طوبى للساعين إلى إنقاذ الأعمال الفنيّة من لهيب النيران، ومن خراب الحروب، ومن براثن الفوضى والنهب الذي يعقبها، فإنّهم «رعاة الفن» يُدعون. طوبى لهم إذ ينتشلون أيقونات هذه البلاد، أو تلك، وتحفهما، ويوصلونها إلى برّ الأمان والسلام، كي تعلّق على جدران المتاحف والمعارض في بلادهم. إنها في مأمن، هناك، محميّة لدى «الأشقاء» الجيران، وإن كانت بعيدة عن أهلها. أهلها الذين لم (وقد لا) يتمكّنون من الحفاظ عليها، فالأفضل أن تكون هناك.

تميل الكفّة، عموماً، لصالح هذه السرديّة، وتنويعات عليها، حين يُطرح موضوع «تسرّب» الأعمال الفنية (والأمر ينطبق على الآثار أيضاً) من متاحف وطنها الأصلي إلى مؤسسات، عامّة وخاصّة، في بلدان أخرى، بعيدة أو قريبة. وتكتسب سردية «الإنقاذ» و«الحفاظ» السائدة شرعيتها، وتُراكِم حمولتها العاطفية، بالتركيز على الوجهة النهائية للأشياء. وفي الوقت نفسه، يتطلّب الاقتناع بهذه الشرعية وبمنطقيّة المسار، تعتيماً مقصوداً، أو إغفالاً، في أفضل الأحوال، للسياق الأوسع، ولتاريخ سياسي واقتصادي، خلق إمكانية وجود هذا المسار أصلاً. وأوجد، بالتالي، إمكانيات تسريب وتهريب (والفرق أحياناً بسيط جداً بين الإثنين!) هذه الأعمال الفنية، أو تلك الآثار.

ليس المقصود في ما تقدّم الأعمال الفنيّة التي تباع في المزادات العالميّة وتصل إليها بشكل قانوني، وبموافقة مالكيها أو ورثتهم. مع أن مصير هذه محكوم، أيضاً، بالسوق العالمي الذي يتأثّر، مداً وجزراً، بالمناخ السياسي، ولا يخلو من فساد. فمصائب (وحروب) قوم عند قوم (أرباح) وفوائد. لا يتّسع المجال هنا للحديث عن الآثار، وعن تاريخ علم الآثار الإشكالي، وارتباطه بمؤسسات وممارسات استعمارية، وتورّط المتاحف الكبرى في العالم بالنهب المنظّم، في الماضي، واستمرارها بجني أرباح هذا النهب في الوقت الحاضر. هناك معارك قضائية تخوضها عدة بلدان لاسترجاع ما نهب من تراثها وآثارها.

أدخل العراق، بحسب عالم الآثار يانيس هامالاكيس، في شبكات السوق العالمي بشكل كامل وخلق قنوات أخطبوطية تسهل نقل وتهريب الآثار خارج العراق

تجد سردية «الإنقاذ» و«الحفاظ» تطبيقها الأمثل في السياق العراقي. كان للحروب والحصار والغزو وتبعاته دورها في تمكين شبكات التهريب وممارسته. ولقد كتب ماغواير غبسون، وهو عالم آثار مخضرم، وأستاذ علم آثار وادي الرافدين في جامعة شيكاغو، والذي نقّب في العراق لفترات طويلة، أن العراق لم يشهد بين عامي ١٩٣٦ و ١٩٩١ حجم ونوع النهب الذي شهده بعد ١٩٩١. فتدمير البنية التحتيّة وفرض الحصار كان من بين أهم العوامل التي أدت إلى فتح الأبواب على مصراعيها أمام النهب. وقد تورط بعض أعضاء النظام السابق في عمليات التهريب في التسعينيّات. وفاقم الغزو الأميركي-البريطاني عام ٢٠٠٣ من الأوضاع البائسة، وأدخل العراق، بحسب عالم الآثار يانيس هامالاكيس، في شبكات السوق العالمي بشكل كامل وخلق قنوات أخطبوطية تسهل نقل وتهريب الآثار خارج العراق. وينتقد هامالاكيس زملاءه من علماء الآثار و «الناشطين الثقافيين» والصحفيين الذين يطالبون بالحفاظ على الآثار وإنقاذها، دون أن يتخذوا موقفاً نقدياً من الحرب وممن يشنها. بل إن بعضهم يتعاون مع مؤسسات عسكرية في حرب لاحقة بحجة تقليل الضرر.

تحظى أخبار الآثار العراقيّة المهربة، والمستعادة، باهتمام إعلامي وشعبي. لكن قلّما نسمع عن أهم أعمال الفن العراقي الحديث، التي «تسرّب» عدد كبير منها خارج العراق إلى متاحف حكومية (أو مقتنيات خاصة) في دول «الأشقّاء» في الخليج. وحدث هذا قبيل الغزو عام ٢٠٠٣ أو مباشرة بعده. يتطلّب التهريب والتسريب شبكة وتواطؤاً في أكثر من نقطة، أولاها في الداخل. لكن المفارقة هي أن الدول التي دعمت غزو العراق، أو التي كانت أرضها منصة للغزو والاحتلال ولأهواله التي فاقمت من الخراب والفوضى، هي التي «تحتضن» هذه الأعمال الفنيّة التي ساهمت سياساتها في تشريدها وتهجيرها. 

فتذكّر/ي وأنت تقف/ين أمام واحدة من هذه اللوحات (أو القطع الأثرية) أن لها سيرة وحكاية أخرى وأنها من غنائم الحروب.

 

*تنشر بالتزامن مع موقع “جدلية”

 
×