لا يمكننا كتابة رسالة امتنان لصديق بلغة الاقتصاد، إلا أن هذا ما أحاول فعله الآن. رسالة امتنان لصديقي الياباني “أوباتا” الذي التقيته هنا في الصين. بدأت صداقتنا عندما اضطررت لترجمة عبارة “الأكل عقد المحبة” وأرغمه على مشاركتي الطعام. وفي اليوم التالي ترك لي بعض الفواكه وورقة عليها اسمه. وعندما عاد كل الأجانب إلى بلادهم لقضاء عطلة رأس السنة الصينية هناك، بقي كلانا هنا لتتوطد علاقة الصداقة بأحاديث طويلة عن بلدي سوريا وبلده اليابان، وعن أسباب عدم رغبته بالعودة. لكم تفاجئت حينها بهذه الأسباب، فلـ”كوكب” اليابان حضور مغاير كلياً في الذهن العربي. وهذا ما أثارني للإضاءة على ما يحصل هناك. هذه مجرّد رسالة امتنان، لكن بلغة الحقائق الموثّقة والأرقام. لنبدأ:

إذا حدد دستور الدولة عدد ساعات يوم العمل بـ ٨ ساعات، فهذا يعني أن الأجر الذي يتقاضاه العامل، مقابل تقديم ٨ ساعات جهد للغير، كفيلٌ بتوفير حياة كريمة وسليمة تخصه وتخصُ عائلته يومياً. الحياة الكريمة والسليمة هنا تعني تلبية الحاجات الفيزيولوجية والمعنوية التي تُبقي العامل بصحة جيدة ليعاود العمل (إعادة إنتاج قوّة العمل)، وإنجاب الأطفال، ورعايتهم على اعتبار أنهم قوى عمل محتملة في المستقبل (إعادة إنتاج بيولوجي لقوّة العمل).

وبما أن الرواتب تُعطى شهرياً، فلا بد لنا من حساب عدد ساعات شهر العمل: يوم العمل يتألف من ٨ ساعات، وهذا يعني أن أسبوع العمل يتألف من ٤٠ ساعة، وشهر العمل يتألف بالتالي من ١٦٠ ساعة.

تخيّل أن يفرض صاحب العمل على العامل ٨٠ ساعة عمل إضافي شهرياً (أي ما يساوي نصف شهر عمل). يعني هذا أن العامل يقدم جهد شهر ونصف الشهر من العمل لصاحب العمل، ويتقاضى أجر شهر عمل واحد في المقابل فقط. الآن تخيل أن يفرض صاحب العمل على العامل ١٦٠ ساعة كفائض عمل. يعني هذا أن العامل يقدم جهد شهرين عمل لصاحب العمل، ويتقاضى أجر شهر واحد في المقابل. حسناً. فلندع الخيال جانباً ولننتقل إلى الحياة الواقعية التي يعيشها سكان “كوكب” اليابان كما يحلو للعرب تسميتها.

إن ساعات العمل الفائضة الـ٨٠ والـ ١٦٠ التي تخيلناها هي واقع يومي مُعاش للموظف أو العامل في اليابان. فبرغم أن دستور البلاد يُحدد يوم العمل بـ ٨ ساعات فقط، إلا أن مشيئة عصابات “الكايشا” (“كايشا” تعني شركة) عارضت الدستور وصرّحت: “فليقف الدستور عند باب الشركة”، لتفرضَ على الموظفين عملاً إضافياً يتراوح بين ٤٠ ساعة ويصل إلى ١٦٠. وتماشياً مع مشيئة “الكايشا”، أُجبرت الدولة على سن المادة ٣٦ من قانون معايير العمل، وهي اتفاقية تُسمى بـ”اتفاقية العمال والإدارة” المعروفة بـ “اتفاقية ٣٦”، والتي تسمح للإدارة (أي صاحب العمل) أن يفرض عدد ساعات عمل فائضة على أي موظف أو عامل شرطَ الاتفاق معه (أي استغلاله بفرض الاتفاق عليه). وبرغم سنّ هذه الاتفاقية، التي تذكرنا بـ”عقد شايلوك” في مسرحية “تاجر البندقية”، إلا أن الشركات ما زالت تفرض ساعات العمل الإضافي فرضاً على الموظفين والعمال، من دون أي اتفاق مُسبق.

