تمرّ اليوم الذكرى الثالثة والثلاثون لاغتيال المفكّر والمناضل الشيوعي اللبناني مهدي عامل. وكانت رفيقة عمره وفكره ونضاله، إيفلين بران، قد رحلت قبل أيام، الاثنين 11-05-2020، بعد أن وضعت عنه في عام 2018 كتاباً سيرياً ذاتياً توثيقياً ضخماً وبديعاً بالعربية والفرنسية بعنوان “رجل في خفّين من نار” تتبّع فيه الطريق الذي قطعته معه.

ذكرى غياب مهدي هي فرصة دائمة ومتجددة لتحية هذا المفكر الثوري الماركسي العربي الذي لم يأخذ بعد أدنى حقّه في تفحّص فكره ودراسته ونقده.

أوّل ما يلفت الانتباه في المسار الفكري لمهدي عامل، هو أنّه يستمد موارده من عمل نظري منهجي بالغ الصرامة، يبدأ بالتساؤل الجدّي: ما الذي يبرر أن تكون ماركسياً، والماركسية فكر أوروبي المولد؟ ما مشروعية استخدام الماركسية التي قامت على تحليل الرأسمالية الأوروبية في القرن التاسع عشر في تحليل بنية مجتمعاتنا العربية الحديثة؟

والحال، إنَّ مهدي عامل في إجابته عن هذين السؤالين اللذين لعلّه أوّلَ ماركسي عربي يطرحهما بهذا الوضوح، لا يكتفي بالإجابة الساذجة المكرورة التي مفادها الماركسية فكرٌ إنسانيٌّ مِلْكُ البشرية جمعاء ويصحّ في كلِّ مكان؛ ولا يكتفي بالقول إنّ الماركسية منهج علمي، بل يجد الجواب في أنَّ الرأسمالية التي قدّمت الماركسية الإطار النظري والعدّة المفهومية اللازمة لتحليلها، قد طاولت العالم برمّته، بما فيه بلداننا، كاشفاً بذلك عن ضرورة وجود أساس مادي لاستخدام الفكر في واقع عياني معيّن.

ولعلّ مهدي عامل أيضاً من أوائل المفكّرين العرب، ماركسيين وغير ماركسيين، الذين رأوا أنَّ الرأسمالية التي طاولت العالم كلّه لم تطاوله على النحو الواحد المتجانس ذاته؛ وأنَّ قوانينها العامة أو الكونية لا توجد إلا متميّزةً، تبعاً لبنية كلّ منطقة وتاريخها؛ وأنَّ على الماركسية في كلّ منطقة أن تكون علم هذا التميّز ضمن الكونية وإلا فلن تكون أكثر من محفوظات عامة لا قيمة لها. هكذا يضع عامل الماركسية أمام تحدي واقع مختلف ولا يني يتغيّر، مبدياً طموحاً لأن يساهم في اختبار الماركسية وتنظيرها من جنوب العالم (لفهم بناه وتاريخه في تميّزهما ضمن كونيّة العالم) ومن أجل هذا الجنوب (لاستخلاص الآليات القادرة على إحداث قطيعة ضد الاستعمار الباقية آثاره في البنى التي خلّفها وراءه وضد الرأسمالية المحلية في آن معاً).

على هذين الأساسين السابقين، وليس من دونهما قطّ، تغدو الماركسية بالنسبة إلى عامل منهجاً يمكن اتخاذه لتحليل العالم العربي، والنضال ضد الاستعمار، وحركات التحرر الوطني، شرط أن يفضي هذا المنهج إلى صوغ مفاهيم متميزة بتميّز السياقات التي يحلّلها. وهذا ينطوي بوضوح على أنَّ عامل يرى أنَّ الماركسية محكومة بألّا تكفّ عن إثبات نجاعتها في فهم مشكلات بلداننا وتحليلها، مقيماً فارقاً حاسماً بين ماركسيةٍ “مُكَوَّنَة” مبتذلة وأخرى “تتكوَّن” كلما تصدّت لمشكلةٍ وأفلحت في الإمساك بتلابيبها. وبمثل هذه الماركسية الأخيرة أَمْكَنَهُ أن يقدّم كشوفه الفذّة الكثيرة، وأهمها مفهومه عن “نمط الإنتاج الكولونيالي”، شكلُ وجود نمط الإنتاج الرأسمالي في منطقتنا، ومفهومه عن “الطائفية” و”الدولة الطائفية”، حيث لم يقلّ ما اجترحه هنا عن تغيير تعريف “الطائفة” ذاتها وكامل تصورنا عنها، فلم تَعُدْ جماعةً بشريةً بل علاقة سياسية تربط الطبقات الكادحة بالبرجوازية الكولونيالية ذلك الربط الذي يَحُولُ دون استقلالها كطبقات، كما لم تعد شيئاً قديماً مغرقاً في القِدَم والدِّين بل شيء حديث بالغ الحداثة مغمّس بالصراع الطبقي الذي هو السياسة عند عامل في نهاية التحليل.

