كلّنا يعرف رجالاً يواجهون مطالب النساء عموماً، والنسويات خصوصاً، بنكتةٍ سمجة: “صار بدنا حقوق للرجال”، حتى إن أحدهم تمادى يوماً وقال في معرض نقاش؛ “صار لازمنا لجان ذكورية”. وفي الواقع – ولست أدافع عن هدر حقوق الرجال هنا – تبدو مسألة الجندر، في عمقها، على درجة من التعقيد تقتضي أولاً تغيير العدسة التي ننظر من خلالها. عندها قد نتمكن من تحليل القضايا ورؤيتها من باب الأنماط الاجتماعية وأثرها على موقفٍ محدد يعايشه شخص ما، أو على حياةٍ كاملة يعاني من أيامها. وتكمن الصعوبة في الثبات خلف هذه العدسة عندما تتعلق المسألة بتحليل قضيةٍ تتصل برجل يتمتّع بامتيازاتٍ اجتماعية، لا بل بكافتها. فكيف يكون الحال لو كانت القصة أشبه ما يكون بصراع الجبابرة؟ 

قبل أيام، نشر مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية اللبنانية والمحامي الحالي، بيتر جرمانوس، تغريدةً قال فيها: “منذ سنواتٍ والمدعو مارسيل غانم يتناولني بالشخصي. حاولت مراراً تناسيه علّه يعود إلى رشده. اليوم أراني مجبراً على أن أصارح الرأي العام بالحقيقة: منذ نحو عشرين عاماً تحشرّ بي الأستاذ غانم فردعته كما يفعل أهل العاقورة قي هكذا ظرف، ومنذ ذلك الحين وغضبه لا ينطفئ”. سرعان ما قام جرمانوس بحذف التغريدة، “نزولاً عند تمني نقيب المحامين ملحم خلف” بحسب تغريدةٍ لاحقة ظهرت على حسابه على موقع “تويتر”

لم يكن ليخفى على جرمانوس للحظة أنه لا يحتاج لإبقاء التغريدة على صفحته أكثر من دقائق قليلة، حتى لا يعود حذفها ذا أهمية أصلاًَ. كانت التغريدة قد انتشرت بالفعل، محفّزة نقاشاً وآراء تتراوح ما بين إبداع الفكاهة “الهوموفوبّية”، مروراً بالمطاوعين الأخلاقيين، وخبراء “إتيكيت” نشر التغريدات، وصولاً إلى مواقف حقوقيين وناشطين وقعت في مأزق الازدواجية. 

لا تُعنى هذه المقالة برذائل المصابين بالهوموفوبيا، ولا بشرطة “النموذج الاجتماعي” المطالبين بحذف التغريدة حفظاً لماء الوجه. ما تُعنى به هي الحجج والأسئلة التي باتت بصورةٍ مفاجأة مقبولةً ومباحةً تعليقاً على ادعاء جرمانوس تحرّش غانم به. الأمثلة متعددة، كأن يُشكَّك بصحة الاتهام انطلاقاً من سكوت جرمانوس عن القضية مدة عشرين عام، أو أن يؤخذ عليه الإعلان عن ميول غانم الجنسية فيما الأخير لم يسبق له أن أفصح عنها، وذلك إنطلاقاً من كون إعلان الميل الجنسي لشخصٍ بخلاف إرادته يشكّل بذاته خطراً عليه، وهناك التركيز أيضاً على صفته كقاضٍ، وكأن المسألة تصبح أكثر سهولة في هذه الحالة، وثمة أخيراً  إهمال مسألة بارزة وهي تأخّر السلطة وترددها بإصدار قانون يجرّم التحرّش. 

