“أجّلوا زيجاتكم، فاللبنانيّات قادمات.”

هذه كانت خلاصة مجموعةٍ من المنشورات المتشابهة التي ظهرت على “السوشال ميديا” منذ أول أيام الانتفاضة اللبنانية في عددٍ من البلدان العربية المحيطة بلبنان والقريبة منه. حاولت تلك المنشورات ادّعاء شكل نكتةٍ “مهضومةٍ” وخفيفةٍ، ولكنها كانت، في حقيقتها، منشوراتٍ طافحة بالذكورية والشوفينية المناطقية، وتسخر بمنتهى القسوة من مأساة ملايين النازحين.

في العموم، لا تخرج تلك التوصية عن محدودية النظرة العربية، من الخليج إلى المحيط، حيال لبنان ونسائه، وهي التي لا ترى فيه سوى كازينو كبير، ولا ترى فيهن سوى سلعاً. ولكن لا تأتي هذه النظرة في الواقع من كون المرأة اللبنانية أكثر تحرراً بحسب المفهوم المشرقيّ الكسيح للتحرر، الذي ينحصر في شكلٍ من اللباس والمظهر والتصرف الاجتماعي. بل لأن المرأة اللبنانية هي من أقوى المناضلات في المنطقة، وأشجعهنّ في المطالبة بحقوقها وتفرّدها وخلق استقلاليتها. تُخيف المرأة في لبنان الرّجل، وتتحدّى جثومه فوق روحها. ولهذا كان على الثقافة الذكورية الرأسمالية، اللبنانية والعربية، قصقصة أجنحة النساء في كل مناسبةٍ وتحويل حياتهن إلى جحيم. كيف؟ بكل بساطة وبراءة: عبر دعم المرأة.

إنّما ذلك الدعم للمرأة لا يأتي على شكل تشجيعٍ لمواهبها واستقلاليتها والاعتراف بكينونتها، بل هو فقط إبرازٌ لجمالها وأناقتها وخفة دمها. وعلى الرغم من أن ما سبق رائعٌ ولا يشين المرأة، إلا أنه يُساق على الدوام، بمعزل عن كل ما يجعل من المرأة إنساناً كاملاً وليس تحفةً جميلةً فقط. في “لبنان البيزنس والسياحة”، الرجل هو القوي والفهلوي والحمش، والمرأة هي الجميلة والغنّوجة والهشّة. هكذا يستوي المجتمع، وهكذا يديره سدنة الهيكل، وهكذا يحكمه الزعماء.

ولكنّ المرأة اللبنانية لا تلين. هي تُقاتل وتَكسر، لكن تَنكسر. تتسلّل دائماً في الفراغات الصغروية بين الميادين التي تحتلّها الطوائف وكهنوتها، وتحاول خلق مساحتها وانتزاع حقوقها. وما يجري اليوم في ساحات لبنان وشوارعه يعيد رسم خريطة المجتمع اللبناني وحدودها قبل أن يغيّر في خريطته السياسة المترهلة. هنالك شعبٌ جرى بذل كل شيء من أجل تطويعه وقهره، ولكنه أثبت اليوم أنه ما يزال يعصى عن إرادة السائس.

الكلّ مارس أنانيته تجاه لبنان. بينما كانت الدول العربية تنتعش ويزدهر اقتصادها، كان الجميع ينسى شعب لبنان وما يعانيه، ولا يرى في لبنان سوى سوقاً للبشر والمنتجات على حدٍ سواء. وعندما اهتزّ الاقتصاد الإقليمي، قرر الجميع التقشّف وهجر ذلك السوق. وعندما انتشرت الأزمات والثورات، لم ير الناس في لبنان سوى ملجأً للنازحين والمنفيين المعارضين ومعبراً لرؤوس الأموال والصفقات والسلاح. يتراكم فيه العجز والفساد وتسوده الطائفية والزبائنية، فما من أحدٍ يرى أو ينتبه أو يستنكر. أما عندما انتفض لبنان، فلم يرَ جيرانه في انتفاضته سوى مادةً للسخرية والتندر. “أيّ انتفاضةٍ هذه التي لا سلاح فيها ولا عنف، ويشيع فيها الغناء والرقص، وتقودها الفتيات الجميلات!”

هذا ما يراه طواويس المشرق في الحراك اللبناني. يرون الفتاة التي قد ترى في أغنيةٍ أو في رقصةٍ طريقةً للتعبير عن رأيها، ولا يرون الأم التي تصرخ وقد حرمتها المحاكم الروحية من أولادها. شوارع لبنان ترى الاثنتين، وساحاته تنفتح أمامهما وأمام الكل. انتفاضة لبنان خرج فيها أناسٌ يريدون تجاوز الثقافة والدين ومحرماتهما، كي يسترجعوا منهما كرامة الإنسان. لا تقف النساء في شوارع لبنان خلف الرجال حماة العرض والشرف، أو تخرج في مظاهراتٍ نسائيةٍ منفصلة، أو تتحول إلى حرائر وجوارٍ. انتفاضة لبنان ليست كباقي ثورات “الربيع العربي” الكالح الذي تحول إلى صراعات سلطةٍ وحروبٍ ذكوريةٍ كانت المرأة فيها شيئاً ملحقاً بالرجل. المرأة في لبنان هي انتفاضته الحقيقيّة. هي التي تكشف هلعنا وتعصّبنا وعمينا.

 
×