في عالمٍ تغلّفه اضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية وتنافس تجاري، تسعى الدول، شأنها شأن الشركات الكبرى، إلى خلق وسمٍ يوّحد مواطنيها ويميّزها في السوق العالمي. وكلّما كان الوسم أكثر إبداعًا وصلابة، استطاع أن يجلب للدولة عناصر القوة الناعمة، من هويةٍ وطنيةٍ متجذرة، وإدارة موارد ناجحة في الداخل، واستثماراتٍ غنية وتجارةٍ بينية وسياحةٍ نشطة مع الخارج. وبرغم حداثة مبدأ توسيم الدول (Nation Branding) نسبياً، إذ إنه ظهر في نهاية القرن العشرين، إلا أنه يعدّ اليوم واحداً من أهم عوامل تقييم البلدان ونموها. ينطلق مفهوم التوسيم من حقل العلاقات العامة، ويربط بين مفاهيم إدارة الدولة وإدارة الشركات وفنونهما بشكل عملي وعصري. تعمل هذه الوسوم على منح بلادها طابعاً خاصاً، وتخلق لدى الناس صورة ذهنية تتراءى في مخيلتهم مباشرةً عند ذكر اسم دولةٍ ما. هكذا، يتحول “برج إيفيل” مثلاً إلى صورة أيقونية تشير إلى باريس وفرنسا الذي يجلب اسمها إلى الذهن أيضاً صور العلمانية والحريات والثورات الاجتماعية والثقافية المتعددة. أما اليابان، فلها سمعتها المتعلقة بالعمل الحثيث والنشاط والابتكار والدقة في المواعيد. ولكن لطالما كانت اليابان في المخيلة العامة أشبه بالبلاد المغلقة بسبب خصوصية ثقافتها وأنظمتها وشعبها. لهذا عملت الحكومة اليابانية في العقود الماضية إلى صقل صورة اليابان وتصدير خبراتها إلى البلدان النامية وإقامة النشاطات والأسابيع الثقافية حول العالم. كما صاغت هيئة السياحة فيها صورة متكاملة لبلادٍ لا نهاية لحدود الاستكشاف والروعة فيها.

توجد اليوم مؤشرات عالمية تقيس قوة الوسوم الوطنية وقابليتها للمنافسة والنمو. ويقع مِثالا فرنسا واليابان السابقين من ضمن وسوم البلاد العشر الأقوى في العالم. وكما في العلامات التجارية، تدخل الولايات المتحدة وألمانيا والصين واليابان حلبة الصراع على تبوّؤ مركز الوسم الأقوى في العالم، وتليهم المملكة المتحدة وكندا وإيطاليا وسويسرا والهند وكوريا الجنوبية. من الملاحظ هنا أن القوة الاقتصادية لبلدٍ ما ليست هي العامل الوحيد لقوة وسمه، بل إن الرّفاه الاجتماعي والتعددية الثقافية تعدّ من أبرز نقاط تميّز وسمٍ ما أيضاً. وتلعب التعددية الثقافية والتاريخية للبلد دوراً هاماً في ابتكار الوسوم البصرية (logos and symbols) واللغوية (mottos and slogans) التي تساهم في صقل هوية البلد في اللاوعي.

لا يمكن بالطبع لبلدٍ مثل سوريا التي تنهكها الحرب والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستمرة منذ ثماني سنوات أن تنال مكاناً في مؤشرات كهذه اليوم. ولكن هذا لا يعني أن الأداء السوري تجاه صنع صورة جذابة وهوية متميزة للبلاد كان ناجحاً ما قبل عام 2011. تنطلق جميع أشكال خطاب الهوية الوطنية السورية ومروياته من المقولة العريضة التي تفترض وحدة الشعب السوري البنيوية والعضوية. لا مجال لأي سرديةٍ أخرى. فلا نسخاً متمايزة أو متباينة للوحدة الوطنية في سوريا. قوة المجتمع السوري إنما تكمن في تعاليه عن الاختلافات حدّ طمسها. هكذا قال الفكر السياسي-الاجتماعي المهيمن في سوريا لعقودٍ طوال، ممهداً الأرض لأزماتٍ صَامِتة ومُصمَتة. لم يلتفت الخطاب السياسي الرسمي في سوريا إلى ما في البلاد من تعدّدية، إلا عندما استُخدمت هذه التعددية في الخطاب المعادي للطعن في صيغة إدارة الدولة. وهو أيضاً لم يلحظ تاريخ السبعة آلاف عام للحضارات السورية، إلا عند تنديده بـ”الدول الفتية” التي “تحاول النيل من بلادٍ مغرقةٍ في القِدم.”

