لا يفصل عقلُ “حزب الله” بين مُجريات الأحداث في لبنان وبين ما يحدث في العراق وإيران اليوم. في خلفّية تفكير الحزب أنه مُعرّضٌ دائمًا للاستهداف، إما مُباشرَة عبر عقوباتٍ أو عمليّاتٍ أمنيةٍ أو حروبٍ كُبرى، أو بشكل غير مباشر عبر مساعي إعادة تشكيل البيئة التي ينشط فيها، سواء في لبنان أو في محيطه. يلحظ الحزب ما يدور حوله ويزداد توتّرًا. هذه محطّة دقيقة قد تقضي على الفرص المُتاحة أمامه لاستثمار نجاحاته داخليًا وإقليميًا. بل هي محطة تطرح عليه تهديدًا وجوديًا. إذ في اللحظة التي تحاول طهران جمع أوراقها من أجل جولة آتية من المفاوضات مع واشنطن، لا نعلم موعدها، يتداعى النفوذ الذي عملت لسنوات على بنائه في العراق كأحجار الدومينو، وتفتك العقوبات الأميركية بلَحم مجتمعها، وتخرج من تحت الأرض جماعات معارضة لنظامها لتقتنص فرصة الانقضاض عليه، ولتوظّف ضغوط الخارج من أجل تغيير المعادلات في الداخل.

في ظل ذلك كلّه، يهجس “حزب الله” اليوم بكلّ ما هو غير متوقّع. من ناحية، يعرف خصومَه في تركيبة السلطة اللبنانية. يُدرك مواطن ضعفهم ومحدوديّة خياراتهم وقدراتهم. لكن، من ناحية أخرى، فإن “المجتمع المدني”، ذاك الشيء الهلامي الذي يلعب في مساحات غير مُجرّبة سابقًا، يكاد يتحوّل في عقله إلى مصدر “تهديد” جديد. تفكيكه يستلزم جهدًا. يُخفي أكثر مما يُشهر. ليست لديه مطالب واضحة ولا وجوه. وفوق ذلك كلّه، يحتوي ويهضم المتسرّبين إليه من الأحزاب قاطبة، ويسهل اختراقه من قبل الخصوم. الأسهل، بالنسبة لـ”حزب الله”، هو الفرز وفق اصطفافات جليّة. “اكشفوا عن وجوهكم”، قال السيد نصرالله في خطابه الثاني بعد اندلاع الحركة الاحتجاجية الواسعة في لبنان، متوجهًا إلى من يبحث في الانتفاضة عن “الثأر السياسي من حزب الله”. هذا “المجتمع المدني” قناع كبير خلفه وجوه كثيرة. و”حزب الله” يبحث عن الوضوح لمواجهة تحدياته الداهمة. وهو اليوم يفضل أن يعود إلى خلف أسوار طائفته، وإلى “تنظيف” باحته الخلفية داخل الأسوار من هذه المساحات الهلامية بالقوّة العارية إن استلزم الأمر. يشبه الأمر عودته إلى “قلعته الحصينة” كما شرح الكاتب الراحل جوزف سماحة في افتتاحيته بجريدة “السفير” بُعَيد اغتيال الحريري والانسحاب السوري من لبنان عام 2005. لكنّه الآن يستخدم أساليب أكثر فجاجة لفرض هذا الانكفاء، في ظروف لبنانية داخلية مختلفة، وفي بيئته نفسها من يتململ من هذه الأساليب إلى حدّ الابتعاد. و”حزب الله”، بأدائه الراهن، يساهم بيديه بتحقيق بعض ما يخشى من وقوعه.

حصان طروادة أم المجتمع الصالح؟

يتعامل “حزب الله” مع “المجتمع المدني” كما لو كان ظاهرة أنتجها “الشيطان الأكبر” القابع في واشنطن بالكامل. كما لو أن “المجتمع المدني” بُعبُعٌ كبير. حصانُ طروادة. تسقط من تعريفاته أن المفهوم يُحيل إلى ظاهرة اقتصادية ـ سياسية ـ اجتماعية شهدت أوروبا ولادتها بُعيد ثورتها الصناعية أواخر القرن الـ17 وما رافق هذه الثورة لجهة نمو الأسواق وانفتاحها، ونهضة الطبقة الوسطى، ونشأة المجال العام.

