في ١٥ حزيران/يونيو ٢٠١٣، هبطت طائرة تابعة لشركة “مصر للطيران” اضطراريًا في مطار غلاسكو باسكتلندا، بعد العثور على منديل ورقي دُوّن عليه تهديد بتفجير الطائرة التي كانت متجهة إلى الولايات المتحدة.

في اليوم نفسه، كان الرئيس المصري محمد مرسي يعلن خلال مؤتمر “الأمة المصرية لدعم الثورة السورية” عن قطع علاقات بلاده بدمشق. طالب مرسي “حزب الله” بمغادرة سوريا، فيما راح اثنان من المشايخ المشاركين في المؤتمر يدعون آلاف الجالسين في المدرّجات ومئات آلاف المتابعين عبر الشاشات للتوجه إلى بلاد الشام للجهاد.

العودة إلى الأرشيف تفيد في رسم صورة الأيام الأخيرة لعهد الرئيس المصري الراحل محمد مرسي. لم يكُن الهبوط الاضطراري للطائرة المصرية مجرّد حادث عرضي، بل جاء في سياق عشرات الحوادث التي أظهرت عجز حكومة “الإخوان” عن أداء أدوارها الاقتصادية والمعيشية والأمنية. إذ توازيًا مع ارتفاع الأسعار، وانقطاع الكهرباء المتكرر، وتعطل العمل في المرافق العامة مرارًا، فضلًا عن الفشل في كسب ثقة صندوق النقد الدولي للفوز بقرض قدره بضعة مليارات من الدولارات، راحت تضعف قدرة الحكومة على ضبط الانفلات في الشارع، الذي تمظهر على شكل صدامات بين أنصارها وطيف واسع من المعارضين.

اتهم مرسي أجهزة الدولة العميقة، الأمنية والقضائية والإدارية، فضلًا عن دول لم يسمّها، بالعمل الحثيث على ضرب تجربة “الإخوان” في الحكم عبر أحداث مفتعلة. وقد نطق الرئيس المصري يومها بنصف الحقيقة. إذ إنّ نصفها الآخر تمثل بعجز “الإخوان” المريع عن تحويل عقيدتهم الصارمة ورؤاهم التبسيطية في السياسة إلى عمل يمكن تسييل نتائجه على الأرض.

كانت دعوات “الجهاد” في سوريا التي صدح بها اثنان من الدعاة بحضور مرسي غير مقطوعة عن تصاعد حدة الهجمات التي تشنها جماعات جهادية في سيناء، إذ شهدت السنة التي قضاها “الإخوان” في الحكم ستة اعتداءات راح ضحيتها أكثر من عشرين جنديًا مصريًا وعشرات المدنيين.

وبموازاة هذا الهروب إلى الأمام نحو “الجهاد” في بلاد الشام، كان تعامل “الإخوان” مع ضغوط الخارج يتميّز بإرباك بالغ ظهر على شكل نقد مبطّن أو صريح لبعض دول الخليج تارة، واستهداف لإيران بغرض استرضاء دول الخليج إياها، وشد العصب الطائفي في الداخل خصوصًا في أوساط السلفيين، تارة أخرى. حتى أن نائب رئيس حزب “الحرية والعدالة” المنبثق عن “الإخوان”، عصام العريان، جمع في النصف الثاني من الشهر ذاك مجد الإرباك من طرفيه، إذ توجه إلى سلطات الإمارات غداة اعتقالها عددًا من كوادر جماعته بالقول؛ “كونوا ملوكًا مع العرب بدلًا من أن تصبحوا عبيدًا لدى الفرس”، ففتح بذلك جبهتين في تصريح واحد، اضطُر حزبُه إلى التنصل منه في ما بعد.

في ٢٠ حزيران/يونيو، بعد خمسة أيام من دعوات الجهاد في سوريا، كانت القوى الإسلامية المؤيدة لمرسي تحشد للتظاهر دعمًا له، محاوِلةً استباق تظاهرات المعارضة التي يعدّ لها في أواخر الشهر بغرض تنحيته عن الحكم. وفي حين كان الحشدُ يُنظَّم تحت شعار “لا للعنف”، كان القيادي في “الجماعة الإسلامية” الحليفة لـ”الإخوان”، عاصم عبد الماجد، المشارك مع الجماهير الغفيرة في حفلة التأييد يتوعّد خصومه؛ “موعدنا في ٣٠ يونيو.. قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار”. ثم، أثناء التظاهرة المؤيدة لمرسي، راحت حناجر تطلق شعارات حاسمة تعلن من خلالها طلاقها مع السياسة من قبيل “على جثتنا يا علماني.. إنك ترجع تحكم تاني”.