إذاً، أخذ البعض على جرمانوس، أنه يدّعي تحرش غانم به فقط بهدف ابتزازه من خلال الإيحاء بكون ميوله الجنسية مثليّة. تستند هذه الحجة إلى مبدأ عدم جواز الإفصاح عن ميول الغير الجنسية ما دام لم يعلنها بنفسه، وذلك احتراماً لخصوصيته وحمايةً له من المخاطر التي قد يتعرض لها. لا يمكن بالطبع التشكيك بأهمية هذا المبدأ، ولكن في حال تطبيقه على حالات التحرّش، فإنه قد يعني مطالبة ضحايا التحرّش بالصمت حمايةً لخصوصية المتحرّش. الفخ الفعلي الذي وقع فيه أصحاب هذه الحجة، هو تسليمهم بكون جرمانوس يدّعي تعرّضه للتحرش كذباً، بهدف ابتزاز غانم بميوله الجنسية. هل هذه الحجة غريبة عن مسامعنا؟ طبعاً لا، إذ إن حجة الابتزاز هي الأبرز بين حجج منع تجريم التحرّش. يحضرني هنا مناقشة اقتراح قانون “تجريم التحرّش الجنسي والاساءة العنصرية” في مجلس النواب في كانون الثاني 2017  عندما علّق النائب سيرج طور سركيسيان على الاقتراح: “ماذا لو أن موظفةً ما أرادت الإنتقام من مديرها فذهبت واشتكت عليه بتهمة التحرش؟”

يترافق اللوم على التأخر بالإفصاح، مع تشديدٍ على صفة جرمانوس كقاضٍ، وبالطبع لن يجرؤ أفراد الضابطة العدلية على التعامل مع قاضٍ كما يتعاملون مع مواطن بلا منصب

يُفهم التحرّش بصورة خاصة من باب ديناميكيات السلطة/القوة (power dynamics) بين طرفين، وهو في حالة جرمانوس وغانم اليوم صراع أقوياء لا شك، ولكن هل يسري هذا الوصف على الحالة قبل عشرين عاماً؟ بحسب مراجعة نشرتها مجلّة محكّمة، صدر مرسوم تعيين جرمانوس كقاضٍ أصيل في عام 1997، ولكنّه لم يتولّ منصب قاضٍ منفرد جزائي حتى عام 2002. والحال أن جرمانوس، قبل عشرين عاماً، كان خريجاً حديثاً من معهد الدروس القضائية، ولم يتولّ موقعه الفعلي بعد. لنتخيّل اذاً لو وقف مشروع القاضي أمام باب المخفر أو مكتب النائب العام، ثم دخل وأخبره بأنه “ضحية لمحاولة تحرّش”، وأنه يريد الادعاء بجرمٍ غير موجود. هل كان ليسلَم هو وإمكانيةُ وصوله الى سدّة القضاء؟ وأيّ سياساتٍ هذه التي كانت ستحميه؟ لا يمكن لوم جرمانوس حقيقة بسبب تأخره بالإفصاح، كما لا يمكن على حد سواء اعتبار أن موقعه الحالي يبرّر لنا الخروج عن مبدأ الامتناع عن سؤال الضحيّة حيال التأخر في الإفصاح. 

أستذكر في هذه اللحظة قصةً أنقل تفاصيلها عن صديقة. اعتصمت فتاة تتصرف بطريقة مهووسة تجاه أحد الشبان أمام باب بيته. كانت سلوكيات الفتاة خطيرة، حيث يحتمل أن تحاول إيذاء نفسها أو الآخرين. تخوّف الشاب من أن يبادر إلى فتح الباب ومحاولة اقناعها بالرحيل، أو السماح لها بالدخول، فتصل الأمور إلى مكانٍ لا تحمد عقباه. وبعد مرور ساعة أو أكثر على مكوثها أمام منزله، قرر أن يتصل بالدرك طالباً المساعدة. لم يحظَ صديقنا يومها إلّا بردّ فعل ساخر يعايره بكونه “خائفاً من فتاة”، وبأن عليه أن يتصرّف كرجل بدلاً من طلب المساعدة. وبعد أخذٍ ورد، حاول خلالها الشاب التمسك بطلبه، ذهب الى محاولة إحراج العنصر متلقي الاتصال سائلاً بصيغة استنكارية: “كيف أتصرف؟ أضربها يعني؟ ماذا أفعل؟”، فجاءه الجواب بالتأكيد. هل يُسمح للرجال أن يمتنعوا عن ممارسة رجولتهم في مجتمعنا، وأن يتركوا القالب العنفي لفكرة الرجولة ويرفضوا ضرب بعضهم البعض أو ضرب فتاة، وأن يفضّلوا اللجوء إلى “رجال” الشرطة وإلى القانون بدل ذلك؟ لنفترض أنهم كانوا شجعان بما يكفي لينالوا شرف محاولة كهذه، هل تتساوى الآثار الإجتماعية لاهتزاز رجولة الأشخاص العامّين المعروفين، بالآثار التي تصيب حياة غيرهم؟

