاتٍ عنفية وعمليات إرهابية، وأنجبت خوفاً وكراهيةً لا حدود ولا جغرافيا لهما. تفيض أخبارنا اليومية بقصصٍ عن حالات اعتداءٍ وقتلٍ وتعنيفٍ للآخر، ورفضٍ لوجوده أو حتى لسماع صوته. وما من سخريةٍ أمرّ من حقيقة أننا وصلنا درجةً متقدمةً في وسائل التواصل والانفتاح. درجةٌ متقدمة ربما إلى حدّ أنها تجاوزت قدرة البشر على استيعاب الاختلافات فعزّزت صدمتهم وانكفاءهم.

عربياً، بدأ العقد مع تفاقم الانسدادات السياسية والاقتصادية في دول عدة. انفجرت الاحتجاجات والانتفاضات فيما اصطلح على تسميته “الربيع العربي” الذي سرعان ما انزلق إلى مهاوي الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية والأزمات العابرة للحدود. اليوم، يسود الموت أو الدمار أو العوز أو الفشل أو الانهيار أو جميعها كلًّا من سوريا ولبنان والعراق ومصر وليبيا واليمن. أما ثورات الجزائر وتونس والسودان فهي، وإن كانت أقل عنفاً، ما زالت تجرّب وتتخبط، فيما تسيطر المكائد وهواجس التوريث والتحولات الاقتصادية والتبعيات السياسية على النادي الخليجي، وبالطبع، فلسطين أصبحت ترفاً لا يقوى أحدٌ على التفكير به.

في الخارج أيضاً، كان العالم يتقلقل جراء الأزمات الاقتصادية وتصاعد الفقر وتدفّق اللاجئين والحركات الانفصالية. اليوم، لا يبدو مستقبل الاتحاد الأوروبي واضحاً، فيما صراع أحزاب اليمين واليسار يحتدّ في انتخاباتٍ تلو الأخرى في دول الاتحاد مع غلبة لليمين. وتتردد أصداء هذا الصراع في أنحاءٍ عديدةٍ من آسيا وأميركا اللاتينية أيضاً، خصوصاً مع الاستثمار الأميركي التقليدي في اليمين وعودة روسيا اللايسارية واللاسوفييتية إلى دعم يسارها العتيق بهدف تحقيق مكاسب دولية. أما الولايات المتحدة وظلّها الثقيل على العالم، فما زال نفسه مع رشةٍ إضافيةٍ من الهوج كي لا نبالغ في أثر ترامب.

يتبدّى المشترك بين هذه الاضطرابات والتقلّبات في تفاقم حالات الفوبيا المجتمعية والفردية. ينتشر الرهاب كما الوباء بين أيدي الناس بفضل ما يصل هواتفهم من رسائل ومنشورات عبر وسائل التواصل بأنواعها، والتي تدغدغ مخاوفهم الكامنة بسهولة بفضل عامل شخصنة “السوشال ميديا” وخوارزمياتها التي ترضي حاجات المتابعين. قد يعرف جهازك الذكي عنك أكثر مما تعرف أنت عن نفسك، ويفصلك عن الآخرين بسهولة. تتداخل حالات الرهاب هذه وترتبط ببعضها البعض، وتعبّر عن نفسها من خلال رفض الآخر المختلف في الرأي أو الانتماء. لا يمكن لأيّ أزمةٍ أن تستمر ما لم تَسُد حالة الانشقاق هذه، فالخوف يخلق الكراهية ويرفع الجدران ويبرّر العنف.
تتصدر الكراهية الدينية أحداث العنف الجسدي والمعنوي حول العالم في حالةٍ ملتويةٍ من رهاب الله (Theophobia) الذي يبدو على الدوام كأنه بحاجةٍ لمدافعين متحمّسين عنه، سرعان ما ينصبون المقاصل حين يشعرون بأدنى إهانةٍ أو قلّة إيمانٍ في مكانٍ ما. الكلّ مستعدٌ للقتال والطعان حتى لو كان الموضوع لا يعدو على كونه أغنيةً أو فيلماً ما. لا يجب أن يهان الله بكلمة. ولكن لا بأس إن أهين الله بما نشنّ من حروبٍ، ونضمر من ضغائنٍ، ونرتكب من مفاسد. قتل النساء لا يهين الله. الاعتداء على الأطفال لا يهين الله. الفقر لا يهين الله. وحدها سبةٌ هنا أو رسمةٌ هناك تسيء لله ولأديانه ولسدنة هياكله.

ينمو هذا الرّهاب وينتشر في المجتمعات المُفْقَرة كما في المجتمعات التي عملت على إفقارها. لم تعد فوبيا الآخر تقتصر على طائفةٍ أو طبقةٍ أو عرقٍ أو جندر. لقد عاد الجميع للخوف، ولم تعد دعوات الحوار والإنصات تفيدُ في كشف المرض ولجم الكراهية. هناك مشكلة إنسانية عميقة تسيطر على مجتمعاتٍ بأكملها. وهي مشكلة تستلزم دراساتٍ وبرامج عملٍ دوليةٍ وإقليميةٍ لا تقلّ في نطاقها وتأثيرها عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. الحاحة ملحّة لأن ينتهي الرّهاب والقمع والقصل في مجتمعاتنا، ولنأمل ألّا يكون هذا حديثنا لعقدٍ كاملٍ آت.

 
×