“غدا الحاكم النموذجي للعالم هو رأس المال المالي.. إلى درجةٍ صار معها بضع مئاتٍ من المليارديرات والمليونيرات يتحكمون بمصير العالم كله تقريبًا”

فلاديمير لينين

 

استتبع بزوغ قوىً اقتصاديةٍ وعسكرية جديدةٍ في دولٍ كالصين وروسيا والهند، في السنوات الأخيرة، ظهور نظرياتٍ وآمالٍ عن عالمٍ متعدد الأقطاب يَعِدُ بتخفيف وطأة السياسات أحادية القطب التي تمارسها الولايات المتحدة على الصعيد العالمي. ولم تلبث هذه الطموحات أن تدعمت بحقيقة أنَّ أقطاب النمو الاقتصادي الصاعدة تلك قامت بتشكيل عددٍ من المنظمات الدولية  الإقليمية، كـ”منظمة شانغهاي للتعاون” و”مبادرة الحزام والطريق” المدعومة صينيًا، و”الاتحاد الاقتصادي الأوراسي”.

غير أنّ النخب الحاكمة لهذه القوى الصاعدة تميل، على الرغم من هذه التطورات المواتية، إلى تجنّب مواجهةٍ أكثر صرامةً مع التدخلات الاقتصادية أحادية الجانب وغيرها من التدخلات الإمبريالية التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها على علاقات تلك القوى المحلية والدولية. وبذلك تبقى الآلية التي تحكم الاقتصاد العالمي منصاعةً للتأثير أحاديِّ الجانب للولايات المتحدة، على الرغم من تطور العديد من الاقتصاديات العالمية في اتجاهٍ تعدديٍّ.

السؤال الآن هو كيف يمكن تفسير هذه التطورات المتناقضة: عالمٌ متعدد الأقطاب ناشئٌ توازيه معارضةٌ غير مؤثرةٍ للسياسات الأحادية للولايات المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق بالمجالات الاقتصادية الكبرى، كالتجارة والاستثمار والسياسات المالية؛ وكذلك في ما يشكل أهميةً حرجةً، كالعقوبات الاقتصادية ومخططات السيطرة السياسية الإمبريالية، على نحو ما جرى في العراق وليبيا وغيرهما بصورةٍ فجَّةٍ، أو ما يتعلق بدعم التيارات الرجعية وسط الهبّات الجماهيرية التقدمية لقمعها وتصفيتها كما يحدث في المنطقة العربية والعالم؟

والحال أنّ اتساع مدى التعددية القطبية عالميًّا إلى جانب استمرار عالم القطب الواحد وثباته لا ينطوي على تناقض إلا على مستوىً سطحيّ. بل إنّه يتوافق كليةً، في الواقع، مع منطق التطورات الاجتماعية الاقتصادية للنظام الرأسمالي العالمي في عصرنا: ومفاد هذا المنطق أنّه في حين تظهر أقطاب التطور الاقتصادي الصاعدة وقد اكتست ملامح جغرافيةً أو قوميةً، تميل الآلية الأحادية الثابتة التي تدير المشهد الاقتصادي العالمي المتطور إلى كونها طبقيةً، مع بقاء السلطة الفعلية في يد الطغمة البلوتوقراطية الحاكمة للولايات المتحدة باصطفافها مع حلفائها الطبقيين حول العالم، بمن فيهم حلفاؤها في هذه القوى الاقتصادية والعسكرية الصاعدة. إذ ترتبط الدوائر الأوليغارشية المحلية داخل القوى الاقتصادية والعسكرية الصاعدة (أو ما يطلق عليها البرجوازية الكومبرادورية) بحلفائها الطبقيين في دول المراكز الرأسمالية، بصورةٍ رسميةٍ وغير رسميةٍ، عبر المؤسسات والمنظمات الاقتصادية والمالية العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومجموعة السبع ومجموعة العشرين، وأمثالها. وتمتلك النخب الثرية في تلك القوى الصاعدة ما يجمعها بنُظرائها من النخب في الولايات المتحدة وغيرها من دول المراكز أكثر مما يجمعها بمواطنيها في بلادها. وكما يلاحظ عدد من المراقبين اللصيقين بهذه النخب، فإن فاحشي الثراء باتوا أًمَّةً وحدهم. والحرب الطبقية القائمة بالفعل، حرب سياسات التقشف والعوز أحادية الجانب والعابرة للحدود، تشنها الطبقة العابرة للقوميات من الأوليغارشية المالية ضد الأغلبية العالمية الكادحة.

