“أنا لستُ سياسياً نمطياً ولهذا انتُخِبت”

الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال المناظرة الرئاسية الأخيرة (22 تشرين الأول/أكتوبر 2020).

 

لِمَ يترقب كثرٌ في الدول العربية سقوطَ ترامب؟ وما هي مشكلتهم معه حقاً؟ نعم، يمكن للمرء أن يعدّد الكثير من الجوانب الإشكالية في شخصية الرجل وأدائه، ولكن هل يختلف ترامب، عموماً، في تعامله مع شؤون المنطقة العربية عن غيره من الرؤساء الأميركيين؟

في الواقع، لا شيء يؤشّر إلى قصر الذاكرة السياسية العربية أكثر من الانتخابات الأميركية. كلّ أربع سنواتٍ، نرى الإعلام العربي – ومن خلفه الأنظمة والحكومات المالكة أو الممولة – يتابع بشغفٍ مجريات الانتخابات ويحللها، وينتظر نتائجها بحرارة، وهي التي لا تتأخر عن الوصول إلينا في العادة على متن حاملات طائرات أو عبر طائرات “الدرون”. سوى أن نتيجة هذه الانتخابات بالذات مهمة للأميركيين خصوصاً ولكتلة “الناتو” عموماً من أجل إعادة الثقة بالنظام العالمي البادئ بالتصدع. ومع ذلك لا تزال حماسة الكثير من العرب، في الإعلام وعلى “السوشال ميديا”، متّقدة من أجل “إخراج المجنون من البيت الأبيض”، في تبنٍ كاملٍ – إن لم يكن تقمصاً – لمقولاتٍ شاعت كثيراً في الدوائر الأميركية ترى في ترامب تدنيساً “لطهر البيت الأبيض”.

وما نراه نحن – كمراقبين خارجيين نعرف الأهوال التي يفرزها “البيت الأبيض” – من سخفٍ في مبدأ التدنيس هذا، يشكّل على العكس واحداً من الأعمدة التي تقوم عليها الولايات المتحدة كأمّة. هذه بلادٌ قامت تاريخياً من دون “شعب”، بل هي بالأحرى سُرقت من شعبها الأصلي وقُسِّمت بين مستثمرين أوروبيين أثرياء ومغامرين ومهاجرين بيض باحثين عن فرصة. ثم استمرت بالنمو عبر قضم الأراضي من الدول المجاورة ومن السكان الأصليين، وبفضل موجاتٍ هائلةٍ من الهجرة من حول العالم أنتجت عنفاً متوارثاً، وتنميةً غير متوازنة، وأحياء “غيتو” مغلقةٍ على نفسها، وتمييزاً عرقياً يغلّفها جميعها اتحادٌ فيدرالي شهد حرباً أهلية ما تزال آثارها محسوسة حتى اليوم.

أمام كلّ هذا، كان لا بدّ من ابتكار مجموعة رموزٍ توحّد السكان في “بوتقة صهرٍ” تنتج شعباً واحداً بوجوهٍ عدة. ولهذا نرى اليوم في الولايات المتحدة تقديساً وانتشاراً للراية “المرصعة بالنجوم”، قد لا نراه في بلادٍ أخرى أكثر استقراراً بنيوياً. وكذلك الأمر مع النشيد الوطني الذي تجري تأديته بأسلوبٍ أشبه بصلاةٍ جماعيةٍ توحّد الأميركيين خلال الفعاليات والمناسبات الشعبية، حتى ينشدوا لـ”أرض الأحرار ووطن الشجعان”، ولذلك كان رفض لاعب كرة القدم الأميركية كولين كيبرنيك الوقوف أثناء النشيد وركوعه على ركبةٍ واحدةٍ حركةً في غاية الرمزيّة، ولذلك أيضاً كانت الغضبة عليه عظيمة. أما تلاميذ المدراس فعليهم، من دون نقاش، ترداد “عهد الولاء” كل صباح “لعلم الولايات المتحدة وللجمهورية التي يمثلها، الأمة الواحدة المحمية بالله…”. والمؤسسة العسكرية بالطبع ثالث هذه الأعمدة، ويجري تصميم السياسات الإعلامية بحرصٍ على الدوام كي لا يشكّك أحد بدورها، بعدما تعلّمت المؤسسة الحاكمة من كارثة التظاهرات المناهضة لحرب فييتنام. ثم يأتي دور “البيت الأبيض” وساكنه الذي يُتوقّع من منه أن يقدّم ما يجعل الشعب الأميركي شبه مجمع على حبّه وصدقه وتفانيه في خدمة الأميركيين وغيريّته في سبيل خيرهم.

هنا كمنت مشكلة ترامب الحقيقية مع شرائح كبيرة من الشعب. لقد تأكّد كذبه في أكثر من حادثة، وهذه خطيئة لا يغفرها المجتمع الأميركي التقليدي. فعلى سبيل المثال، كانت أزمة ريتشارد نيكسون مع الأميركيين ثبوت كذبه بعدما أكّد لهم في لقاءٍ متلفزٍ أنه ليس “محتالاً”. كما أن بعض الأميركيين لم يروا خطأً في علاقة بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي بحدّ ذاتها، ولكنهم استفظعوا كذبه وإنكاره لها. وترامب القادم من عالم “البيزنس” أظهر على الدوام توقاً لمجدٍ شخصي ومنفعةٍ خاصة. هذا بالإضافة إلى ما يظهر من احتقار للنساء والمهاجرين من غير البيض. تُناقض كل هذه صورة/وهم الموظف الأمين على البلاد التي يرسمها السياسيون الأميركيون لأنفسهم، والتي تعمل “الاستابلشمنت” الأميركية على تعزيزها على الدوام.