ما نعلمه أن “المجتمع المدني”، كما يقول يورغن هابرماس، هو وليد الدولة الحديثة وبناها الاقتصادية (الرأسمالية). مايكل إدواردز عرّفه تبعًا لواحدة من نظريات ثلاث: إذ يمكن النظر إليه باعتباره معبّرًا عن “حياة مجتمعية ترابطية” associational life يسودها سلوك تعاوني، أو بوصفه “المجتمع الصالح” good society المُتخيل أو المُبتغى، أو بوصفه المجال العام public sphere بمعناه الحديث، أي أنه مرادف لما كانت تعنيه الصالونات والمقاهي في فرنسا وبريطانيا يوم شكّلت محطة للقاء والنقاش السياسي بُعيد الثورة الصناعية، لكن على نطاق أوسع.

ما نعلمه أيضًا أن استخدام المصطلح تقلّص ثم عاد ليظهر في سبعينيات القرن الماضي في الغرب، مع بروز المفاعيل الاجتماعية (والاقتصادية) للحداثة بشكل أكثر وضوحًا، ومع سيادة “ثقافة الفصل” culture of separation والفردانية individualism المرافقة لها، فبدا صرحًا جامعًا لأفراد ذوي اهتمامات ومصالح مشتركة، وبدا بديلًا عن قنوات التعبير المؤسسية التقليدية (الأحزاب والنقابات) والرسمية (مؤسسات الدولة التمثيلية). ثم تكثّف هذا الاستخدام أواخر الثمانينيات، مع “الموجة الثالثة” من الدمقرطة التي اجتاحت أوروبا الشرقية وسائر المعسكر الاشتراكي، قبل أن تزداد أهميته كوسيط غير رسمي مع الدولة، وتخرج منه، تدريجيًا، مئات آلاف المنظمات غير الحكومية في أنحاء مختلفة من العالم.

نعلم أيضًا أن “منظمات المجتمع المدني” ليست بدعة جديدة، إذ وردت الإشارة إليها في المادة 71 من الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة عام 1945، التي نصّت على وجوب تشاور “المجلس الاقتصادي الاجتماعي” التابع للمنظمة الأممية مع المنظمات غير الحكومية في المسائل ذات الاهتمام المشترك.

عالم الـNGOs

برغم ما سبق، فإن منظمات المجتمع المدني لا تمثل المجتمع المدني بكلّيّته. ويمكن تعريف هذه المنظمات بأنها مجموعات تعمل، بالاستقلال عن الدولة، على تسويق مصالح مختلفة في المجتمع. والأكيد أن نموّها، كظاهرة، لم يكُن مجرّدًا عن النقد. فقد اعتبر روبرت بلاه، مثلًا، أن منظمات المجتمع المدني وسيلة لـ”أنسنة الرأسمالية” humanizing capitalism. بينما رأى الباحث الراحل فريد هاليدي في معرض نقده ظاهرة منظمات المجتمع المدني أن ناشطي هذه المنظمات يعتقدون أنهم “أقوَم من غيرهم في أفضل الأحوال، وهم نخبويون في أسوئها”. وهو في هذا الإطار يميّز بين هذه المنطمات، ويُخضع تصنيفه إياها إلى مدى استقلاليتها عن الجهات الداعمة أو تبعيتها لها. أما “نخبوية” ناشطي المجتمع المدني فيختلف مداها بين دول المركز ودول الأطراف. ففي المركز تبدو المنظمات غير الحكومية أكثر التصاقًا بنسيج بيئتها الاجتماعية، فيما في الأطراف، ونتيجة اعتماد قسم كبير منها على التمويل الخارجي، تظهر كانعكاس لأولويات الجهات المانحة، لا أولويات مجتمعاتها المحلية.

