(Image Credit: SAUL LOEB/AFP/Getty Images)

 

هذه الأيام، ينشغل السوريّون أكثر من أيّ وقت مضى بهمومهم المعيشيّة، وبالليرة السوريّة التي تفقد قيمتها بسرعةٍ صاروخيّة. ولعلّ الدافع الوحيد لهم للاستمرار بمتابعة أنباء التطورات الدوليّة هو التساؤل عن الجهة الخارجيّة التي يمكنها التدخل لإنقاذ الاقتصاد السوريّ، أو التساؤل حول ماهيّة الصفقة التي يمكن أن تحصل لتضع نهايةً للحرب السوريّة، وبدء تدفق المساعدات الاقتصادية الموعودة. طريقة التفكير هذه لم تأتِ من فراغ. هي نتيجةٌ طبيعيّةٌ لأحاديث محللين ومسؤولين رسميّين، منذ السنوات الأولى للحرب، عن تسابقٍ دوليٍّ مقبل لإعادة إعمار سوريا، وفق الشروط التي يحددها السوريون أنفسهم.

تنطلق الحاجة إلى صفقةٍ دوليّة من عوامل اقتصاديّة وجيوسياسيّة شديدة الترابط. فمن الناحية الاقتصاديّة، يرتبط انتهاء الحرب وتحقيق الاستقرار والسلم الأهليّ في سوريا بتحقيق الاستقرار الاقتصاديّ والماليّ. تتفاوت التقديرات حول كلفة إعادة إعمار سوريا، فآخر الدراسات التي ظهرت في العام 2019 أشارت إلى أرقامٍ تتراوح بين 250 و400 مليار دولار. وفي حين أنّ عملية إعادة الإعمار المدعومة دوليّاً يمكن أن تنفّذ عن طريق تقديم مستلزمات هذه العملية من مواد أوليّة وآلات وخبراء، إلا أنّ وجود أكثر من 80% من السوريّين تحت خطر الفقر، وفق التعاريف السائدة، ووجود عجزٍ تجاريّ وماليّ يتراوح بين 5 و10 مليارات دولار سنوياً، يتطلب وجود تدفّقات نقدية مباشرة بالعملات الأجنبية لا تقل عن 10 مليارات سنوياً، وعلى الأقل لعقدٍ من الزمن. تعدّ هذه التدفقات النقديّة ضرورية لوقف التدهور السريع لقيمة الليرة السوريّة الذي يمكن أن يكون سبباً جديداً لاضطراباتٍ اجتماعيّةٍ جديدةٍ وموجاتٍ من المهاجرين تقلق الاستقرار الأوروبيّ. تمثّل الخشية من الانعكاسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة – وحالياً يمكن إضافة الانعكاسات الصحيّة – لاستمرار الحرب والاضطراب في سوريا، على المحيطين الإقليمي والدولي، الدافع الرئيس لتدفّق التبرعات الماليّة الدوليّة. يشبه هذا، من حيث المبدأ، خطة مارشال الأميركيّة لبناء الاستقرار في أوروبا بعد الحرب العالميّة الثانية. إلا أنّ مجرّد الخشية من تمدد الفوضى لا يعني بالضرورة بدء تدفق المساعدات الماليّة وانطلاق عملية إعادة الإعمار. يعتبر العراق خير مثالٍ لتفنيد نظرية من يكررون قول إنّ عملية إعادة الإعمار والتبرعات ستكون فورية. انتهت الحرب ضد تنظيم “داعش” في العراق رسمياً في كانون الأول/ديسمبر 2017، ولا تزال عملية إعادة الإعمار هناك تراوح مكانها، بالرغم من أنّ تكلفتها تقدر بأقل من 90 مليار دولار، أي أقل من نصف الناتج الاقتصادي السنوي العراقي البالغ حوالي 220 ملياراً، أو ربع إلى ثلث كلفة إعادة إعمار سوريا. وهذا ما يقودنا إلى العوامل الجيوسياسيّة التي تجعل الصفقةَ الدوليّة أمراً ضرورياً.