يجهد بايدن لإشاعة الطمأنينة في الطبقة المتوسطة عبر وعده برفع الحدّ الأدنى للأجور، في وقتٍ تشير فيه تقارير إلى مراكمة كبار الأثرياء في أميركا أرباحاً تقارب 1 تريليون دولار خلال زمن الجائحة

هكذا ترتسم خريطة أرض المعركة أمام جو بايدن بسهولة. هو السياسي المحنّك – بعامل الزمن لا بالكفاءة شرطاً – وابن “الاستابلشمنت” وأجهزتها التشريعية، الفاتر بأدائه، العاديّ في برنامجه الانتخابي، والذي لا يملك تكتيكاً واضحاً لجذب الناخبين الساخطين بسبب هزّ أمانهم سوى إبراز التباين: هو ليس ترامب. هو ابن العائلة المكافحة وبلدة سكرانتون العمّالية في بنسلفانيا. وهو الذي نشأ في ولاية ديلاور الصغيرة حيث عمل الأب في بيع السيارات المستعملة. وهو ربّ العائلة الذي تزوج مرة ثانية فقط بسبب وفاة زوجته الأولى مع ابنته في حادث سيارة. وهو الذي خدم الشعب الأميركي منذ سبعينيات القرن الماضي منتقلاً من مكتب المحاماة والتمثيل في المجالس المحلية إلى مجلس الشيوخ. وهو نائب باراك أوباما، الرئيس الحبّوب الذي يمازح الأطفال فيما طائراته، في إطار حربها على “القاعدة”، تسقط قنابلها خطأ فوق أطفالٍ آخرين أقل حظاً.

وعلى الرغم من ازدحام الإعلام و”السوشال ميديا” بالدعوات الحماسية للتصويت من أجل إحقاق الحق، والتي توحي بأن بايدن سيأتي بتغييراتٍ جذريةٍ تطال قطاعات المجتمع كافة، إلا أن النقاش حقيقةً يدور حول جزئيات. ففي مجال الصحة مثلاً، وهو أكثر ما يشغل الأميركيين في ظل جائحة كوفيد-19، لا ينادي بايدن بتغطيةٍ صحيةٍ شاملة تلتزم بتأمينها الدولة لقاطنيها كلهم، كما فعل بيرني ساندرز، بل يطرح إعادة تفعيل قانون الرعاية الصحية المتاحة، المعروف بتسمية “أوباما كير”، الذي يضمن استمرار شركات التأمين الخاصة متابعة احتكارها سوق الرعاية الصحية، ولكن بشروطٍ أفضل بعض الشيء. كما أنه لا يملك خطة لكسر احتكار شركات الأدوية العملاقة وتخفيض أسعار الدواء الخيالية في الولايات المتحدة. ولكن بالتأكيد يمكنه الظهور دائماً بكمامةٍ على وجهه، والنيل من سجلّ ترامب المخزي في التعامل مع كارثة فيروس “كورونا” التي أودت بحياة أكثر من 225 ألف شخص حتى الآن.

وفي الملف الاقتصادي، يجهد بايدن لإشاعة الطمأنينة في الطبقة المتوسطة عبر وعده برفع حدّ الأجر الأدنى الفيدرالي من 7.25 إلى 15 دولار أميركي في الساعة، في وقتٍ تشير فيه تقارير إلى مراكمة كبار الأثرياء في أميركا أرباحاً تقارب 1 تريليون دولار أميركي خلال زمن الجائحة. إلا أن بايدن يستمر في التقرب من الطبقة المتوسطة عبر خطته الضريبية. وهو يعد بعدم فرض أي زياداتٍ ضريبية جديدة على من يحقق دخلاً لا يزيد عن 400 ألف دولار أميركي في السنة، بالإضافة إلى إعفاءات ضريبية تطال شرائح أخرى في مقابل وعده برفع الضرائب على الشركات والأثرياء، مما يجعلهم يدفعون “حصتهم العادلة” بحسب تعبير حملته الانتخابية.

قد تثمر هذه التكتيكات في جذب الناخبين، سوى أن العامل الأكبر الذي يزيد من فرص بايدن في الفوز بالانتخاب الأسبوع القادم، يتمثل في تحوّله إلى رمز أملٍ ببلادٍ، “إن” وُجد فيها تمييزٌ عرقي أو جندري أو طبقي، فهي تسعى جاهدة للتخلص منه. لم يقبل معارضو ترامب حتى الساعة احتمال انتخابه رئيساً من دون تدخلاتٍ خارجية. ولا تقبل نسبةٌ كبيرة من الشعب الأميركي حقيقة أن ترامب يمثّل نسبةً أخرى لا بأس بها تعيش بينهم، وتحتقر “الآخر” من نساءٍ ومهاجرين وفقراء وضعفاء. حالة الإنكار هذه لن يحلّها وجود رئيسٍ تقليديٍ مُطمئِنٍ يعرف تماماً، وفي الأحيان كافة، أي كلمةٍ تُقال ومتى تُقال.

المزيد من هذا المؤلف

التطبيع: غلبة الزمن

كعكة شرقي المتوسط

 
×