Image Credit: Anwar Amro

 

منذ ما يقارب ثماني سنوات، كنت أتحدّث مع صديقة حول التحوّلات التي شهدتها بلادٌ عربيّةٌ عدة بعد قيام حركاتٍ شعبيّةٍ واسعة فيها. لم أعد أذكر التفاصيل، ولكن أذكر عبارتها التي أرادت أن تشير من خلالها إلى منطقيّة الأمور السيئة التي تحدث بعد هبّةٍ كبيرة تحاول زعزعة شكل الحكم في مكانٍ ما. قالت: لا بأس، هذه سنة أولى حريّة. أستعيد هذه الجملة اليوم وأستعيرها منها لأضعها في سياق لبنان وانتفاضة “17 تشرين”.

“سنة أولى”. لا أعني أي احتفالٍ أو إحياءٍ للذكرى السنويّة، كما لا أنفي كل ما مهّد لـ 17 تشرين. ولكن ما أتى إلى ذهني من هذه العبارة هو مقاربة التجربة كمبتدئين فيها. كأنها السنة الأولى في التعليم الجامعي لنيل إجازة، أو السنة الأولى – بمواسمها الأربعة كاملةً – التي يتأقلم فيها مريض على تناول الدواء بعدما تمّ تشخيصه وأدرك ما أصابه وأراد التحسّن. أما عبارة “سنة أولى حريّة” فقد استحضرتني في مشاهد بداية استرجاعنا لما يمكن أن نكونه مع كل الدمار القائم وفي ذروة الانهيار أو دونهما. هذا التعلّم الذي رافقنا طيلة العام، من التعرّف على شكل السلطة الحاكمة في لبنان، وتشخيص عيوب النظام والتصويب عليه، والاندهاش من بقائه ونجاته في غير مرّة وصل بها إلى حافة الانهيار وتمّ حقنه من الخارج، فخيّل له – ولنا أيضًا – أنه صمد أو أنّه غير قابل للزوال أبداً.

لقد مزجنا بين ما أردناه قريبًا وبين ظنّنا أننا رأيناه قريباً. ربّما من فرط الشعور بالقدرة والشجاعة في النظر إلى عين الوحش أو في أثر ارتعاده أمامنا.

ثمّ اهتزّ العرش. رأيناه. لم تكن قصّةً سمعناها عن أناسٍ خلقوا ما يكفي من الشجاعة للتحديق في عين الوحش. ولم تكن قصيدةً كتبها أحدهم لوصف حبٍّ عميقٍ لمكانٍ قاتمِ ليس فيه ما يُحبّ، قرّر ذات يوم أن يجعله جميلًا بما يليق بحبّه الذي لم يعرف لزواله طريقاً. اهتزّ العرش. رأيناه وصدّقنا ما رأينا. وقد يكون فعل التصديق هذا – الذي لم يكن قائمًا في كل الحركات الممهّدة لـ “17 تشرين” بالرغم من أهميتها – هو ما جعلنا أخيراً ندخل تجربة المبتدئين في ما سمّيناه “سنة أولى حرية”. لقد صدّقنا ما يمكن أن نكونه وصدّقنا ما لا نريد أن نصيره. كما صدّقنا أنه يمكن في يومٍ ما – أردناه قريباً – أن يكون لنا ما نريد. يكمن هنا جزء من سوء التفاهم الحاصل بيننا. لقد مزجنا بين ما أردناه قريبًا وبين ظنّنا أننا رأيناه قريباً. ربّما من فرط الشعور بالقدرة والشجاعة على النظر في عين الوحش أو في أثر ارتعاده أمامنا. قد تكون هناك أسباب كثيرة لهذا الخلط، ولكن كما يُقال في وصف المبتدئين “خطأ خبرة”، أي أنه خطأ سببته قلّة الخبرة. نحتاج الخبرة إذاً وما تجلبه من نضج. والخبرة في تعاملنا مع هذه المعطيات لا تكون بنكران الحاصل ولا بالهروب منه. مكوّناتها ما يبدأ بالنقاش والمراجعة واسترجاع المكتسبات وتقييم الخسائر وما يفترض أن يصل إلى التشكيل السياسي الواضح وإيجاد السبل والطرق لتعميم البدائل.

نحن هنا، في هذه المرحلة، حيث يستمرّ الانهيار ويتوسّع خطاب السلطة لإقناعنا بعدم جدوى كل ما فعلناه ونفعله، أو للومنا على ما آلت إليه أحوالنا ولإقناعنا – خلافًا لكلّ ما رأيناه وعلمناه – بأنّه سيصمد أكثر، أو أنّه إذا حصل ولم يصمد، فسيحرص على زوالنا معه. هذا وهمٌ. لم يحدث أن زال شعبٌ بسبب زوال شكل حكم. أمام هذا الواقع يصبح التمسّك بكل ما ولّدته انتفاضة “17 تشرين” فينا، بكل ما قيل فيها، بكل ما فعلته وما لم تستطع فعله، وبكل ما تمّت مواجهتها به، بل هو فعل رفض لخطاب السلطة. هو فعل رفض لهذه السلطة. تصبح مواجهة النوستالجيا ومعها تعاظم مشاعر الإحباط دون إعادة النظر والتفكير في التجربة ضروريّةً كمواجهة السلطة وخطابها. فإذا كان تعبيرنا في السنة الأولى دعوةَ عميقةً بالرغم من بساطتها أن “يسقط خوفنا”، سيكون علينا الآن أن نعيد على مسامع أنفسنا أن “يسقط وهمنا”.

 
×