يمكن القول إن ما حصل في السودان خلال الأشهر الماضية، إن قُدّر له أن يكتمل على نحوٍ يسمح بانعكاس الخطاب “الثوري” ـ ولو جزئيًا ـ في أجهزة الدولة، هو تجاوزٌ لـ”الربيع العربي”، بالمعنى التاريخي للكلمة. فقد حقّقت “قوى الحرّيّة والتّغيير” قسطًا مهمًا من مطالب “الربيع العربي”، الحقوقيّة والسياسيّة، من دون الانزلاق إلى وهم الفوز بـ”الضربة القاضية” في مواجهة الدولة العميقة وأذرعها، ولا الارتهان إلى دول جوار أقصى ما ترغب به هو احتواء هذا “الربيع” ببراميل نفطها.

لكنّ دخول “قوى الحرّيّة والتّغيير” إلى مؤسسات الدولة يعني أنها ستتنازل عن الكثير من رومانسيّتها. فـ”نصف الثورة”، وهو أفضل الممكن في الظرف السوداني الراهن وفي ظلّ الاختلال في الموازين (العسكريّة والاقتصاديّة) بين الجيش والميليشيات الرديفة وداعميها الإقليميين من جهة وقوى الحراك المدني من جهة أخرى، لن يُحدث انقلابًا تامًا في سياسات الخرطوم، خصوصًا الخارجية منها، أقلّه في المستقبل القريب.

إنّ أيّ تقدير لطبيعة السياسة الخارجية للسودان، بعد توقيع الاتفاق بين المجلس العسكري و”قوى الحرية والتغيير”، يُفترض ألا يستثني مجموعة من المعطيات، بعضها ذو دلالات أو نتائج متناقضة، من بينها؛ (١) أن المجلس العسكري ما زال غالبًا في تركيبة الحكم الحالية، (٢) أن “قوى الحرّيّة والتغيير” ليست متجانسة من حيث الجذريّة والخلفيّة العقائدية والتطلّعات السياسية، (٣) أن الأقاليم الطَرَفيّة في السودان (دارفور وكردوفان والنيل الأزرق) تعاني من مشاكل سياسيّة وأمنيّة وإنسانيّة يصعُبُ حلّها في المدى المنظور، وتتيح للخارج (أميركا على وجه الخصوص) أن يضغط عبرها على أي سلطة مركزيّة، (٤) أن السودان يواجه أزمة اقتصادية حادّة تقلّص من إمكانيّة اعتماده سياسة خارجيّة مستقلّة، (٥) أن رفع العقوبات عن الخرطوم يستوجبُ نيلَ رضى واشنطن، (٦) أن روسيا هي مُصدّر السلاح والشريك العسكري الأوّل للسودان، و(٧) أن الصين هي الشريك التجاري الأوّل للسودان (تليها الإمارات ثم السعوديّة).

ستكون السياسة الخارجية للخرطوم عبارة عن محصّلة للتوازنات المعقّدة الناجمة عن شبكة العلاقات والمصالح المذكورة أعلاه (وغيرها). سيحكمها الضغط المتولّد عن ديون الخرطوم التي تجاوزت ٥١ مليار دولار، أكثر من ثلثيها فوائد متراكمة بسبب العجز عن الوفاء، وعن امتلاك واشنطن مفتاح دمج السودان في منظومة العلاقات الدولية بعد سنوات من الإقصاء. وهي، في المقابل، ستتأثّر بعلاقات موسكو الوطيدة بالمجلس العسكري (وقّعت موسكو والخرطوم مطلع هذا العام، أي قبل سقوط البشير، مسوّدة اتفاقيّة تمهّد لبناء قاعدة بحريّة على البحر الأحمر، ثمّ وقّعتا اتفاقية تعاون عسكري في أيار/مايو الماضي، أي بعد سقوط البشير)، وبقدرة بكّين على تخفيف العبء الاقتصادي عن كاهل “النظام” الجديد (قرّرت بكّين إعفاء الخرطوم من قروض حكومية قدرها ١٠ مليار دولار في “مؤتمر التعاون الصيني الإفريقي” قبل أقل من عام).

يمكن القول إن التحوّل الذي شهده السودان لجهة إعادة تشكيل بُنى السلطة، ولو بشكل محدود، هو اختراق “ثوري” مهمّ بحدّ ذاته، أقلّه على المستوى الداخلي. غير أن الاختراق هذا جزء من مسار قد يتمّ احتواؤه بما يخدم بعض المستفيدين من السياسات التي خطّها الرئيس السابق عمر البشير أو التي نجمت عن خياراته، تحديدًا في المنطقة العربية. لا يمنع هذا إمكانيّة توسيع الاختراق وإحداث تحوّل في العلاقات مع الخارج، خصوصًا إن برزت ظروف إقليمية ودوليّة تسمح بإحداث قدرٍ من التوازن في العلاقات، ومال ميزان القوى الداخلي تأثرًا بهذه الظروف. من بين ذلك، على سبيل المثال، أن يخرج السودان من حرب اليمن التي لا ناقة له فيها ولا جمل، ولا مصلحة له فيها سوى باستجلاب المساعدات أو درء الابتزاز المالي من الرياض وأبو ظبي (وقد كانت المشاركة في حرب اليمن محلّ احتجاج عدد من قوى المعارضة حتى قبل انطلاق الحراك الداعي إلى تنحي البشير). إلى حين يبرز ذلك الاحتمال، يُنتظر أن تُدجَّن قوىً ظهرت بثوب “ثوري” خالص، وأن تحافظ أخرى على خياراتها الجذريّة، فتلعب في الهوامش المتاحة قدر ما تسمح به الظروف، تمامًا كما أتقنت اللعب أثناء منازلتها عمر البشير، ثم الرئيس المؤقت الذي تلاه، ثم المجلس العسكري الذي خَلَفَه وبات يتشارك السلطة وإياها، متنازلًا عمّا ظنّه في جيبه الأصغر قبل أشهر.

 
×