رافق التدويلُ الحربَ السوريّة منذ أيامها الأولى، إلا أنّ هذا التدويل أخذ بعداً خطيراً منذ خريف العام 2015، عند وصول القوات الروسية في أيلول/سبتمبر، ثم وصول القوات الأميركية في منتصف تشرين الأول/أكتوبر. الصفقة الدوليّة ضرورية ليس للتوصل لترتيبات لخروج القوات الأطلسية من الشرق السوري فحسب، بل كذلك لتجنب تحول الميدان السوريّ إلى ميدانٍ للتنافس الروسيّ الأميركيّ – على نحو ما بدأنا نشهد في ليبيا أخيراً. يمكن القول إنّ كلفة التدخل العسكريّ في سوريا ما تزال منخفضة، من الناحية الماليّة والبشريّة، بالنسبة لروسيا التي اغتنمت الفرصة الاستراتيجيّة الناجمة عن تراجع الحضور الأميركيّ في المنطقة، وتأزم العلاقات الروسيّة الغربيّة على خلفية الحرب الأوكرانيّة، منذ مطلع 2014. ولكن ما يفوت انتباه الكثيرين هو أنّ التدخل الروسي في سوريا لم يكن مدعوماً بفائض قوةٍ عسكريّة أو اقتصاديّة. فقد حصل هذا التدخل في ذروة الأزمة الاقتصادية الروسية، كما اضطر الكرملين لتقليص حجم خطط التسليح العشرية. أوقفت روسيا “خطة تسليح الدولة 2011-2020″ البالغة كلفتها 700 مليار دولار واستبدلتها بـ”خطة تسليح الدولة 2018-2027” البالغة كلفتها 290 ملياراً. وهذا، بشكل رئيس، ما دفع روسيا مرات عدة لتفضيل عقد تفاهماتٍ جانبيّةٍ مع تركيا، على الاصطدام المباشر معها. ولهذا تحتاج روسيا، على المدى الطويل، لصفقةٍ مع الغرب لتمويل إعادة إعمار سوريا بما يخفف كلفة الالتزام الروسيّ الطويل الأمد بحفظ الاستقرار في هذه المنطقة، وكذلك بما يقدم فرصاً اقتصاديّة للشركات الروسيّة للاستفادة من إعادة إعمار سوريا ومن مشاريع نقل الطاقة التي يمكن أن تشهدها المنطقة.

البحث عن سراب صفقة

في مثل هذه الأيام من العام 2016، كان العالم يراقب الحملتين الانتخابيّتين لهيلاري كلينتون ودونالد ترامب. وفي سوريا وروسيا كان هناك رهانٌ كبير على أنّ فوز ترامب يمكن أن يكون مفتاحاً لمثل هذه التفاهمات، على الأقل لناحية سحب القوات الأميركيّة من المنطقة، وتخفيف التوتر الأميركيّ-الروسيّ، وتسهيل تدفق المساعدات الأوروبيّة، وربما الخليجيّة أيضاً. والآن، وفي الوقت الذي يراقب فيه العالم الحملتين الانتخابيّتين لجو بايدن ودونالد ترامب، تتراجع التوقعات بعقد صفقةٍ روسيّة-أميركيّة حول سوريا – أو، في الحقيقة، حول أيّ شيء آخر، وذلك ما لم يقع حدثٌ استراتيجيٌّ هائل – مثل اضطرار الولايات المتحدة وروسيا للتعاون عسكريّاً في وجه الصين – فحتى التعاون لإخراج إيران من سوريا لا يبدو ثمناً مقنعاً للقوتين العظمتين لتجاوز تنافسهما الاستراتيجي وضخ عشرات ومئات مليارات الدولارات في هذه البقعة الصغيرة من العالم.

نعم، لسوريا موقعٌ استراتيجيّ دفع الولايات المتحدة يوماً إلى اختبار قدراتها لأول مرة على تدبير الانقلابات العسكريّة، وهو انقلاب حسني الزعيم في العام 1949 بهدف تمرير أنبوب “التابلاين” الشهير والذي كان بنظر الولايات المتحدة أحد العوامل التي ستساهم في تحقيق الاستقرار في أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة، وتخفيف كلفة إعادة الإعمار. وكذلك عنى مدّ أنبوب “التابلاين”، وهو الأهم، منع استنفاد النفط الأميركيّ عبر تصديره إلى أوروبا، في الوقت الذي بدأت تبرز ملامح الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتيّ. ولكن هذا كان منذ سبعين عاماً. اليوم تبدو سوريا مرشحةً أكثر لأن تشهد مرحلةً من الصوملَة أو الأفغنَة – بمعناها الجيوسياسي وليس الجهادي.

