في أيار من عام 1998، نشر الكاتب الفرنسي-الإسباني إغناسيو رامونيه مقالته الشهيرة بعنوان “عالم آخر ممكن” في مجلة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية، في صدارة ملف متكامل حول بدائل محتملة للعولمة بشكلها السائد. صار هذا العنوان شعاراً يلخص الأسس التي قامت عليها الحركة المطالبة بعولمة بديلة، والتي سُميت خطأً، تحديداً من قبل المعادين لها، بـ”الحركة المناهضة للعولمة”.

وُلد هذا التيار في منتصف التسعينيات، ونظّر له مناهضون لسياسات “منظمة التجارة العالمية” ولرؤى “مدرسة فريدمان” الاقتصادية ولتغلغل خريجي هذه المدرسة (الذين لُقبوا بـ”شيكاغو بويز”) في مفاصل صناعة القرار في عدد من دول أميركا اللاتينية (تحديدًا في تشيلي إبان حكم بينوشيه). التيار المطالب بعولمة بديلة، الفاقد للإمكانات المالية، تشكلت قوته من تعدّده، حيث ضم قوى نقابية وأخرى فلاحية، ومجموعات “الصمود والتضامن الدولي”، وجماعات مدافعة عن حقوق المستهلك وأخرى معنية بحماية البيئة، وصولًا إلى مثقفين يساريين ومجموعات شبابية متنوعة.

عام 1999، نُظمت تظاهرة ضحمة في مدينة سياتل الأميركية ضد سياسات “منظمة التجارة العالمية”، اعتُبرت إعلان ميلادٍ للتيار المطالب بالعولمة البديلة. وقد تعددت نشاطات المنضوين في هذا التيار، ليشكّل “ملتقى بورتو أليغري” الموعد السنوي الأبرز لها، حيث يجمتع عشرات الآلاف من مختلف أنحاء العالم، وتُناقش آليات النضال الوطني والعابر للحدود لكشف دور “منظمة التجارة العالمية” في تمكين الشركات المتعددة الجنسيات على حساب حقوق العمال، ولدعم النضالات الوطنية كثورة زاباتيستا في المكسيك و”حروب الماء” في بوليفيا (سلسلة احتجاجات على القرارات الحكومية القاضية بخصخصة شركات توزيع المياه)، وصولًا إلى القضية الفلسطينية وقضية العراق الذي كان واقعاً تحت حصار دولي مُنهك.

كان التيار المطالب بعولمة بديلة يدعو أيضاً إلى شطب ديون دول العالم الثالث، باعتبارها وسيلة تسهّل تبعيّتها للدول الغنية. وفي وقت مبكر جداً، بيّن هذا التيار أن المرحلة النيوليبرالية للعولمة ستضاعف الفوارق بين الأغنياء والفقراء، وتُعمّق سيطرة الشمال على الجنوب، وتزيد من احتمالات اندلاع النزاعات. كذلك رفع التيار صوته في مواجهة تأثيرات السياسات النيوليبرالية المدمرة للنظام البيئي، والمهددة للاستقرار الاجتماعي، والمشجعة على إطلاق حروب دولية استباقية.

حرير رؤوس الأموال، كما توقع نوام تشومسكي، أدى دوره كسلاح يفتك في أي عقد اجتماعي عالمي ينعم بالديموقراطية والمساواة

شكلت الحرب الأميركية على العراق عام 2003 إعصاراً هائجاً أطاح بالكثير من هذه الجهود، إذ خفتت بعدها أصوات المحتجّين بفعل سطوة النموذج المهيمن على العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً. في كتابها، No Logo، اعتبرت نعومي كلاين أن الشركات العابرة للقارات لا تبيعنا منتجات فقط، بل تروج لنا نموذجاً موحّداً لأسلوب العيش، حيث اجتاحت هذه الشركات مجالات حياتنا الخاصة كافة. وقد ترافق تعويم هذا النموذج وسيطرة تلك الشركات مع تراجع مذهل لحقوق العمال،سواء في الغرب حيث تتكاثر أشكال الوظائف الهشّة، قصيرة الأمد، والتي لا تؤمن حقوقًا اجتماعية، أم في الدول النامية حيث تبرز أنواع جديدة من العبودية في العمل.

يكفي عرض أدبيات التيار المطالب بعولمة بديلة وإنسانية في مثل هذه الأيام لتبيان صوابية رؤاه، سواء لجهة قراءة تبعات العولمة أو لناحية رفعه مطالب مقابلة. يضعنا انتشار فيروس “كورونا” اليوم أمام حقائق كونية جديدة: لقد أدى الاستثمار المتوحش لمقدّرات الكوكب إلى اختلال كبير في النظام البيئي، وخرجت إلينا بعض عوامل الطبيعة ومخلوقاتها للدفاع عن نفسها. حرير رؤوس الأموال، كما توقع نوام تشومسكي، أدى دوره كسلاح يفتك في أي عقد اجتماعي عالمي ينعم بالديموقراطية والمساواة (مجلة لوموند ديبلوماتيك- كانون الأول 1998)، وقد بيّنت الأزمة الفيروسية الحالية أن سياسيات التصنيع والصحة والتبادل التجاري الحالية عاجزة عن تأمين حق الطبابة للأفراد، وأن اعتبارات الربح المالي تتقدم عليها بأشواط.

العالم الذي استقرت عنده إخفاقات النيوليبرالية يمكن اختصاره في مشهدين شديدي التشابه. الأول هو ألبوم تتكدس فيه صور مصانع كبيرة في روسيا، مصانع باتت باحات لأسواق خضار، أو أبنية فارغة يعشعش فيها الغُراب، بعدما انهار الاتحاد السوفياتي وشكل انهياره انتصاراً للمحور المقابل. فيما المشهد الثاني يلي الأول بنحو عشر سنوات، وهو عبارة عن كادر متحرك في بلدات صامتة في النورماندي الفرنسية، تسير الكاميرا في طرقاتها فتعثر لماماً على رجال في العقد الخامس، يجلسون وحيدين أمام منازلهم، لتنتهي رحلة الكاميرا أمام مبنى ضخم صامت، مهجور، يعشعش فيه الغراب أيضًا. هذا المبنى كان يحوي واحداً من أهم معامل النسيج الفاخر، وقد تم نقله إلى دول آسيوية فقيرة، حيث اليد العاملة المتدنية الأجور. أما الرجال المتسمرون أمام منازلهم فهم جزء من جيش العاطلين عن العمل الذين فقدوا أشغالهم بفعل انتقال الشركات الكبرى إلى حيث لا حقوق للعمال، ولا أجور متوسطة. مشهد بلدات النورمادي جزء من مشاهد كثيرة في دول التحقت بالعولمة النيوليبرالية وشكّلت جزءاً من منظومتها.

لم تعد المجتمعات الفقيرة هي الأكثر ضعفاً في مواجهة تبعات السياسات النيوليبرالية، بل المجتمعات كافة. لذلك تجب العودة مجدداً إلى إحياء الإيمان بـ”عالم آخر ممكن”، أكثر عدالة وإنسانية، بل بأن هذا الخيار بات أكثر ضرورة اليوم من أي وقت مضى.

 
×