“لم نعد قادرين على التحمّل، ننام ونستيقظ ونأكل وندرس ونحلم ونُحبط من السابعة صباحًا حتى التاسعة مساء أمام شاشة التلفون، وحيدين في الغرفة نفسها منذ عام، لا نرى سوى الجدران. أُنهكت عيوننا وخمُلت أجسادنا وفقدنا القدرة على التركيز. لم نعد نشعر سوى بأسراب من النمل تغزوا عمودنا الفقري، وبيأس يقتل فينا الرغبة بالاستمرار “.

تصلني يوميًا الكثير من شكاوى طلاب الجامعة اللبنانية بعد فصلَين من التعليم عن بُعد والحجر الصحي والإقفالات المتلاحقة. هذه واحدة منها. تستدعي هذه الشكاوى أسئلة عن معنى أن تكون شابًا لبنانيًا في مطلع حياته الجامعية اليوم: ماذا يعني أن تكون مسجونًا في بيت مكتظّ في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية وصحيّة عامة خلال مرحلة تكوين نفسك وبناء ذاتك وصداقاتك؟ ماذا يعني أن يصبح عالمك الحسّي والنفسي والعقلي مؤطرًا بشاشة صغيرة تمثلّ نافذتك الوحيدة على العالم الخارجي، بدلًا من التفاعل مع أبناء جيلك وأساتذتك وقاعات جامعتك والأوراق والكافيتريا والشارع والباص والشجر والهواء الطلق؟ ماذا يعني أن تكون طالب سنة أولى في كلية العلوم مثلًا، وأن تتلقى خلال أسبوع أكثر من عشرين فيديو شرحي لتغطية عشر مواد في الفصل الواحد، وتضطر إلى تحمل هذا الضغط كلّه في ظل انقطاع متكرر للتيار الكهربائي والإنترنت من دون وعد بمستقبل أفضل، ولا بفرصة عمل أو بشهادة تقيك العوز وتضمن لك كرامة العيش؟

يقابل هذه الأسئلة ويُذكّر بها سيل من الشكاوى اليومية التي لا تنتهي: “لقد أصبحنا متوحّدين، يحفر تحت أعيننا السواد”. “لم أعد أتكلم مع أحد، خسرت حياتي الاجتماعية بعدما كنت أوزع طاقة على الآخرين”. “لم أعد قادرة على حصر هذه المعلومات كلّها في رأسي”. “عدد كبير من زملائي قرروا هجر التعليم الجامعي”. “ما نفعله عبث… ما الطائل من هذا التعب إذا كنّا في نهاية المطاف سنقبع في بيوتنا من دون عمل؟”.

إذا وسّعنا العدسة قليلًا، وقعنا على سؤال آخر يفيد في تأطير النقاش: أين الدراسات والتحقيقات السوسيولوجية في لبنان التي تعنى ببحث آثار الحجر والتعليم عن بُعد على الوضع النفسي والصحة العقلية لجيل يُقتل وحيدًا، بعيدًا عن الشاشات الكبيرة والضوضاء؟ ما يعانيه هذا الجيل من عزلة وتهميش قد يكون أخطر من الآثار الصحيّة المباشرة لجائحة “كوفيد” بأشواط، وقد نحصد نتائجه الكارثية على مجتمعنا لعقود.

لنأخذ مثلًا حصيلة الدراسات الأخيرة في فرنسا، حيث لا يعاني الشباب هناك من أزمة اقتصادية واجتماعية كالتي نعيشها، وحيث تتوفر فرص عمل ومستقبل أفضل: أظهرت جامعة بوردو في مقارنة للوضع النفسي لنحو 1600 شاب وشابةبعد سنة من الحجر الصحي، أن حالات الاكتئاب والقلق العصبي العام أعلى بنسبة 50 في المئة لدى الطلاب، خصوصًا المنحدرين من الطبقات الشعبية. كما ازدادت نسبة الانتحار ومحاولات الانتحار بشكل ملحوظ خلال فترات الحجر، فيما نسبة لا يستهان بها من الطلاب قررت ترك التعلم الجامعي.