من رمال أوغادين إلى جبال أفغانستان

أواخر ستينيات القرن الماضي، ناءت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بكلفة الحرب الباردة وسباق التسلّح، ما سمح بولادة “محادثات خفض الأسلحة الاستراتيجية (Strategic Arms Limitation Talks)”، المعروفة اختصاراً بـ SALT، والتي نتجت منها مجموعة اتفاقيات SALT 1 في العام 1972 و SALT 2 في العام 1979. وقّع بريجنيف وكارتر اتفاقية SALT 2 في فيينا في حزيران/يونيو 1979، بعد سبع سنوات من المفاوضات. وفي المراحل الأخيرة من هذا التقارب السوفيتي-الأميركي، تفجرت أزمة إقليمية جديدة تورّط فيها البلدان مرغمين.

بعد سنواتٍ من الدعم الصومالي لحركات التمرد في إقليم أوغادين، الواقع تحت الاحتلال الإثيوبي، قرر الصومال، الذي كان تحت قيادة محمد سياد بري حينها، شن حرب مباشرة لاستعادة إقليم أوغادين مستغلاً الاضطرابات الداخلية في إثيوبيا وحركات التمرد في كل من أوغادين وإريتريا. كانت إثيوبيا، في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، حليفةً للولايات المتحدة، إلا أنّ النظام الإثيوبي الجديد الذي ولد بعد ثورة 1974 كان اشتراكيَّ الهوى وحظي برعاية الاتحاد السوفيتي الذي كان يأمل بجمع إثيوبيا والصومال، فالأخير كان حليفاً وثيقاً للاتحاد السوفيتي ووقع معه اتفاقية صداقة في العام 1974.

إلا أنّ محمد سياد بري كان يرغب باستعادة إقليم أوغادين، ضمن دعوته لإقامة «الصومال الكبرى» التي تضم الصومال وأوغادين وجيبوتي وشرق كينيا. غزا سياد بري أوغادين في تموز/يوليو 1977 وحقق تقدماً سريعاً. إلا أنّ الاتحاد السوفيتي أوقف دعمه للصومال، وضاعف مرات عدة حجم دعمه لإثيوبيا بما في ذلك جسر جوي بمقياس الجسر الجوي السوفيتي خلال حرب العام 1973، وما إجماليه 100 ألف طن من المعدات العسكرية، فضلاً عن 17000 جندي من كوبا، وإمدادات أخرى من كل من اليمن الجنوبي، وكوريا الشمالية، وألمانيا الشرقية وغيرها من حلفاء الاتحاد السوفيتي. هكذا، بعد تقدم سريع للجيش الصومالي بين تموز/يوليو وتشرين الأول/أكتوبر شمل استعادة معظم إقليم أوغادين، والتقدم لسبعمئة كيلومتراً داخل الأراضي الإثيوبية، بدأت مراوحة في المكان، عند الوصول إلى هضاب «هرر»، شرق إثيوبيا، امتدت إلى كانون الثاني/يناير1978، لتبدأ القوات الإثيوبية والكوبية هجوماً مضاداً سمح لها خلال الأسابيع التالية باستعادة جميع الأراضي التي فقدت منذ بداية الحرب. ما دفع سياد بري في 9 آذار/مارس لتوجيه الأوامر للجيش الصومالي بالعودة إلى داخل الأراضي الصومالية، لتكون هذه نهاية ما يمكن وصفه بالجزء التقليدي من حرب أوغادين والانتقال إلى حروب الوكالة عبر دعم الطرفين لحركات التمرد، وحروب العصابات في البلدين، وبعض الاشتباكات العسكرية المتفرقة. وهذا ما استمر عليه الحال للسنوات التالية.

