«تعال وخذ نفطنا ومالنا»، تلك هي ظاهرة التسعير السلبي للنفط التي شهدها العالم للمرة الأولى في العشرين من نيسان. لهذه الظاهرة الفريدة تبريراتها التقنية، فيوم الاثنين 20 نيسان هو اليوم الأخير لإنجاز عقود بيع النفط الأميركي لشهر أيار المقبل. والشركات التي ستفشل في إيجاد تصريف لإنتاجها النفطي خلال الشهر المقبل، عليها أن تجد بشكل عاجل مستودعات كافية لتخزين فائض إنتاجها. قدرات التخزين هذه باتت باهظة الكلفة. والانتظار غير مضمون، واتخاذ قرار بتخفيض الإنتاج، وإغلاق بعض الآبار، أمر معقد وخطر تقنياً، وعالي الكلفة أيضاً، وقد يحرم الشركات التي تتخذ مثل هذا القرار من حصتها من الأسواق.

إلا أن هذه التفاصيل التقنية يجب ألا تحجب مشهد الحرب النفطية الحقيقية، وهي بين روسيا والولايات المتحدة. ففي حين أن معظم مصدري النفط، خاصةً دول “أوبك”، يتخذون قراراتهم بدوافع اقتصادية بحتة، تتمثل بالرغبة في الحصول على أكبر عوائد ممكنة لإطالة عمر الاقتصاد الريعي. غير أن المسألة بالنسبة لروسيا والولايات المتحدة أكثر تعقيداً، إذ تغلب الدوافع السياسية والجيوسياسية على القرار الاقتصادي. المشترك بين الولايات المتحدة وروسيا أنهما من أكبر ثلاثة منتجين للنفط في العالم. إلا أن الشبه يكاد ينتهي هنا. فعلاقة الولايات المتحدة بالنفط هي علاقة فريدة. لا تمتلك الحكومة الفيدرالية الأميركية القرار في قطاع النفط الأميركي، لا إنتاجاً ولا استيراداً؛ ولا تمتلك شيئاً من عائداته؛ وحتى الآن هناك جدل تقني حول ما إذا كانت الولايات المتحدة باتت مصدراً صافياً للنفط أم لا تزال – كما كانت منذ الحرب العالمية الثانية – مستورداً صافياً للنفط. ففي العام 2019، استهلكت الولايات المتحدة 20 مليون برميل من النفط يومياً، وانتجت 13 مليون برميل،ـ فيما استوردت 9.1 مليون برميل يومياً وصدرت 8.57 مليون برميل يومياً. هذه الأرقام صحيحة ودقيقة تماماً، إلا أنها تثير الحيرة أكثر مما تكشف وضع الولايات المتحدة. وقد كان هناك نقاش تقني طويل، منذ أواخر 2018، بين Bloomberg وForbes، أهم منصتين اقتصاديتين أميركيتين، حول ما إذا كان من الواجب تصنيف الولايات المتحدة كمصدر صافٍ للنفط أم لا، أي أن إجمالي ما تصدره أكبر من إجمالي ما تستورده.

أما روسيا، فالصورة فيها أكثر بساطة. هي ثاني أكبر مصدّر للنفط في العالم. ويمسك الكرملين بالقرار في ما يخص قطاع الطاقة، من نفط وغاز. وتُرسم السياسة الروسية في هذا المجال، بشكل شبه حصري، وفق الاعتبارات السياسية والجيوسياسية أكثر مما تُرسم وفق الاعتبارات الاقتصادية. لنعد إلى الوراء قليلاً. توصلت منظمة “أوبك” وروسيا وبعض المصدرين الآخرين إلى تفاهم ما عرف باسم «أوبك+»، والذي سعى إلى تحسين أسعار النفط في الأسواق العالمية بعد انهيار هذه الأسعار صيف 2014، والذي أنهى الطفرة النفطية الثانية. ولكن منذ خريف العام 2019، وبعد استقرار النفط عند مستوى 60 إلى 70 دولاراً، بدأ المسؤولون الروس الحديث عن عدم حاجتهم لتجديد اتفاق خفض الإنتاج مع دول “أوبك”، وأن روسيا تستطيع التعايش مع سعر 30 إلى 40 دولاراً للبرميل. وقد تم تخفيض الموازنة الروسية بالفعل، خلال السنوات الماضية، بحيث تصل إلى حالة التوازن بين النفقات والواردات عند سعر 42 دولاراً للبرميل. ولكن لماذا يتخلى الروس عمداً عن ترتيبات تتيح تصدير النفط بسعر 60 دولاراً، على الأقل، لصالح القبول بتصديره بسعر 30 أو 40 دولاراً؟ هذا القرار يعني التخلي عن 3 إلى 4.5 مليار دولار شهرياً في الحد الأدنى. السؤال الآخر، ذو الصلة، هو لماذا اتخذ الروس هذا القرار في هذا التوقيت بالذات؟