الإيمان شبه الديني بالعقيدة النيوليبرالية الذي يعتنقه الكثير من المستشارين تتم تزكيته إلى القادة القوميين الشعبويين الطامحين للسيادة في بلدانٍ كالصين وروسيا وإيران

يمكن لهذا أن يفسّر الاستقطاب الاجتماعي والشقاق الوطني في دولٍ كالصين وروسيا: التيارات البلوتوقراطية الانفتاحية المتطلعة نحو الغرب، من جهةٍ؛ والتيارات المُتوخِية للمصلحة الذاتية والمطالِبة بحلولٍ وطنيةٍ أو محليةٍ للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، شعبويةً كانت أو قوميةً أو مناهضةً للإمبريالية، من جهة أخرى. ويمكن، على المنوال ذاته أيضًا، أن نفسّر لماذا تتكرر أزمة القوى المناهضة للإمبريالية، تلك الأزمة التي تعيق مقاومتَها للعقوبات الاقتصادية ثقيلة الوطأة ولمختلف الضغوط المالية من قِبل الولايات المتحدة وحلفائها. بل إنّه يمكننا على هذا النحو أيضًا أن نفسّر بقاء الآلية الحاكمة للاقتصاد العالمي مُركَّزةً في يد أُمَّة فاحشي الثراء العالمية على الرغم من بزوغ أقطاب القوى الاقتصادية التي خلقتها التطورات التكنولوجية والصناعية من حولنا. نظام السيطرة هذا يتموضع ممارِسًا دوره عبر مؤسسات ماليةٍ متنفِّذةٍ عدة، كبنك التسويات الدولية (BIS) المملوك والمتحكَّم فيه من قِبل البنوك المركزية لكبرى القوى الاقتصادية، وصندوق النقد الدولي، وجمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (SWIFT) التي تتكون من شبكةٍ تربط كبرى المؤسسات المالية العالمية (11,000 مؤسسة في 200 دولة) لمراقبة المعلومات المتعلقة بالتحويلات المالية حول العالم وتنظيم تبادلها.

على المستوى الأيديولوجي، تتشارك النخب الحاكمة حول العالم الرأسمالية النيوليبرالية (أو الرأسمالية من وجهة نظر البرجوازية الاحتكارية المالية) كفلسفةٍ اقتصادية. هذا المنظور الاقتصادي الذي يتم تبنيه باطراد من قبل الحكومات جميعها، أنزل الخراب بالشروط المعيشية للغالبية العظمى من سكان الأرض. وتصرّ هذه الرؤية على اعتبار برامج شبكات الأمان الاجتماعي الموجَّهة للمحتاجين والقوانين المنظِمة للسوق وقوانين العمل وما شابهها، منشأً لعدم الكفاءة والضعف الاقتصادي، كما تُصوِّر الإنفاق العام على الصحة والتعليم والسكن والغذاء والمواصلات لا كاستثماراتٍ بعيدة الأجل تخدم تطور المجتمع ورخاءه، بل كتكاليفٍ ينبغي التخلص منها أو تقليلها. هذه العقيدة الاقتصادية تم ترويجها وتناقلها وتطبيقها عالميًّا منذ ثمانينيات القرن العشرين وإلى الآن، حتى باتت مبادئها النظرية تشكل جوهر معظم المراجع الاقتصادية والمواد الدراسية في معظم أقسام الاقتصاد والخطط التي يقدمها معظم المستشارين الاقتصاديين لصانعي القرار في أنحاء العالم. بالإضافة إلى هذا، فالإيمان شبه الديني بالعقيدة النيوليبرالية الذي يعتنقه هؤلاء المستشارون تتم تزكيته إلى القادة القوميين الشعبويين الطامحين للسيادة في بلدانٍ كالصين وروسيا وإيران. ففي حين يسعى هؤلاء القادة نحو مقاومة العقوبات الاقتصادية وسائر التدخلات الإمبريالية في شؤون بلدانهم –وإنْ بأساليبَ مترددةٍ يعوزها الحسم- تتسبب التوصيات النيوليبرالية التي يضعها المستشارون في تقويض مثل هذه المقاومة نظرًا إلى ما تؤسسه من تبعيةٍ اقتصاديةٍ تنتقص من السيادة الذاتية. كلّ ذلك وسط إصرار هؤلاء الاقتصاديين الذين تلقوا تدريبهم في معاهد الفكر الاقتصادي الليبرالي، على انعدام البدائل التقدمية للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية، وعلى أنَّ السبيل أمام البلدان الصاعدة والنامية مؤخرًا ينبغي أن يسير وفق مخطط التطور النيوليبرالي.

في الواقع، إنّ الأثر المُبدِد للسيادة الوطنية المترتّب على الوصفات النيوليرالية التي يقدمها هؤلاء “الخبراء” يفوق ما تتسبب به القدرة المشؤومة للجحافل العسكرية الإمبريالية، حيث يدفع هؤلاء الاقتصاديون بأنَّ النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي مرهونان بالاندماج في النظام النيوليرالي للرأسمالية المعولمَة بكل ما يترتب على هذه الدعاوى الاقتصادية من آثار سياسية وإدارية لا يمكن إغفالها. لسان حال هؤلاء الخبراء: لا طائل من محاولة خلق مساراتٍ تطوريةٍ بديلةٍ للنظام الاقتصادي والمالي النيوليرالي العالمي. والنتيجة: ترسُّخ واستمرار نظام الحكم العالمي، أو الاستراتيجية الاقتصادية التي تقود مشهد تعدد الأقطاب الاقتصادية الذي نحياه.

 
×