مهدي عامل وزوجته إيفلين بران
مهدي عامل وزوجته إيفلين بران

يستغرق ما سبق، باختصارٍ بالغ الإجحاف، كتب مهدي عامل “مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني”، بأجزائه الثلاثة: الأول الموسوم “في التناقض” (كتبه عام 1971 ونشره في عام 1973)، والثاني الموسوم “في نمط الإنتاج الكولونيالي” (كتبه عام 1972 ونشره بعد ذلك بأربع سنوات). والثالث الموسوم “في تمرحل التاريخ” الذي نُشر غير مكتمل بعد وفاته. كما يستغرق كتابه “أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية” (1973) الذي ينتقد فيه أعمال الندوة الفكرية التي عقدت في الكويت تحت عنوان “أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي” وشاركت فيها أسماء لامعة مثل زكي نجيب محمود وشاكر مصطفى وأدونيس وفؤاد زكريا وأنور عبد الملك وسواهم، وكتابه “النظرية في الممارسة السياسية، بحث في أسباب الحرب الأهلية في لبنان” (1979) الذي ابتدأ فيه رؤيته إلى الطائفة والطائفية في السياق اللبناني، ليطورها في كتابه “مدخل إلى نقض الفكر الطائفي: القضية الفلسطينية في أيديولوجية البرجوازية اللبنانية” (1980) الذي يشرّح فيه فكر ميشيل شيحا، وينضجها في كتابه “في الدولة الطائفية” (1986) من خلال التناول النقدي لمفكرين مختلفين تناولوا الطائفة والطائفية في لبنان. وفي هذا الكتاب الأخير بالذات، ربما أكثر من سواه، يبيّن مهدي عامل أنَّ النقد هو السبيل لإنتاج المعرفة، وأنَّ ما من فكر إلا وينطلق من موقع، في تطويرٍ لمفهوم بالغ الأهمية والتكرار لديه هو مفهوم “زاوية النظر” الجدير بدراسة مستقلة تبيّن أبعاده وآلياته ومراميه.

سلّط عامل نقداً دؤوباً على عمايات الفكر الماركسي السائد (لا سيما في نقده رفيقه كريم مروة في مقالة شهيرة عنوانها “حركة التحرر الوطني: طبيعتها وأزمتها”، نُشرت في “الطريق” واستبقت نشوء ما أدعوه “اليسار الحريري” في لبنان)، وعلى الفكر القومي، والليبرالي، والبنيوي، والطائفي، واليومي، فضلاً عن فكر أدونيس، وإدوارد سعيد، وميشيل فوكو، وسواهم. ومن الواضح أنَّ نقد عامل الفكرَ الماركسي السائد لم يَسُقْهُ إلى مزالق الفكر القومي أو الليبرالي أو الديني أو الطائفي، كما ساق سواه من نقّاد الماركسية السائدة “الماركسيين”. وبقي في فكره كلّه ابن هبّة الحزب الشيوعي اللبناني باتجاه مزيد من الماركسية وليس العكس. بل إنَّ نقد عامل فكرة “الخصوصية” بلغ حدَّ كراهيته استخدام هذه اللفظة، مفضّلاً عليها مصطلح “التميّز”، في حسمٍ قاطعٍ بشأن وجودنا في العالم الواحد ذاته مع غيرنا من البشر: في ظلّ القوانين ذاتها، وفي مواجهة التحديات ذاتها، في النهاية.

