أعادت حملة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس إلى الأذهان ذكريات معركة طرابلس صيف العام 2011 عندما قاد التوافق الدولي على إسقاط القذافي إلى دعم جهود الثوار الليبيين في تلك الحملة، بما في ذلك عبر عملية إنزال بحري بتقنيات معقدة وحرب إعلامية لاحتلال العاصمة طرابلس. اليوم، معركة طرابلس الثانية تفتقر لهذا التوافق الدولي، بل إنها تحصل في ذروة التنافس الدولي، المتعدد المحاور، على الملف الليبي. وبرغم أن الفوضى في ليبيا وتعدد الحكومات وتشظي الميليشيات والانقسام المناطقي والقبلي في البلاد أمور سمحت بانتشار الإرهاب وتحول ليبيا إلى معبر للمهاجرين من شمال أفريقيا ومنطقة الساحل عبر البحر المتوسط إلى الجنوب الأوروبي، إلا أن الدول الأوروبية فضلت الحلول المؤقتة التي تحوّل الوضع الحالي إلى وضع مستدام بدل القيام بتدخل جذري ينهي المأساة الليبية. هكذا بقيت العملية الانتقالية في ليبيا تراوح مكانها برغم مضي أكثر من سبعة أعوام على الإطاحة بالنظام الليبي السابق.

شكل الجيش الوطني الليبي نموذجاً لإعادة الاستقرار إلى الشرق والجنوب الليبي بعد مطاردة تنظيم «داعش» في تلك المناطق وبعدما نجح في ضبط السلاح تحت راية مؤسسة واحدة تجمع شرائح واسعة من المجتمع الليبي بعيداً عن فوضى الميليشيات التي لا تزال طاغية في الغرب الليبي ويشتكي منها حتى وزير داخلية حكومة طرابلس، فتحي باشاغا؛ وهذا ما ساعد حفتر على كسب ولاء بعض الأطراف في غرب ليبيا حتى قبل أن تصل قواته إلى هناك. إلا أن عدم وضوح المستقبل الليبي وفشل حفتر في الظهور بمظهر القائد المستقل البعيد عن الأجندات الإقليمية، قدم لخصومه في الغرب الليبي نوعاً من الحماية المتمثلة بـ«الفيتو» الجزائري على وصول حفتر إلى الحدود الجزائرية-ـ الليبية والهجوم على طرابلس. الجزائر، بطبيعة الحال، ليست بمغرمة بـ«الإخوان المسلمين» وباقي الحركات السلفية التي تنتشر في الغرب الليبي، ولكن استمرار الوضع الراهن قد يكون أفضل من أن تصبح ليبيا بالكامل ورقةً في جيب أحد الأطراف الإقليمية، علماً أن ذروة التوتر بين الطرفين كانت نهاية الصيف الماضي عندما هدد حفتر بنقل الحرب إلى داخل الجزائر! وبرغم أن الجزائر حاولت إثبات حضورها عبر مناورات عسكرية على الحدود الجزائرية ـ الليبية، إلا أن القيادة السياسية والعسكرية الجزائرية كات مشغولة بمصير الرئيس بوتفليقة وغموض المرحلة المقبلة. تفجر المظاهرات الشعبية في الجزائر وانشغال الجيش الجزائري بالتطورات هناك وفّر نافذة فرصة اغتنمها المشير حفتر فوصلت قواته سريعاً إلى الحدود الجزائرية ـ الليبية، لتعلن فصائل ليبية عدة في غرب البلاد تأييدها له، ولتبدأ فعلياً معركة طرابلس بتقدم قوات حفتر إليها من الجنوب والغرب.

إن كان سوء الظن من حسن الفطن، فلا بد من التساؤل عما إذا كانت مصالح شركات النفط الفرنسية، توتال، والإيطالية، إني، تزدهر بنضوج الحل السياسي أم مع بقاء الوضع الرهان السائب في ليبيا

التنافس الفرنسي ـ الإيطالي حول ملفات أوروبية عدة، وسعي روما لتشكيل محور مقابل للمحور الفرنسي الألماني (الذي كان يوماً مثلثاً فرنسياً ـ ألمانياً ـ بريطانياً) ظهر بأوضح صوره في التنافس على إدارة ملف الحل السياسي الليبي. كانت فرنسا سباقة إلى التدخل عبر رعاية ما عرف بمؤتمر باريس، أيار/مايو 2018، الذي توافق فيه الليبيون على وضع دستور للبلاد بحلول شهر أيلول/سبتمبر وإجراء انتخابات قبل نهاية العام. وكما يحصل عادةً في الحروب الأهلية، الجداول الزمنية لا تعني الكثير. هكذا دخلت إيطاليا على خط إطلاق المؤتمرات ودعوات الحوار عبر مؤتمر باليرمو للحوار الليبي، تشرين الثاني/نوفمبر 2018، والذي حدد بدوره جداول زمنية جديدة. لا تعبر هذه المؤتمرات إلا عن نية الهيمنة على مسار الحل السياسي الليبي، حيث فضلت فرنسا وإيطاليا أن تتجاهلا التقدم الذي تحقق في الماضي عبر اتفاق الصخيرات في المغرب، كانون الأول/ديسمبر 2015، الذي لا يختلف في جوهره عن مبادرتي باريس وباليرموك، باستثناء التغييرات في توازن القوى والسيطرة بين الأطراف الليبية المتقاتلة.