اتُخذ القرار الروسي لاعتبارات سياسية بحتة. يحتاج أغلب منتجي النفط الصخري الأميركي لأن يبيعوا النفط مقابل 55 دولاراً للبرميل لكي يتمكنوا من الاستمرار بالتوسع وحفر المزيد من الآبار، في حين أن متوسط سعر 27 إلى 37 دولاراً يكفيهم فقط للاستمرار بالإنتاج، ولكن من دون تحقيق أرباح. وهذا يعني عملياً خروج هؤلاء المنتجين من السوق خلال بضع سنوات مع افتقارهم القدرة على التوسع وحفر آبار جديدة لتعويض الآبار الناضبة. أما توقيت التغيير في القرار الروسي، فيرتبط بكوننا في عام الانتخابات الرئاسية الأميركية. هبوط أسعار النفط سيشكل ضغطاً على شركات النفط الأميركية، وهي أهم الداعمين التقليديين لـ”الحزب الجمهوري”. هل كانت الخطة الروسية تقضي بالعمل على إلحاق ضرر طويل الأمد بقطاع النفط الصخري الأميركي، أم بالضغط على الإدارة الأميركية لدفعها إلى عقد صفقة مع الكرملين لإنقاذ هذا القطاع قبيل الانتخابات؟ التغيير المفاجئ في المواقف الروسية والإصرار، منذ بداية العام، على ترك أسعار النفط تنهار، يرجح كفة التفسير الثاني.

ملف الطاقة، بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم، هو ملف يعكس حال الصراع الاستراتيجي بينهما، أكثر من كونه محركاً للصراع الاستراتيجي بينهما

القرار الروسي الأخير في قطاع النفط بيد الكرملين ومدراء كبرى شركات النفط الروسية، وهم، كما فلاديمير بوتين، من الضباط السابقين في المخابرات والجيش السوفيتي، والذين انتقلوا إلى قطاع الطاقة والأعمال الروسي، مثل إيغور سيشن، ضابط المخابرات السابق من سان بطرسبورغ، والمدير التنفيذي لشركة Rosneft الحكومية، وأكبر منتج للنفط في روسيا، وكذلك ليونيد فيدون، الضابط السابق في الجيش السوفيتي، وصانع القرار في شركة Lukoil، أكبر شركة نفط خاصة في روسيا. غلبت الاعتبارات السياسية على الاقتصادية في القرار الروسي. ففي مطلع هذا العام، كانت جميع استطلاعات الرأي والتحليلات الاقتصادية ترجح بشكل جازم فوز الرئيس الأميركي بولاية ثانية. إلا أن مثل هذا الفوز كان سيعني استمرار التوتر في العلاقات الأميركية-الروسية لأربع سنوات أخرى. لهذا فإن اختلاق أزمة جديدة يقود حلها إلى مكاسب اقتصادية للطرفين، ولا تقود إلى تنازلات كبيرة في الملفات المتبقية، وتقود إلى مصالحة أميركية-روسية، بدا خطة جذابة.