يكثر مثلاً رفض وسم العروبة مقابل تبني وسم السوري في خلطٍ واضحٍ لمفاهيم الهوية الوطنية والانتماء الإثني والجيني

انعكست تلك الفوضى في الخطاب على شكل فوضىً بين الشباب الباحث عن هوية. ولم تسعفه هنا دولته التي ما تزال بدورها تحاول صقل هويتها بعد سلسلةٍ من الخضّات السياسية. وبرغم التميّز السوري في العديد من المجالات، إلا أن العلاقات العامة ليست بالتأكيد واحدة من هذه المجالات. فعندما أقدمت سوريا على إبراز التعددية فيها، ولو جزئياً، قامت بتبني صورة “الفسيفساء الحضارية”، وأعلنت أنها “مهد الحضارات”. في الواقع، قد تُشكل الفسيفساء لوحةً جميلةً طالما أن الرائي يقف بعيداً عنها. ولكن ما إن يقترب حتى تغيب الصورة وتظهر الفسيفساء على أنها مجرد قطعٍ حجريةٍ متكسرة لا يجمعها سوى الملاط. أما “مهد الحضارات” فقد تحول إلى “لحد للحضارات” مع الإهمال الرسمي والشعبي لتلك الحضارات ولمواقعها الأثرية، ومع تجاهل تركات تلك الحضارات والغرق في مستنقعات الفساد والتطرف والفشل العلمي والإداري. انتقل كل هذا التخبّط إلى رحاب “السوشال ميديا”، فأفرز كماً هائلاً من المعلومات الخاطئة والأخبار الزّائفة. يكثر هنا مثلاً رفض وسم العروبة مقابل تبني وسم السوري في خلطٍ واضحٍ لمفاهيم الهوية الوطنية والانتماء الإثني والجيني، في مجتمعٍ فرضت دولته عليه انتماءً عروبياً كاملاً وادّعت أنها “قلب العروبة النابض” من دون أي اعتبار للتعدديات العرقية والدينية واللغوية التي باستطاعتها أن تصنع هوية سورية غاية في الغنى بتنوعها، بدلاً من الهوية العروبية الجامدة، فيما تبقى العروبة بحد ذاتها نظرية سياسية تعبّد الطريق باتجاه عملٍ عربيٍ مشترك وتعاونٍ في المجالات الاقتصادية.

ليست الدول القوية هي تلك النقيّة عرقياً أو إيديولوجياً، وإلا لكانت ألمانيا الآريّة النازيّة سيدة العالم اليوم. بل على العكس. الدولة القوية هي تلك التي تعرف كيف تحتفي بتنوعها، وهي التي تحتضن الاختلافات والفروقات الفرديّة والمجتمعيّة كي تخلق هوية وطنية جامعة. ولهذا تحوّلت ألمانيا اليوم إلى صاحبة واحد من أقوى التوسيمات الوطنية وهي ترفع شعار “أرض الأفكار”، وتقود الاتحاد الأوروبي الذي أُنشئ تحت شعار “متّحدين في تنوّعنا”. في جنوب أفريقيا أيضاً، وهي التي تعرضت لحروب واستعمار وتوترات أهلية، يُعرّف عن بالبلاد بشعار “أمة قوس القزح” الجميل، الذي صاغه رئيس أساقفة كيب تاون، ديزموند توتو، معبراً فيه عن تنوع ألوان تلك البلاد الغنية واتحادها في ضوءٍ مشرقٍ واحد.

لقد أفرزت الحرب السورية أشنع صور الشعبوية السياسية والتعصّب الديني لدى السوريين. وإذا ما كان هذا مفهوماً كردّة فعلٍ على هزال الهوية السورية وضياعها، وعلى التدخل السلبي لبعض الدول العربية في شؤون البلاد، وكنتيجةٍ للاستقطاب السياسي العنيف والتدهور الاقتصادي الخانق، إلا أن هذا كله لا ينتج سمةً قويةً لسوريا. لا يمكن لهذه الحرب أن تستمر إلى ما لا نهاية، ولكن قد تبقى الأزمات فاعلة إذا ما أُسيئت إدارتها. ما تحتاجه سوريا هو خلق هويةٍ أصيلةٍ تجمع السوريين كلّهم، ومن ثم الخروج إلى العالم بصورةٍ إيجابية تعيدها إلى خانة البلاد الحيّة. هنالك اليوم من يدفع ملايين الدولارات لشركات العلاقات العامة من أجل صياغة صورةٍ مشرقةٍ عن بلاده، وليس محمد بن سلمان حالة فريدة في هذا العالم. تلجأ الكثير من الدول والمدن التي شكلت سابقاً الاتحاد السوفييتي إلى شركات تسويق وتوسيم متخصصة من أجل مساعدتها على خلق هوية تربط الأهالي بأرضهم من جهة، وتغري السائحين بالقدوم من جهة أخرى. فيما تخصص السويد معهداً متكاملاً ينشط على منصات السوشال ميديا ومع الجامعات والهيئات من أجل الترويج للبلاد وتصحيح الأفكار المغلوطة. في كندا، تقيم الحكومة يوماً للاحتفال بالتعددية الثقافية التي تطبع البلاد، ويوماً للاحتفال بالمواطنة التي توحّدها. ربما حان الوقت في سوريا كي يصبح تنوّع الشعب السوري وسماً له وتعدديّة ثقافاته ومعتقداته وانتماءاته مفتاح صوغ الهوية الجامعة. ستكون هذه خطوة على طريق رأب بلادٍ ممزقة، أكثر فاعلية من صفقات السياسة وتشكيلات اللجنة الدستورية.

 
×