وإن كان سوء الظن من حسن الفطن، فلا بد من التساؤل عما إذا كانت مصالح شركات النفط الفرنسية، «توتال» Total، و«الإيطالية»، إني Eni، تزدهر بنضوج الحل السياسي أم مع بقاء الوضع الرهان السائب. فهاتان الشركتان هما الوحيدتان اللتان استمرتا بالتوسع في أنشطتهما في ليبيا، فيما تحاول الشركات الأخرى الرحيل. في آذار/مارس 2018 ـ قبيل مؤتمر باريس ـ اشترت شركة «توتال» حصة شركة «ماراثون» الأميركية في حقل الواحة النفطي. في تشرين الأول/أكتوبر 2018 ـ قبيل مؤتمر باليرمو ـ اشترت شركة «إني» نصف حصة شركة «بريتش بتروليوم» من الأصول الليبية النفطية والغازية. إيطاليا تحديداً تمتلك مصلحة كبرى في استمرار الوضع الحالي في ليبيا. فالتراجع الكبير في موجات المهاجرين الأفارقة عبر ليبيا إلى إيطاليا تحقق عبر اتفاق السلطات الإيطالية وحكومة الوفاق في طرابلس والميليشيات الليبية على إنشاء معسكرات احتجاز لهؤلاء المهاجرين. يقدر الخبراء عدد هؤلاء المعتقلين بحوالي 200 ألف حالياً، يقبع منهم حالياً حوالي 20 ألفاً في معتقلات تديرها حكومة الوفاق والبقية في معتقلات تديرها الميليشيات الليبية المتعددة. هذه الترتيبات سمحت لليمين الإيطالي الحاكم بالتحرر من أعباء المهاجرين بكلفة منخفضة للغاية. أي حل سياسي مستقبلي للأزمة الليبية لن يقبل بتحمل كلفة حل المشاكل الأوروبية. لهذا، فالوضع الحالي المؤقت مفضل على غيره.

وعلى عكس سوريا الفقيرة بمواردها والتي تصل فاتورة إعادة إعمارها إلى مئات مليارات من الدولارات (والتقديرات بطبيعة الحال لا تمتلك الخيال الكافي لتقدير تأثير الفساد والمحسوبية)، فإن ليبيا غنية بمواردها وأرصدتها المالية المجمدة (نعلم مثلاً أن الأموال المجمدة بقرار من الأمم المتحدة في 2011 بلغت حينذاك 67 مليار دولار)، ولهذا فإن القوة التي ستستطيع التحكم بمستقبل ليبيا ستهيمن على طريقة إنفاق عشرات مليارات الدولارات. ولهذا يستعر التنافس بين القوى الدولية، والتي يبدو أنها تفضل استمرار الوضع الحالي إلى حين التوصل إلى تسوية فيما بينها بدل أن تحسم الأمور بالقوة لصالح أحد أطراف الصراع الليبي.

أما الدخول الروسي السياسي والإعلامي على خط معركة طرابلس عبر منع مجلس الأمن من إصدار بيان يدعو خليفة حفتر إلى وقف الهجوم على طرابلس، فقد يكون ضاراً بجهود حفتر على المدى المتوسط والطويل. فهذا التدخل الروسي قد يشجع على توحد الجهود الدولية في مواجهة حفتر، عبر إضافة بعد التنافس الأطلسي ـ-الروسي للمعركة هناك. وما دامت روسيا غير راغبة بالتدخل العسكري المباشر هناك، فلا فائدة حقيقية يجنيها حفتر الذي لا يزال يحاول السيطرة على طرابلس من دون دعم جوي في الوقت الذي بدأ فيه خصومه توحيد صفوفهم للدفاع عن مصراتة حيث ستدور المعركة الحقيقية. مع تظافر كل هذه العوامل تتضاءل آمال حفتر بالسيطرة على كامل التراب الليبي، لتبقى المشيئة الدولية متمثلة باستمرار النزيف الليبي إلى حين تلاقي المصالح على غير ذلك.

 
×