يترافق اللوم على التأخر بالإفصاح، مع تشديدٍ على صفة جرمانوس كقاضٍ. وبالطبع لن يجرؤ أفراد الضابطة العدلية على التعامل مع قاضٍ كما يتعاملون مع مواطن بلا منصب. ولكن يبقى السؤال معلّقاً حيال ما سيطالب القاضي به في مسألةٍ لا يجرمها القانون أصلاً، حتى لو كانت تعد جريمة من منظارٍ حقوقي بحت. ما زالت النساء حتى اليوم غير قادرات على نيل الحماية من شخص يتحرّش بهن، ولا تعتبر المرأة ضحيةً لأي جرمٍ ما لم يصل حد الاغتصاب الجنسي، مع ما يرافقه من شروطٍ تفصيلية قبيحة.

ولهذا من الصعب بحث مسألة عدم محاسبة غانم قانونياً – ولو على نحو افتراضي – قبل عشرين عاماً في جرم لم يعترف به القانون حتى اليوم. وتقف حالات الهرج والمرج والسخرية التي سادت قاعة مجلس النواب يوم مناقشة اقتراح قانون تجريم التحرش السابق الذكر دليلاً على الحالة التي نعيشها اليوم، فيما انتهت الجلسة يومها بعدم إقرار القانون. وحتى القاضي جرمانوس نفسه يتردد بإعطاء ما جرى اسماً يبرزه في بعدٍ جرمي، ويكتفي بتعبير ملطف: “تحشّر”. والسؤال هنا، هل ضاعت البوصلة بهذه البساطة؟ هل بات المطلب منسياً، أم تمّ التخلي عنه من خلال افتراض أن المنظومة كانت ستحاكم غانم على فعله، لو تصرّف القاضي جرمانوس من باب القضاء؟ ولو لم يكن هذا المقصود، فما المعنى من التركيز على صفته كقاض؟ هل ينطوي الأمر على تماهٍ مع اعتيادية الإسراف باستخدام السلطة، والقبول بكون القاضي قادراً على تجريم غير المجرّم، فقط لأنه قاض؟

في الواقع، لا أهمية لما يتعرّض له جرمانوس شخصياً اليوم ولا غانم. فمسألة جرمانوس تتقاطع مع اتهامات غانم له بأنه أيضاً علم بأطنان الأمونيوم التي فجّرت المدينة. المسألة حالياً هي صراع جبابرة. ربما تقوم على فضح حقائق وربما تقوم على اختلاق فضائح. ومعرفة أي فرضية هي الأصح لا تكون بتدخّل نقيب المحامين لمطالبة جرمانوس بحذف تغريدته طبعاً، إنما من خلال دولة القانون فقط، حيث تحلّ اتهامات كهذه أمام المحاكم، ومن خلال دولة الحقوق، حيث يكون الجرم مجرّماً. وما دمنا نبعد عن الدولتين مساراً طويلاً وشائكاً، فإن معرفة الحقيقة تبقى على المسافة نفسها. وما دام الحال كذلك، فالأجدى بالطامحين إلى التغيير التفكير من باب حماية الضحايا الذين تبدو لهم النجاة صعبة. نعم، ربما كان جرمانوس يختلق الأمر! ولكن إن تجرأ على فعل كهذا، هل سيهتز لتكذيبه؟ إن الذي اهتز فعلاً من تكذيبه هم ضحايا التحرش ممن لا يعتلون المناصب. لنتخيل امرأةً تتابع الهجوم على شخص مثل جرمانوس عند ادعائه بأنه تعرّض لتحرّش، لنتخيل مراهقاً يقرأ ما يُكتب من تكذيب شخصيةٍ بهذه القوة وما يُنشر في سياق التشكيك به والدعوة إلى المحاسبة على بوحه، لنتخيل انقطاع أمل هؤلاء بتصديقهم أو سماعهم أو حمايتهم من موقعهم الضعيف. لنتخيلهم يفكرون بمدى سهولة تكذيب ادعاء تحرّش. نعم، ربما حاول جرمانوس ابتزازنا جميعاً بادعائه، وربما أفشلنا نحن هذه المحاولة، ولكننا وقعنا جميعاً في الفخ، وأعطينا منظومته أكثر مما تستحق لجهة معاداة قضيتنا. 

المزيد من هذا المؤلف

ذاكرة من ميلانين

 
×