ما الذي يمنعنا من التواصل مع زملائنا من الاختصاصيين النفسيين والتربوين لمتابعة الطلاب الأكثر هشاشة؟

في دراسة أخرى أجريت في الولايات المتحدة، يظهر أن أكثر من 71 في المئة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة يعانون من زيادة في الشعور بالاكتئاب والقلق والتوتر والأرق وفقدان القدرة على التركيز بسبب الخوف من الفشل في دراستهم والعزلة الاجتماعية وغياب التفاعل مع أقرانهم. في تلك البلاد، وبرغم تخبطها أيضًا في معالجة المضاعفات النفسية والاجتماعية للحجر الصحي، يتلقى الطلاب من جامعاتهم دعمًا نفسيًا، حيث يُخصص لمن يعاني منهم من صعوبات نفسية جلسة واحدة على الأقل مع مختص.

ماذا عن بلادنا؟ من يسمع شبابنا ويهتم لمعاناتهم؟ يُطرح هنا سؤال مجتمعي وتربوي ملح: ما هو دور الصرح التعليمي الجامعي الوطني؟ أيمكن اختزاله بتلقين المعلومات وإنهاء برنامج فصلي بأسرع وقت والتمكن من إجراء الامتحانات في موعدها؟ أم يُفترض به بناء قدرات جيل ومنحه إحساسًا بمعنى ما حيال ما يفعله ويطمح إليه، في وقت يعاني فيه هذا الجيل من أسوء مرحلة عرفتها البلاد؟

لا نطمح لتخصيص معالجين نفسيين لسماع الطلاب بشكل فردي، لكن ألا يمكن تكوين خلية أزمة للإنصات لمشكلاتهم الجماعية الناجمة إلى حد كبير عن غياب رؤية ومنهجية قادرة على تنظيم التعليم عن بُعد وتسهيله على الأقل؟ أيُعقل أن نستمر في نقل المنهج التعليمي الحضوري ومن ثم إسقاطه على التعليم عن بُعد من دون أي تعديل منهجي أو تربوي يتكيّف مع القيود التي تفرضها هذه الطريقة في التعليم (وهذا التعديل يُفترص أن يكون عميقًا، لا مجرد إلغاء درس من هنا ومقطع من هناك)؟

كنا نحاول في التعليم الحضوري، من خلال تفاعلنا اليومي مع الطلاب والتحدث إليهم ومعاينة كيفية تفاعلهم معنا، أن نعطي معنى للمادة التعليمية ولمهنتنا أيضًا، وأن نعوّض النقص في المنهج التربوي ونردم الهوة التي تفصل هذا الجيل عن جامعته ووطنه ومستقبله، بقدر متواضع من الحضور الشخصي والإنصات والتفهم.

أما الآن، وفي ظل استحالة التفاعل المباشر والتخبط في التعلم عن بُعد، أصبح الطلاب مجرد فئة غير مرئية ولا مسموعة، مجرد أسماء نراها على تطبيقات “زوم” و”مايكروسوفت تيمز” وخلافها. ولعل أخطر ما فعلته هذه الجائحة هو تجزئة مكونات مجتمعاتنا وتقسيمها إلى فئات تتواصل تقنيًا فقط من خلال شاشات بائسة.

نحن بأمس الحاجة اليوم لإعداد خطة تربوية متكاملة طارئة، كي لا يخسر هذا الجيل نفسه ونخسره. ولا ينبغي التعويل على مؤسساتنا التربوية المهترئة، بل يجب أن نعمل في كل كلية على ابتداع حلول، ولو متواضعة، بهدف تخفيف الضغط عن طلابنا وابتكار طرق لحثهم على المثابرة، ولو كنا قلة قليلة.

ما الذي يمنعنا من تخصيص جلسة حضورية أسبوعية على الأقل للتحدث إلى الطلاب الذين يعانون من صعوبات، كي نتعرف على مشكلاتهم في التحصيل العلمي ونحاول إيجاد حلول لها؟ ما الذي يمنعنا من التواصل مع زملائنا من الاختصاصيين النفسيين والتربوين لمتابعة الطلاب الأكثر هشاشة؟ ما الذي يمنعنا من الضغط الجماعي من أجل تحديث المنهج التعليمي ومحاولة تكييفه ليصبح صالحًا للتعلّم عن بُعد، بدلًا من اجتراره كما لو كنا نلقنه في القاعات؟ ما نحتاجه أكثر من أي وقت مضى هو الرحمة والرأفة بهذا الجيل، وتحمل مسؤولية مجتمعية ووطنية، قبل أن يفتت الانهيار الشامل جيل الشباب، آخر حجر في بناء مجتمعنا.

 
×