عام 1991، نشر الفليسوف الفرنسي جان بودريار كتابًا بعنوان “حرب الخليج لم تقَع”، جمع فيه 3 مقالات مُطوّلة نُشرت في صحيفَتي “ليبراسيون” الفرنسية و”الغارديان” البريطانية حول “حرب تحرير الكويت”، قُبيل الحرب وأثناءها وبُعيدها، الأولى عَنوَنها “حرب الخليج لن تقَع”، والثانية “حرب الخليج: هل هي واقعة فعلًا؟”، والثالثة “حرب الخليج لم تقَع”.

طبعًا، لم يكُن بودريار ينفي حصول الحرب التي أسقطت آلاف العراقيين خلال المعارك، ومئات الآلاف منهم بعدها أثناء حصار بلادهم، لكنّه، ببساطة، كان يرى أن الرواية المُهيمنة بشأن الحرب لم تعكس حقيقة مُجرياتها. كانت تلك المرّة الأولى في التاريخ التي يُنقل خلالها حدث بهذا الحجم مباشرة عبر التلفزيون. “السي. إن. إن.” كانت سبّاقة في هذا المجال، وفي هذه “المَوقعة” بالذات صنعت جزءًا من سمعتها الدولية كقناة رائدة. لكن النقل الحيّ التي بثّته لجمهور يبعد معظمه آلاف الأميال عن صحارى العراق الحارقة حيث يُدفن الجنود العراقيون تحت الرمال، كان، بحسب بودريار، غير مطابق للواقع. كذلك لم يكُن حقيقيًا أيٌ من الروايات الرسمية المقدّمة من خلال سائر وسائل الإعلام لـ”جمهور” المتابعين. فلا النظام العراقي كان بالعَظَمة العسكرية التي يُصوّر نفسَه بها، ولا أميركا كانت بالوداعة التي عبرها سوّقت مشاريعها. الحقيقة كانت مغايرة لتمثّلاتها في الإعلام. والحرب، كما شاهدناها عبر الشاشات، ببساطة، لم تحدث.

ننتقل بالزمن إلى تاريخ يبعد 24 عامًا عن حرب الخليج تلك؛ 26 آذار/مارس 2015. قُرابة منتصف ليل ذاك اليوم بتوقيت الرياض، أعلن السفير السعودي لدى واشنطن عادل الجبير انطلاق عملية “عاصفة الحزم” بذريعة “حماية الشرعية في اليمن من الميليشيات الحوثية”. لم يكُن سقف الأهداف مرتفعًا يومذاك فحسب، بل كان التحالف المُعلَن عنه عريضًا كذلك: إعلانٌ من 10 دول هَدَف إلى تشكيل غطاء دولي لشرعنة التدخل العسكري في اليمن، وبيانٌ موازٍ يؤيّد الخطوةَ صدَرَ عن دول “مجلس التعاون الخليجي” كافة. لاحقًا، تداعى التحالف العريض إثر تنصّلِ باكستان منه، واكتفاءِ مصر بإعلان موقف سياسي داعم، وإحجام المغرب تدريجيًا عن الانخراط في المجهود الحربي، وعزلِ قطر عن “مجلس التعاون” بعد أزمتها مع دول الجوار. حتّى بات “التحالف”، عمليًا، محصورًا بطرفَين لكلّ منهما أجندة خاصة في اليمن، هما الرياض وأبو ظبي، فيما المواجهات المباشرة مع “الحوثيين” على الأرض تُخاض بقواتٍ من اليمن الجنوبي وآلاف السودانييين الذين زجّ بهم نظامهم (السابق) في أتون القتال.

يُمكن اعتبار أن الحرب لم تحدث في شقّها العسكري أيضًا، بحسب الرواية التي روّجت لها بصِفَتِها وَصْفَة حلّ سريع لمشكلةٍ تُهدّد الأمن الإقليمي

نقف اليوم على بُعد 4 سنوات و5 أشهر من انطلاق “عاصفة الحزم”، و4 سنوات و4 أشهر (أي أقلّ بشهر واحد) من الإعلان عن انتهاء “العاصفة” وانطلاق عملية “إعادة الأمل”، التي أُريد منها الإيحاء بأن الحرب دخلت طورًا أخيرًا تُطوى إثره صفحة العمل العسكري ذي النتائج المضمونة سلفًا، ويُعاد الاعتبار بعده للعمل السياسي في ظلّ “شرعية” الرئيس المؤقت الذي خلعه “أنصار الله” (الحوثيون) عبد ربه منصور هادي، حليف الرياض وأبو ظبي (آنذاك). المفارقة، طبعًا، أن مُمثّل “الشرعية” نفسه التي شُنّت الحرب استجابة لها، أصبح خارج الصورة، بعدما أسقطته قوات “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم من الإمارات قبل أيام.

يمكن القول اليوم إن حرب اليمن، وفق المسوّغات السياسية التي قامت عليها وحازت إثرها “تفهّمًا” دوليًا، ببساطة، لم تقَع. بل يُمكن اعتبار أنها لم تحدث في شقّها العسكري أيضًا، بحسب الرواية التي روّجت لها بصِفَتِها وَصْفَة حلّ سريع لمشكلةٍ تُهدّد الأمن الإقليمي. فهجمات الطائرات المُسيّرة التي استهدف آخرُها مطار أَبها جنوب المملكة السعودية، أضعفت على مدار العامين الماضيين من الفعالية الردعيّة لمنظومة الحماية الصاروخية للرياض، وسهّلت اختراقها عبر صواريخ بالستية (وفق ما يوضح تقرير صدر عام 2017 عن مركز Conflict Armament Research)، وضاعفت من أكلافها.

في مؤتمر عسكري عُقد في ولاية ألاباما في نيسان/أبريل 2017، قال الجنرال الأميركي ديفيد بيروكنز، في تلميح ناقدٍ لأداء الرياض في الحرب على اليمن: “أحد الحلفاء المقرّبين أسقط طائرة مُسيّرة بقيمة 200 دولار بصاروخ باتريوت تكلفته أكثر من 3 مليون دولار. لو كنت العدو، لاشتريت ما أمكن من هذه الطائرات عبر eBay حتى أستنزف مخزون الباتريوت بالكامل”.

مع بعض المجاز والمبالغة، ومع نقض البعد السياسي للمسألة مُتمثلًا بهرطقة “الحفاظ على الشرعية” والإضاءة على الأكلاف الإنسانية الباهظة للفعل العسكري والحصار المرافق له، يمكن الزعم أن الوصف أعلاه هو أقرب ما ينطبق على ما يحدث حاليًا في اليمن، أقلّه بعد تحوّل المسألة من معركة حوثية للاستحواذ على السلطة، إلى حملة لتطويع البلاد وتقاسم مغانمها من دول الجوار.

 
×