من جهتها، بدأت الولايات المتحدة، التي كانت تراقب مجريات الحرب في الأشهر الأولى، تقديم الدعم المالي والعسكري للصومال منذ أواخر 1977، وكذلك فعل الكثير من حلفائها الغربيين والإقليميين. الموقف الأميركي لم يخل من تردد. فالخارجية الأميركية، في عهد سايرس فانس، كانت تود الحفاظ على التقدم الذي تم تحقيقه في مفاوضات تخفيض الأسلحة الاستراتيجيّة مع الاتحاد السوفيتي. أما أقطاب الأمن القومي فقد اعتبروا تحركات الاتحاد السوفيتي في القرن الأفريقي ناجمةً عن اعتقاد السوفييت بضعف الولايات المتحدة بعد الهزيمة في حرب فيتنام، وبعد بدء التفاوض لخفض الأسلحة النووية. في النهاية انتصرت وجهة نظر مختصي الأمن القومي، وعلى رأسهم مستشار الأمن القومي الأشهر، زبينغيو بريجنسكي. وبالرغم من أنّ المساعدات الأميركية لم تمكن الصومال من الانتصار في إثيوبيا، إلا أنها منعت انهيار المواقع الصومالية، وسيطرة الاتحاد السوفيتي على كامل القرن الأفريقي.

من المرجح أن يحمل مسار الحرب في سوريا الكثير من ملامح الشبه بما حصل في أفغانستان والقرن الأفريقي، حيث تستمر الحرب إلى أن تفقد القوى العظمى الاهتمام بنتيجتها

أمّا الاتحاد السوفيتي فسرعان ما بدأ التورط في أفغانستان التي دخلتها قواته يوم 25 كانون الأول/ديسمبر 1979. وبعد أسبوع من بدء هذا الغزو، أعلن الرئيس الأميركي جيمي كارتر الانسحاب من معاهدة SALT 2، بعدما تأكد من أن الكونغرس لن يقوم بالتصديق على الاتفاقية. وتعليقاً على انهيار هذه الاتفاقية، علق مستشار الأمن القومي بريجنسكي قائلاً «لقد دفنت اتفاقية SALT في رمال أوغادين». تلخّص هذه المقولة أهمية الصراع في القرن الأفريقي في الحسابات الاستراتيجية للقوتين العظمتين – حتى وإن كانتا قد تورطتا رغماً عنهما. استمر دعم الطرفين لحلفائهما في القرن الأفريقي إلى نهاية الحرب الباردة. وفي أفغانستان دعمت الولايات المتحدة الأفغان في استنزاف الاتحاد السوفيتي، إلى أن انسحبت القوات السوفيتية في شباط/فبراير 1989. ولكن مع نهاية الحرب الباردة، تضاءلت أهمية كل من القرن الأفريقي وأفغانستان بالنسبة لكلٍّ من موسكو وواشنطن. في القرن الأفريقي ضربت المجاعة والحروب الأهلية كلاً من إثيوبيا والصومال، بدون أن يحظى أي منهما حتى بعشر الدعم الذي كان يحظى به في ذروة الحرب الباردة. أما في أفغانستان فقد تمكن المتمردون الأفغان، في نيسان/أبريل 1992، حتى بدون دعم واشنطن، من إسقاط الرئيس الأفغاني، محمد نجيب الله، الذي تخلت موسكو عن دعمه. ولتغرق أفغانستان، أكثر، بعدها في حرب أهلية استمرت إلى الغزو الأميركي في تشرين الأول/أكتوبر 2001.

لم تتغير خريطة العالم، ولم يفقد القرن الأفريقي أو أفغانستان الأهمية الاستراتيجية المفترضة. ما حصل هو أنّ أياً من القوتين العظمتين لم تقبل بتقدم الأخرى في أيّ من هذين المسرحين، وفضلت كل منهما استنزاف الأخرى. ومع تراجع الصراع المباشر، فقد هذان المسرحان جاذبيتهما بالنسبة لداعميهما. ولم تدفع المعاناة البشرية البحتة، من حروب أهلية ومجاعة، سواء في الصومال أو إثيوبيا أو أفغانستان، المجتمع الدولي للتحرك وضخ عشرات أو مئات مليارات الدولارات.