لم تنطفئ جذوة الاهتمام الأكاديمي والنضالي بمهدي عامل، وهو حاضر في أذهان كثير من الناشطين العرب الشباب اليوم

ومع أنّ فكر عامل بمجمله يقوم على النقد الذي يعتبره السبيل إلى إنتاج المعرفة كما أسلفنا، إلا أنَّ هذا النقد وإنتاجه المعرفة يبدوان للقارئ أوضح في كتابه “نقد الفكر اليومي” الذي بدأه في 1980 ليصدر في عام 1988 غير مكتمل بعد وفاته، وحوّل فيه نقد المقالات الصحفية إلى مادة بالغة الدسامة، في وقت اشتدت فيه -بعد الثورة الإيرانية في عام 1979- لا الحركات الإسلامية فحسب، بل أيضاً تحوّل كثير من اليساريين نحو الفكر الإسلامي. يكشف عامل في هذا الكتاب أنَّ سبيل الاقتصاد الإسلامي الذي زعمت إيران اتّباعه بعيداً عن الرأسمالية والاشتراكية ليس في حقيقته سوى سبيل رأسمالي. كما يتفحص عامل في هذا الكتاب الإمكانات الثورية للإسلام أو الدين عموماً، ويرى أنَّ الدين بحد ذاته ليس ثورياً ولا مضاداً للثورة، وأنّ الاتجاه الذي تعطيه له الحركات السياسية هو ما يجعله فكراً متجهاً نحو التقدم أو النكوص. كلّ ذلك على خلفية من نقد كتابات كتّاب لبنانيين وعرب بارزين.

يظهر النقد منتجاً أيضاً وبعيد المرمى في مقالة نشرها عامل في عام 1985 بعنوان “هل العقل للغرب والقلب للشرق؟ ماركس في استشراق إدوارد سعيد” وظهرت لاحقاً في كتيّب مستقل. ليس الأهم في هذه المقالة نقد عامل للكيفية التي تعامل بها سعيد في كتابه “الاستشراق” مع ماركس، بقدر ما هو نقد مرجعية سعيد لدى ميشيل فوكو ونيتشه والبنيوية، والأهم من ذلك بعد طموحه الكبير الواضح في هذه المقالة إلى وضع أسس لفهم الآليات الأساسية لإنتاج المعرفة وإعادة إنتاجها.

لم تنطفئ جذوة الاهتمام الأكاديمي والنضالي بمهدي عامل. وهو حاضر في أذهان كثير من الناشطين العرب الشباب اليوم. فخلال الثورة التونسية رُسمت صورته في إحدى الجامعات التونسية. ونشر الناشطون المصريون نصوصاً له ومقتطفات من كتبه على شبكات التواصل الاجتماعي. وفي الجزائر، ثمة فضاء ثقافي متميز يحمل اسماً هو عنوان مجموعة مهدي عامل الشعرية “فضاء النون”. وفي لبنان، تجد على الجدران أنّى اتجهت رسم مهدي مكتوب تحته “اقرأوا مهدي عامل”، وتتذكره كلما سمعت متظاهراً لبنانياً يفنّد قول عناصر النظام اللبناني ومثقفيه إنَّ هذا النظام الطائفي هو “طبيعة لبنان”، ويوضح إيضاح العارف الخبير، على النقيض من ذلك، أنّه نظام مبنيّ بناءً (ويمكن هدمه إذاً) وليس طبيعياً قطّ. وفي أثناء الانتفاضة الأخيرة في لبنان، كُتب قول مهدي عامل الشهير “كيف تكون الثورة نظيفة، وهي التي تخرج من أحشاء الحاضر مُتّسخة به؟” على جدار الرينغ، الجسر الواصل بين بيروت الغربية وبيروت الشرقية. وهو القول ذاته الذي أسرف ناشطون سوريون في استخدامه لتبرير ارتكابات ما دُعي “الجيش الحر” و”النصرة”، ناسين أنّ بقية جملة مهدي عامل تقول إنَّ الثورة تهدم الحاضر “وتغتسل بوعدٍ أنّ الإنسان جميلٌ حراً”، وأنّه لا بد أن يكون ثمة حدود كي تبقى الثورة ثورةً فيها بعض الاتساخ، لا اتساخاً فيه بعض الثورة.

حاضرٌ هو مهدي عامل وجزء من الاحتدام الحالي، وليس مجرد كتب ونصوص. ولعلّ عمله يواصل تغذية ممارسات نضالية وفكرية أشدّ دقة وذكاءً. ولعلَّ شرط ذلك الأهم هو استخراج مكنونات فكره وتسليط الضوء عليها، لا سيما ضوء النقد والتحليل النقدي اللذين يشكلان لحمة فكر هذا الشهيد الفذّ وسداه.

 
×