إلا أن الخطة الروسية عانت من نقطتي ضعف خطيرتين. الأولى تمثلت بعدم أخذ حال الاقتصاد العالمي بالاعتبار. فقد رجح أغلب المراقبين الاقتصاديين، حتى قبل أزمة وباء فيروس “كورونا”، أن العالم في العام 2020 يتجه نحو جمود اقتصادي وفائض في أسواق النفط. وهذا ما حذرت منه حتى بعض الأصوات الروسية. إذ أفاد المصرف المركزي الروسي، في أيلول 2019، بأن النفط يمكن أن ينهار في العام 2020 وصولاً إلى 25 دولاراً للبرميل. نقطة الضعف الثانية هي أن روسيا لم تأخذ بالاعتبار أن دول “أوبك”، خاصةً الخليجية، يمكن أن تردّ وتزيد من طاقتها الإنتاجية، بالرغم من وجود سابقتين تاريخيتين، في عامي 1986 و2014. وما فاقم المشكلة الروسية هو وباء فيروس “كورونا” الذي أدخل الاقتصاد العالمي في حالة إغلاق خفضت من استهلاك النفط بحوالي الثلث، مما خلق فائضاً في الطاقة الإنتاجية يصل إلى 29 مليون برميل يومياً. والآن بات من شبه المؤكد أن الحرب النفطية وأزمة وباء “كورونا” ستقودان إلى إفراغ صندوق الرفاه الروسي، الذي كان يحوي أكثر من مئة مليار دولار مطلع هذا العام، وهو ما سيخلق تحديات سياسية داخلية كبيرة للكرملين.

ولكن إلى أين ستمضي العلاقات الأميركية-الروسية بعد أن تبخر احتمال التوصل إلى صفقة أميركية-روسية لإنقاذ قطاع النفط الصخري الأميركي، وتحقيق مصالحة أميركية-روسية؟ من المرجح أن هذا السؤال برمته خاطئ أساساً، وأن الرهان على صفقة أميركية-روسية سريعة هو رهان روسي خاطئ آخر، كما كان الرهان على التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية صيف 2016.

هناك نزعة مستمرة في الشرق الأوسط لتفسير كل ما يحصل في المنطقة من أزمات بالصراعات الدولية في ملف الطاقة. لا يزال البعض، على سبيل المثال، يفسّر الحرب السورية بأنها نتيجة الخلافات على مد أنابيب الغاز عبر سوريا إلى تركيا. ولكن هل كانت الولايات المتحدة لتتجنب محاولة الرد على التمدد الروسي في الشرق الأوسط لو كان سعر برميل النفط 100 دولار، وبوسع منتجي النفط الصخري الأميركي التحول إلى قوة مسيطرة في سوق النفط العالمي؟ الجواب هو غالباً لا. إذ إن الولايات المتحدة ستعمل على الردّ على روسيا بمعزل عن حال سوق النفط. من هنا، فلو أخرجنا ملف الطاقة من المعادلة لما تغير الكثير من تفاصيل الصراع الروسي-الأميركي، سواء في الشرق الأوسط، أو أوروبا، أو آسيا الوسطى. ملف الطاقة، بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم، هو ملف يعكس حال الصراع الاستراتيجي بينهما، أكثر من كونه محركاً للصراع الاستراتيجي بينهما. وفي ذلك تكرار لما حصل في ثمانينيات القرن الماضي، عندما زاد الاتحاد السوفيتي من إنتاجه النفطي في النصف الثاني من السبعينيات في مسعى للاستفادة من الطفرة النفطية آنذاك، وكان الرد الأميركي بالدفع نحو خلق فائض نفطي في الأسواق العالمية، أدى، بالتزامن مع الاستنزاف الأميركي للاتحاد السوفيتي في سباق التسلح، وحرب أفغانستان، إلى انهيار الكتلة الشرقية والفوز في الحرب الباردة. بمعزل عن النتائج اليوم، فإن محاولة استشراف الوجهة المقبلة في ما يخص العلاقة بين الجانبين وتداعياتها، تتطلب طرح السؤال الصحيح بداية.

 
×