صفقات صغيرة عابرة ولا صفقة كبرى

هناك الكثير من الشبه بين هذه الحروب وما حصل ويحصل في سوريا. تزامنت الحرب السوريّة مع استئناف الولايات المتحدة وروسيا لصراعهما، على نحو ما كان يحصل في الحرب الباردة. حيث ينخرط البلدان في سباق تسلح، تنهار معه الاتفاقات السابقة التي حاولت ضبط الصراع بين الطرفين. في 2 آب/أغسطس، انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى مع روسيا، وفي 21 أيار/مايو، أعلنت الإدارة الأميركية انسحابها من اتفاقية “السماوات المفتوحة”، التي تسمح للأطراف المشاركة فيها بتنفيذ رحلات استطلاع فوق أراضي الأطراف الأخرى لمراقبة الأنشطة والمنشآت العسكرية، في محاولة لبناء الثقة وتجنب التوتر. وفي شباط/فبراير 2021، تنتهي مدة اتفاقية خفض الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، وسط عدم استعداد الطرفين لتجديدها. كل هذه التفاصيل تجعل من الرهان على حصول الصفقة الدوليّة العظمى الموعودة التي تعيد إعمار سوريا أمراً بعيد المنال. أما مسار الحرب في سورية فمن المرجح أن يحمل الكثير من ملامح الشبه بما حصل في أفغانستان والقرن الأفريقي. ستستمر الحرب إلى أن تفقد القوى العظمى الاهتمام بنتيجتها. حتى الآن، تتقدم روسيا عسكرياً في سوريا على حساب الولايات المتحدة. ولكن لنتذكر أنه فيما يخص الجانب العسكري البحت، فقد انتصر الاتحاد السوفيتي على الولايات المتحدة في القرن الأفريقي أواخر السبعينيات، وانتصرت الولايات المتحدة على الاتحاد السوفيتي في أفغانستان أواخر الثمانينيات. ولكن هذا لم يقد إلى نهاية سعيدة لمسارح الصراع.

ما هو الممكن إذاً؟ مع استبعاد حصول صفقات كبرى، فكل ما هو ممكن هو صفقات صغيرة عابرة: اتفاقات عابرة على تبادل رهائن، اتفاقات لتجنب الاشتباكات العسكرية المباشرة، وربما التعاون لتوجيه بعض الضربات العسكرية الجراحية للمنظمات الإرهابية. يحصل شيء مشابه حالياً بين الولايات المتحدة وإيران. استغرب الكثير من المراقبين في المنطقة أنّ ناقلات النفط الإيرانية الخمس أوصلت حمولتها خلال الأيام الأخيرة إلى موانئ فنزويلا بالرغم من التحذيرات الأميركية. كقاعدة عامة، عندما لا يحصل الصدام المتوقع فمن المفيد البحث عن صفقة ما في مكان ما. في أفغانستان، وبالتزامن مع رحلة الناقلات الإيرانية الخمس إلى فنزويلا، قادت إيران جهود وساطة بين الرئيس الأفغانيّ أشرف غاني ومنافسه عبد الله عبد الله اللذين وقعا يوم 17 أيار/مايو اتفاقاً لتقاسم السلطة. وبعيداً عن الإعلام، شاركت إيران في لقاءات، عبر الفيديو، مع الولايات المتحدة ضمن مبادرة «6+2» وهي المبادرة التي تضم جيران أفغانستان الستة والولايات المتحدة وروسيا التي توقفت عن الانعقاد منذ سنوات عدة. وهذا ما كشفت عنه، أواخر أيار/مايو، روزماري ديكارلو، مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية. ولكن بعد هذه الصفقات المحدودة، تابعت الإدارة الأميركية التصعيد ضد إيران وألغت أغلبَ الإعفاءات الباقية التي تسمح لإيران بالحصول على مساعدة الدول الأجنبية في برنامجها النووي، في محاولة لتأكيد التهديد الذي وجهه الشهر الماضي، بريان هوك، مسؤول ملف إيران في الخارجية الأميركية، بأنّ الاتفاق النووي لن يبقى قائماً بحلول موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، وأنه من الأفضل لإيران ألا تنتظر وتعول على وصول جو بايدن. أما بايدن نفسه فيبدو متحرراً من أوهام باراك أوباما بالتوصل إلى صفقة كبرى مع إيران تسمح بالانسحاب الأميركي من المنطقة. فمع استبعاد حصول مثل هذا الانسحاب أساساً، وترجيح استمرار التورط الأميركي في المنطقة للسنوات المقبلة، لمواجهة التمدد الروسي والصيني، فإنّ أكثر السيناريوهات تفاؤلاً هي تلك التي تسمح بصفقات عابرة – فواصل قصيرة في صراع طويل. أما المراهنون على الصفقة الكبرى فسينتظرون طويلاً، وغالباً بدون فائدة.

 
×