على أي حال، مع ولادة مئات آلاف المنظمات غير الحكومية حول العالم، راح نشاط هذه المنظمات ينتظم وفق صيغ احترافية وإدارية، لا تختلف كثيرًا عن آلية عمل شركات الإعلانات التي تهدف إلى تلبية اتجاهات السوق. ومن خلال عرض بسيط لبعض الأرقام، يمكن لأي منّا أن يلحظ مدى تضخّم حجم منظمات المجتمع المدني في الأعوام العشرين الأخيرة. ففي مسح للقطاع غير الربحي في 22 بلدًا عام 1997، تبين أن هناك ما يزيد على مليون منظمة غير حكومية في الهند، و210 آلاف منظمة في البرازيل، ونحو 17 ألف منظمة في مصر. وهذه الأرقام زادت باضطراد في السنوات اللاحقة، إذ فاق عدد المنظمات في الهند 3.3 مليون منظمة (عام 2009)، وفي البرازيل 338 ألفًا (عام 2012)، وفي مصر 47 ألفًا (عام 2016).

أداة بيَد واشنطن؟

يكاد لا يوجد “مجتمع مدني” من دون رقابة، علمًا أن مدى الرقابة يختلف بين دولة وأخرى. وفي الكثير من الحالات، ليست الرقابة سوى آلية دفاع ذاتي تستخدمها الأنظمة والسلطات لتعطيل قدرة منظمات المجتمع المدني على الكشف عن الخلل في عمل أجهزتها، وعلى تنظيم حملات مناصرة حقوقية، وخلاف ذلك من الأعمال التي قد تفضي إلى محاسبة منتهكي الحقوق أو المتسببين بالفساد. لكن الحجة الأكثر استخدامًا لفرض رقابة على عمل منظمات المجتمع المدني، تتصل بقابلية هذه المنظمات للعمل وفق أجندات الدول الراعية أو الداعمة لها.

ففي الولايات المتحدة، مثلًا، يُسمح بعمل المنظمات غير الحكومية، بما فيها الممولة من حكومات أجنبية، لكن يُمنع التعامل مع الأشخاص والمنظمات الذين تدرجهم واشنطن على لوائح الإرهاب والعقوبات، كما يُمنع تقديم دعم لأي مرشح انتخابي من قبل جهات خارجية. كذلك تُلزم الجمعيات غير الحكومية في أميركا بالإعلان دوريًا عن طبيعة علاقتها بالجهات الخارجية الداعمة، وماهيّة النشاطات التي تقوم بها، وحجم الدعم المالي الذي تتلقاه.

في المقابل، تدعم الإدارة الأميركية منظمات غير حكومية في أنحاء مختلفة من العالم. وقد تجاوزت المساعدات الخارجية التي تُقدّمها عبر US AID، أي وكالة التنمية الدولية، 39.3 مليار دولار العام 2019، ويُفترض أن تصل إلى 40 مليار للسنة المالية 2020. علمًا أن هذه المساعدات تتنوع بين 28 مجالًا للدعم بحسب بيانات العام 2018. وغني عن القول إن معظم مجالات الدعم قابل للتسييس. إذ إن كلًا من أنواع المساعدات محكوم بالممنوعات التي تنص عليها لوائح العقوبات والخطوط الحمراء للسياسة الخارجية الأميركية.

أما على المقلب الآخر، فقد قامت السلطات في روسيا، “غريم الديمقراطيات الغربية” الأول، بمحاولات لاحتواء المجتمع المدني المحلي عبر جملة من الإجراءات، من بينها جعل التمويل من الخارج مرادفًا للعمالة (بنص قانون صدر عام 2012)، ومن بينها تعقيد الإجراءات البيروقراطية الخاصة بتسجيل المنظمات، بالإضافة إلى تقديمها دعمًا مباشرًا لمنظمات غير حكومية بملايين الدولارات سنويًا، بغرض إبقاء نشاطها تحت سقف “النظام”، مع السماح بهوامش محدودة للاحتجاج في ميادين السياسة.