رأس المال هنا يسلب جسد وروح مجتمع بأسره، هذا السلب يُسمى “كاروشي” في اليابان، وهو يعني حرفياً “الموت بسبب إرهاق العمل”

عندما يعمل الإنسان عملاً إضافياً ، فهذا لا يعني أن جهداً يُعادل مالاً قد سُرق منه فحسب، بل يعني سَلْبَ جسده وروحه أيضاً. وبما أننا أمام حالة اجتماعية، فإن رأس المال هنا يسلب جسد وروح مجتمع بأسره! هذا السلب يُسمى “كاروشي” في اليابان، وهو يعني حرفياً “الموت بسبب إرهاق العمل”. وكما يُقال: تعددت الأشكال والموت واحد، فموت العامل قد يكون بسبب قصور القلب أو سكتة دماغية أو انتحاراً، علماً أن موت العامل لا تنطبق عليه حالة “الكاروشي”، إلا إذا توافق مع معايير محددة وضعتها وزارة العمل والصحة، وتحت هذه المعايير تُسلب الكثير من أموال التعويضات.

في عام ٢٠١٨ احتفلت اليابان بتحقيقها أدنى معدلات لحالات الانتحار منذ عام ١٩٧٨ (!) حيث شهدت اليابان ٢٠٥٩٨ حالة انتحار، وكانت هذه أول سنة منذ ٣٧ عاماً ينخفض فيها عدد حالات الانتحار إلى أقل من ٢١،٠٠٠ حالة! ووفق تحليل أجرته وزارة العمل والصحة، لوحظ أن ١٩٠٣٠ شخصاً كانوا من متوسطي العمر! ولعل هذه التصريحات هي الوحيدة التي يمكن اعتمادها كأرقام موثّقة. فعند البحث عن توثيقات لأعداد الوفيات بحالة السكتة الدماغية وقصور القلب، لا نجد سوى بعض المقالات التي يعترف فيها الكتّاب بأن الأرقام المُصرّح عنها مجرّد غيض من فيض. ومن الأرقام التي بقيت طي الكتمان أيضاً هو عدد المطالبات التي قُدِّمت لوزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية لتحصيل تعويضات مالية بسبب الأمراض النفسية الناجمة عن ضغط العمل. وبرغم هذا الكتمان، إلا أن وزارة العمل والصحة صرّحت بأن النسبة الحالية تعادل عشرة أضعاف ما كانت عليه سنة ١٩٩٩.

بسبب هذا الفقدان المستمر لأجزاء من “الجسد الاجتماعي العامل” في اليابان، وصلَ نقصُ العمالة إلى مستويات خطيرة. ففي استطلاع أجرته مؤسسة الأبحاث الخاصة Teikoku Databank عام ٢٠١٨، أجابت أكثر من نصف الشركات التي شملتها الدراسة (٥٠،٩ في المئة) بأن ليس لديها ما يكفي من الموظفين. كما أعلنت الحكومة اليابانية العام الفائت أن مقابل كل ١٦٤ فرصة عمل مطلوبة، ليس هناك أكثر من ١٠٠ طلب! وهذا واحد من الأسباب التي تجعل اليابان من أكثر الدول استخداماً للروبوتات العاملة.

وفي استطلاع أجرته “الرابطة اليابانية للتخطيط الأسري”، لوحِظَ أن ٤٧،٢ في المئة من المتزوجين “لا يمارسون الجنس”، والسبب أنهم “منهكون جداً في العمل”، علماً أن سن فقدان العذرية في اليابان يتراوح بين ١٨ و ٢٠ عاماً.

هذه العوامل دفعت الحكومة إلى مواجهة مخاطر “الكاروشي” وملحقاته من خلال مجموعة من الطرق. أولها زيادة عدد الملاهي الليلية، وثانيها منح تسهيلات تتعلق بتأشيرات العمل للأجانب، حيث وصل عدد هؤلاء إلى نحو مليون ونصف المليون أجنبي لأول مرة في تاريخ اليابان، ومع هذا الازياد ازدادت شكاوى الأجانب المتعلقة بظروف العمل الشاقة، وثالثها إلغاء سن التقاعد، حتى بات متوقعاً أن يستمر في العمل كل من هو قادر عليه.

يقول شايلوك في “تاجر البندقية”: نعم، لحم قلبه، هكذا ينص العقد.

 
×