خسر “الإخوان” الكثير من مصداقيتهم قبل الوصول إلى مرحلة المواجهة حتى، ما سهّل خلق رأي عام متغاض عن الانقضاض عليهم في ميدان “رابعة”

حلّ موعد الثلاثين من حزيران/يونيو وطافت شوارع المدن المصرية بمتظاهرين ضد الرئيس مرسي الذي أصرّ على تمسكه بنتيجة الانتخابات وبولايته الدستورية. تدخل الجيش طالبًا إنجاز توافق لم يحصل، فانقلب وزير الدفاع على الرئيس. ثم راحت الأمور تزداد تعقيداً بعد عزل الجماعة عن السلطة، مع تسارع وتيرة الأحداث وكثافة التعبئة المرافقة لها. فاستفاقت غريزة البقاء لدى “الإخوان” بالتوازي مع ارتفاع حدة خطاب إعلامي تقصّد شيطنتهم بالجملة. ومع وصول الخطاب المضاد للجماعة إلى ذرىً غير مسبوقة، برز ميل انتحاري لدى أنصارها للتمسك بمرسي وفق منطق أخذ يبتعد خطوات إضافية عن السياسة، فراحت تغذيه ملاحم غيبية أدرجت الرئيس في خانة الصحابة والأولياء، ووضعت الانقلاب عليه بمنزلة هدم الكعبة أو يزيد.

خسر “الإخوان” الكثير من مصداقيتهم قبل الوصول إلى مرحلة المواجهة حتى، ما سهّل خلق رأي عام متغاض عن الانقضاض عليهم في ميدان “رابعة” الذي اعتصموا فيه مطالبين بعودة مرسي، فمرّت المذبحة المروّعة بحق المئات من أنصارهم من دون ضجيج يُذكر. إذ يوم كانوا في السلطة متساكنين مع المجلس العسكري، وقعت أحداث محمد محمود في محيط وزارة الداخلية المصرية التي اتّهَم المتظاهرون فيها قوات الأمن باستغلال أدائهم صلاة المغرب لافتراسهم، بالضبط كما تحدثت رواية “الإخوان” لاحقًا عن استغلال قوات الجيش أداءهم صلاة الفجر في ميدان “رابعة” لمهاجمتهم. قُتل في محمد محمود أكثر من خمسين متظاهرًا من القوى المدنية، ووصف القيادي في الجماعة صبحي صالح موقف “الإخوان” الرافض للمشاركة يومها بـ”الحنكة السياسية” قائلًا: “كنا نعلم أن هناك مجازر ونحن لا نشارك في مجازر”. أما بعد أحداث بورسعيد والسويس التي أودت بنحو خمسين مصريًا على أيدي قوات الداخلية إثر تبوء مرسي الحكم، فقد أشاد الأخير بجهود وزير الداخلية ورجاله في خطاب رسمي، علمًا أن وزير الداخلية نفسه أشرف لاحقًا على عملية عزل “الإخوان” وفض اعتصامهم في “رابعة”، ما دفع القيادي في “الإخوان” محمد البلتاجي إلى وصفه لاحقًا بـ”وزير داخلية الانقلاب الدموي”.

توفي الرئيس المصري السابق بعد نحو ست سنوات على تنحيته من الحكم.

هل ظُلم محمد مرسي في اعتقاله ومحاكمته؟

طبعًا. والظلم ينطبق اليوم على آلاف المعتقلين في السجون المصرية من دون اعتبار يُذكر لشروط احتجازهم القانونية والإنسانية.

لكنّ زيارة أرشيف الرئيس المصري السابق في أيامه الأخيرة في السلطة تُظهر، كما تُبدي وفاته بعد ذلك، مقدار الاختزال الذي تقوم عليه الروايتان المُهيمنتان على ضفتي النزاع المرير بين معظم أنصاره والكثير من خصومهم.

يمكن القول إن مرسي أدار دفة الحكم كما لو أن تبادل السلطة في مصر قائم منذ عقود، لا كمن يشرف على تأسيس “الجمهورية الثانية” في البلاد، مع ما يعنيه ذلك من حاجة إلى بناء توافق عريض في السلطة، فيما كان فهم الديمقراطية لدى غالبية أنصاره لا يتجاوز النظر إليها إلا بصفتها تعبيرًا عن حكم الغالبية، دونًا عن حقوق المواطنة المرافقة له.

وعلى امتداد السنوات اللاحقة لعزل مرسي، برز صدع بين كثير من المصريين زاد من اتساعه منطقان موازيان: أحدهما إقصائي يتوهم إمكانية ابتلاع جمهور “الإخوان” والتعامل معه كأنه لم يكن، والثاني خشبي ما زالت الجماعة تقيس وفقه حساباتها الدنيوية بمسطرة دينية، تستخدمها في الغالب وفق ما تقتضيه المصالح.

كذلك يمكن الزعم أن القضاء على “الإخوان” يكاد يكون احتمالًا غير واقعي، نظراً لاستمرار وجود قواعد واسعة لهم في مصر وخارجها، وعلى اعتبار أن الأفكار “الكبرى”، بمعزل عن جودتها وجدواها، لا يقتلها انقلاب وَظّف لحظةً تاريخية بنجاح.

بوفاة مرسي على هذه الشاكلة، إثر قضائه زمنًا مديدًا في أقبية السجون، تصعب مراجعة تجربته ومعها تجربة “الإخوان” في الحكم وتقييمها بمعزل عن الضجيج المرافق، وبالتالي تجاوزها. سيغلب الاختزال المُخلّ على معظم القراءات لها، وليس من يُشكر على ذلك أكثر من الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وخلفه جماعة ظافرة من الشامتين بالرئيس السابق.

 
×