وإن كان ثمة دلالة لما ورد أعلاه، فهي أن الدول كافة، بما فيها المقتدرة اقتصاديًا (أي الأكثر مناعة في مواجهة تدخلات الخارج)، تضبط عمل منظمات المجتمع المدني وتخضع هذا العمل لاعتبارات الأمن القومي، أو لاعتبارات أمن النظام، أو للاثنين معًا. أما الدلالة الثانية فهي أن عملية الضبط هذه ليست في اتجاه واحد، وأن الولايات المتحدة، برغم أنها أقدر اقتصاديًا من غيرها، وبرغم أن طبيعة عمل منظمات المجتمع المدني أقرب إلى نماذج “القيادة الناعمة” والثورات الملوّنة التي تدعمها، معرّضةٌ بدورها لضغط هذا المجتمع، الذي تتراوح قضاياه من مسائل حقوقية أقلوّية إلى قضايا تمسّ مصير كوكب الأرض. والأمر نفسه ينطبق على حلفاء واشنطن الأقربين. هذا ما يفسّر، مثلًا، تأكيد الرئيس البرازيلي خايير بولسونارو بُعيد انتخابه، وهو اليميني المتطرف وصديق واشنطن، أنه سيضع “حدًا لنشاط المنظمات غير الحكومية في البرازيل، ولن يُخصّص لها تمويلًا حكوميًا بعد اليوم”.

“حزب الله”
والمجتمع المدني والانتفاضة

ليس كلّ “المجتمع المدني” منظمات غير حكومية، بل هو أوسع من ذلك بكثير، وليست كلّ المنظمات غير ذات جدوى حقيقية أو مطيّة للخارج. لكن “حزب الله” تعامل مع المجتمع المدني في لبنان برمّته، كمجال عام، بأفراده وجمعياته، من زاوية أنه تهديد مُحتمل. لقد جمَعَ هذا المجتمعُ لحظةَ اندلاع الانتفاضة في لبنان محبي الحزب وحلفاءَه وخصومَه وكارهيه والمحايدين حياله، في ساحة واحدة. اختلط الحابل بالنابل. أوعز الحزب لأنصاره بالانسحاب حتى تتضح الصورة، ففعل كثير منهم ذلك على مضض. خلا الأمر بعد ذلك للعناصر المُهيئة، من بيئة الحزب، لافتعال المشكلات ولاستعراض فائق القوة التي يمتلكونها في الشوارع. ساعد ذلك على فرز الساحات. أخرج كارهوه في المجتمع المدني ما في قلوبهم، فيما انكفأت أعداد من المحايدين، واستنفر مناصرو الأحزاب المقابلة وراحوا يحتكون بأنصاره على خطوط التماس. لكنّ الكثير من المتحمسين للتغيير، المدافعين عن دوره في مقاومة إسرائيل، أصابهم إحباط من هذا السلوك.

قد لا يكون “حزب الله” مسؤولًا مباشرًا عن الفساد في مؤسسات الدولة اللبنانية. ولا ريب أن واشنطن تعمل على توظيف كلّ ثغرة متاحة للانقضاض عليه، وأن إسرائيل ترغب بزوال هذا التهديد عنها وأنها لن توفّر فرصة لذلك. لكن الحزب، بأدائه اليوم، يخوض مواجهة يعتبرها دفاعية بعقل أمني، فيما هو بأمس الحاجة إلى التعاطي مع تمظهرات الانتفاضة بعقل مدني. وهذا تحدٍّ يرتبط بكونه، بنيويًا، بحكم طبيعة تركيبته، وقيادته الهرمية، وانضباطيته الصارمة، وأيديولوجيته الحاكمة، يكاد يكون نموذجًا نقيضًا للنماذج المدنية المنخرطة في التعبير عن نفسها في “المجال العام”. لكن الثابت أنه، كلّما أهمل هذا الجانب وأوغل باعتماد أساليب أمنية، استنزف حاضنته المدنية القادرة على الدفاع عن دوره، وأفقدها الكثير من مناعتها، وفقد معها، بدوره، الكثير من مناعته. أما انزواؤه في “القلعة الحصينة” وإقفال بواباتها، بالقوّة العارية وحملات التخويف والشائعات، فبمعنييه الوطني العام والمصلحي المباشر، لعلّه أسوأ “الحلول”.

 
×