كثيرون توافقوا على وصف 23 يوليو بالثورة نظرًا لدورها في تغيير الخريطة الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، وتأسيسها نظامًا جمهوريًا على أنقاض النظام الملكي، وقيادتها الاستقلال والتحرر الوطني، حتى أصبح من الصعب تجاهل ما أنتجته من تحوّلات.

ومع ذلك، ظل البعض لأسباب أيدولوجية أحيانًا أو انحيازات سياسية أحيانًا أخرى، يعتبر أن ما جرى ليله 23 يوليو هو انقلاب عسكري قاده ضباط مغامرون، تمامًا كما حصل في تجارب أخرى تكررت في المنطقة العربية وفي كثير من دول أميركا الجنوبية والعالم.

والحقيقة أن جمال عبد الناصر ورفاقه الأحرار امتلكوا خبرة فريدة شكّلت وعيهم بصورة استثنائية مقارنة بغيرهم من قادة الانقلابات العسكرية من وزراء دفاع أو قادة عسكريين كبار، وجعلت شابًا في منتصف الثلاثينيات من عمره مثل عبد الناصر يقدم على إنشاء تنظيم سياسي ثوري يخترق به الجيش، ضاربًا القواعد المتعارف عليها في أي مؤسسة عسكرية منضبطة، لا تقبل، بل لا تتسامح مع أي تنظيمات سرية تخترق صفوفها. وقد تعامل الرجل مع قوى سياسية متعددة، شيوعية وليبرالية وإخوانية، ونجح في تحريك بعض وحدات الجيش لمحاصرة مقر القيادة وعدد من المراكز الحيوية في البلاد، فاتحًا الطريق أمام إسقاط النظام الملكي القديم وتأسيس الجمهورية الجديدة.

وقد بلغ عدد أعضاء تنظيم “الضباط الأحرار” حوالي 300 من عناصر الجيش المصري، انخرطوا في عمل سري مثل كثير من النشطاء والسياسيين، وقرروا تغيير نظام الحكم وبناء نظام جديد، وهو أمر يختلف جذريًا بطبيعته عن تجارب أخرى يُصدر فيها وزير الدفاع أو القادة العسكريون أوامرهم للجنود والضباط بالانقلاب على السلطة القائمة، فينفذها هؤلاء وفق قواعد أي مؤسسة عسكرية.

والمؤكد أن هناك فارقًا هائلًا في التركيبة النفسية لقائد هو ابن مؤسسته البيروقراطية (مدنية كانت أم عسكرية) تدرّج فيها منتظرًا كل 3 أو 4 أعوام ترقيته حتى يصل إلى قمتها، وبين رجل خرج عن هذه التقاليد وتمرّد عليها وأخذ مخاطرة كبرى مرتين: مرة بتأسيس تنظيم سري، ومرة بالتحرك الثوري ليلة 23 يوليو ضد النظام القائم.

لا زالت هناك “عقدة” يحملها البعض تجاه كل من خرج من المؤسسة العسكرية، وهي في الحقيقة أقرب للعقدة النفسية ولا علاقة لها بالنقاش السياسي

والحال أن تركيبة عبد الناصر منذ اللحظة الأولى تضعه في مصاف السياسيين الثوريين، فقد امتلك خبرة مدنية من خلال قيادته تنظيمًا سياسيًا، ولم يكتف فقط بخبرته العسكرية كضابط في الجيش المصري. وأذكر أن الراحل الكبير محمد حسنين هيكل ذكر لي في إحدى المرات أنه قال لعبد الناصر إنه بالتأكيد كان ضابطًا فاشلًا لكثرة أبيات الشعر التي كان يتلوها عليه، ويحفظها عن ظهر قلب. وبرغم أن “حافظ الشعر” ليس بالضرورة عسكريًا فاشلًا، فما قصده هيكل أن تكوين عبد الناصر كان مدنيًا وسياسيًا، أكثر منه عسكريًا.

يقينًا أن خبرة عبد الناصر وتكوينه السياسي لا يعطيانه أي حصانة خاصة تحول دون نقد تجربته وأخطائه، لكنهما تعطياننا مساحة للفهم والنقد البناء المفيد للمستقبل. فنظام عبد الناصر لم يكن عسكريًا، بل مدنيًا تقدميًا آمن بالجماهير وبحركة الشعوب، حتى لو كان قائده ذا خلفية عسكرية. وهو هنا أقرب إلى كثير من النظم الاشتراكية التحررية التي عرفتها دول العالم الثالث، من حيث التنظيم السياسي الواحد وغياب الديمقراطية وإعطاء الأولية للعدالة الاجتماعية وخطاب التحرر الوطني. لكن بالتأكيد لا يمكن مقارنته بالنظم العسكرية التي أقصت الجماهير ولم تعرف أي دور للمؤسسات النقابية والأهلية والحزبية، حتى لو كانت تعمل وفق شروط النظام.

لا زالت هناك “عقدة” يحملها البعض تجاه كل من خرج من المؤسسة العسكرية، وهي في الحقيقة أقرب للعقدة النفسية ولا علاقة لها بالنقاش السياسي. وثمة من لا يرى عبد الناصر إلا بصفته عسكريًا، حتى لو كان ابن تنظيمات سياسية، وأسقط النظام الملكي، وتمرد على قياده الجيش، وقاد مع آخرين حركة التحرر الوطني في العالم الثالث. هنا، يفترض أن تكون الخلفية العسكرية مصدر فخر وشرف، لا عيبًا.

ستبقى قيمة عبد الناصر وقوة ثورته مرتبطتان بكونه ابن عصر التحرر الوطني. وهو، وإن أخطأ في أشياء كثيرة، إلا أنه سيظل العلامة الأكبر في التاريخ العربي المعاصر، علمًا أن نجاحنا اليوم متوقف على التعامل مع تحديات العصر الذي نعيش فيه ومع أولوياته، وأن الديمقراطية ودولة القانون التي لم تكن أولوية في زمن عبد الناصر، أصبحت الآن في أعلى سلّم الأولويات.