ليست هذه المرة الأولى التي يُجري فيها لبنان محادثات غير مباشرة مع الجانب “الإسرائيلي” في السنوات الثلاثين الأخيرة (أي بعد حربه الأهلية). فقد حصل هذا الأمر مراراً بعد حرب تموز 2006 من خلال قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان “اليونيفيل”. بل إن المتحدث باسم القوات الدولية أندريا تيننتي صرّح عام 2018 بأن المفاوضات تجري بشكلٍ شبه يومي في ظل التوتّر الذي تلى قيامَ “إسرائيل” ببناء جدار حدودي، وطرحَ لبنان عقودَ تنقيبٍ عن النفط والغاز، بعضُها في المناطق المتنازع عليها بين الطرفين. لكنّها المرة الأولى التي يتجاوز فيها الأمرُ مسائلَ عسكرية وأمنية، ليتناول قضايا “مدنية” تتصل بالطّاقة والحدود.

عشرون عاماً من التنقيب

لملف الغاز والنفط في شرقي المتوسط، كما هو معلوم، بعدٌ جيوسياسي أكثر تعقيداً من بعده الاقتصادي. “إسرائيل” كانت سبّاقة في التنقيب عن موارد الطاقة في المياه الإقليمية، إذ إنّ أول حقل غاز طبيعي تم اكتشافه في المنطقة كان من نصيبها عام 1999. لاحقًا أُعلن عن اكتشاف حقولٍ أخرى، بينها “تمار” الذي يحتوي على 280 مليار متر مكعب من الغاز (عام 2009)، و”ليفياثان” بمخزون يبلغ نحو 623 مليار متر مكعب من الغاز (عام 2010).

قبرص، في المقابل، أعلنت عن احتمال وجود كميات من الغاز في مياهها الإقليمية عام 2001، وباشرت التفاوض مع سوريا لترسيم حدودها البحرية في العام ذاته، ومع لبنان في العام الذي يليه. بعدها بعقد، أي عام 2011، أعلنت عن اكتشافها حقل “أفروديت” الذي يحتوي على نحو 129 مليار متر مكعب من الغاز، ثم، عام 2018، حقل “كليبسو” الذي يحتوي على حوالي 220 مليار متر مكعب منه.

وفي حين احتجّت تركيا على ترسيم الحدود بين لبنان وقبرص ولوّحت باستخدام القوة في حال المباشرة بالتنقيب في المياه التابعة لقبرص التركية، ثم باشرت بإجراء مفاوضات مع الأخيرة، أعلنت مصر اكتشافها حقل “ظهر” عام 2015، وفيه نحو 850 مليار متر مكعب من الغاز، ثم حقل “نور” الذي زعمت أن مخزونه يفوق ما هو موجود في الحقل الأول، من دون أن يظهر ما يؤكد ذلك.

في المحصلة، وبرغم أن مجموع ما تحويه هذه الحقول يمثل نسبة مئوية صغيرة من مجمل احتياطات الغاز في العالم (الذي تتربع روسيا على رأس قائمة مالكيه تليها إيران ثم قطر)، فإن الكمّية المقدرة بـ 3.5 ترليون متر مكعّب بدا جذّاباً بما يكفي لأوروبا الراغبة بتقليص الاعتماد على الغاز الروسي والمشجعة بالتالي على قيام سوق جديد للغاز في المتوسط، وكذلك للدول المحاذية لهذه الحقول، الراغبة بتأمين واردات تقدّر قيمتها بمئات مليارات الدولارات.

“الخطأ” اللبناني

عام 2007، وقّع لبنان وقبرص اتفاقية لترسيم حدودهما المائية، وفي حين قامت قبرص بتصديقها، لم يقم لبنان بالمثل. إذ سرعان ما تبيّن أن سوء إدارة الفريق اللبناني المفاوض أفضى إلى حصول خطأ في تحديد المنطقة الواقعة في النطاق البحري الخاص بلبنان. أما المستفيد من هذا الخطأ فكانت “إسرائيل” التي أنجزت مفاوضات ناجحة مع الجانب القبرصي، رسمت خلالها حدوداً بحرية تقضم فيها نحو 860 كيلومترًا مربعًا من المياه الإقليمية اللبنانية.

الخط الأعلى هو الترسيم الذي تعمل على أساسه “إسرائيل”، فيما الأدنى جنوبًا هو ذاك الذي يطالب به لبنان

للبنان، نظرياً، منطقٌ قوي يستند إلى قوانين البحار التي تحدّد المناطقَ الاقتصادية الخالصة (Exclusive Economic Zones (EEZs التي يُسمح في نطاقها للدول باستغلال الموارد البحرية بشكل حصري، بناء على مجموعة من العوامل المركّبة. ومن حيث المبدأ، يمكن للبنان أن يطلب إعادة النظر في الحدود المرسومة خطأ مع قبرص طالما أنه لم يصدّق الاتفاقية الموقعة بينهما. كما أن الاتفاقية المُنجزة بين إسرائيل وقبرص غير ملزمة للبنان، إذ إن المادة 34 من “اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات” تنصّ على أن أيّ معاهدة بين طرفين لا تُلزم طرفًا ثالثًا لجهة الحقوق الممنوحة وفقها أو الالتزامات الناجمة عنها.

أما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS، فتحدّد الآليات التي يمكن من خلالها حل النزاعات حول ترسيم الحدود المائية، سواء عبر المحكمة الدولية لقانون البحار، أو محكمة العدل الدولية، أو التحكيم من خلال محكّم خاص أو عبر فريق من الخبراء. وبما أن “إسرائيل” ليست عضواً في المحكمة الدولية لقانون البحار، فمحكمة العدل الدولية، نظرياً، تعدّ طرفاً قادراً على النظر في الخلاف بين لبنان و”إسرائيل”. وهي كانت فاعلة في حلّ نزاعات حول الحدود البحرية، كحال النزاع بين ليبيا ومالطا في البحر المتوسط (1982 – 1985)، وبين رومانيا وأوكرانيا في البحر الأسود عام (2004 – 2009)، وبين غواتيمالا وبيليز في الكاريبي (2005 – 2008). لكن، عملياً، يحتاج اللجوء إلى محكمة العدل الدولية إلى توافق الطرفين المعنيين، أي أن العقبة المتمثلة بتواصل لبنان مع الجانب “الإسرائيلي”، ولو بشكلٍ غير مباشر، وأخذ موافقته، لا تزال قائمة.

الخيارات ومستقبل المفاوضات

في حزيران/يونيو 2010، احتجّ لبنان عبر رئيس مجلس نوابه نبيه بري على الترسيم الذي نصّت عليه الاتفاقية الموقعة بين “إسرائيل” وقبرص. وفي آب/أغسطس من العام نفسه أصدر قوانين تنظم قواعد وإجراءات التنقيب عن الغاز. طلب لبنان من الأمم المتحدة أن تؤدي دور الوسيط في النزاع عبر قوات “اليونيفيل”، لكن الأخيرة رفضت مطلع العام 2011 على اعتبار أن الموضوع خارج عن حدود صلاحياتها.

مرّت تسع سنوات منذ ذلك التاريخ. عملياً، لم تكن أمام لبنان سوى خيارات محدودة؛ إما أن يترك الأمر معلّقاً، أو أن يلجأ إلى محكمة العدل الدولية أو إلى طرف ثالث يؤدي دوراً تحكيمياً، أو أن يطلب الوساطة، أو أن يخاطر باندلاع مواجهة بين “حزب الله” و”إسرائيل” لا يرغب بها أي من الطرفين الآن.

اختار رئيس مجلس النواب – برضى “حزب الله” – أن يطلب رعاية الأمم المتحدة محادثات غير مباشرة مع “إسرائيل” من خلال الجيش اللبناني في منطقة حدودية مع فلسطين المحتلة، بعدما جرى التوصل إلى “اتفاق إطار”، على أن تؤدي الولايات المتحدة دور الوسيط فيها، بدءاً من منتصف تشرين الأول/أكتوبر.

وفيما تبرز أسئلة حول سرّ اتخاذ الخطوة هذه بعد أعوامٍ من الرفض اللبناني لها، فإن العوامل التي تدفع في هذا الاتجاه تبدو متصلة أساساً بالانهيار الاقتصادي والمالي، وكثرة المطبّات والتوترات الأهلية المصاحبة، والعقوبات الأميركية المتناسلة على “حزب الله” وحلفائه، وقرب الانتخابات الأميركية التي قد يليها بعض التغيير في سياسة واشنطن حيال إيران (وهو ما يشجع “حزب الله” وحلفاءه على التهاون مرحلياً)، فضلاً عن سرعة تشكّل “منتدى شرق المتوسط للغاز” الذي يضم إلى جانب “إسرائيل” كلاً من مصر والأردن وإيطاليا وقبرص واليونان والسلطة الفلسطينية (بينما تبني تركيا تعاوناً مختلفاً مع حكومة طرابلس في ليبيا)، في مقابل عدم قدرة لبنان على الإفادة من قدوم شركات للتنقيب في حقوله الجنوبية التي تشمل المساحة المتنازع عليها.

بالتالي، يمكن القول إن الرغبة الأساس من هذه الخطوة (التي ستشهد الأيام المقبلة مراحلها الأصعب) تتمثّل بمحاولة الحصول على أفضل الممكن في ظروفٍ بالغة السوء، أو، أقلّه، إلى شراء الوقت بانتظار تطورات تفتح احتمالات جديدة، وتقلّص من حدّة الضغوط الخارجية وانعكاساتها على الأزمات اللبنانية المتراصفة. في المقابل، ستضغط “إسرائيل” ومن خلفها إدارة ترامب من أجل تظهير مسارٍ سياسي يتجاوز التفاوض التقني غير المباشر، بشكلٍ يتساوق، ولو جزئياً، مع ما حصدته موجة التطبيع القائمة في المنطقة.

المزيد من هذا المؤلف

بقعة دمٍ في رؤوسنا

 
×