في بيروت، غبار الزجاج في كلّ مكان. نعي، فجأة، أنّ هذا الغبار المحشوّ في زوايا الطرقات وحول الجدران، بعد أسابيع من التنظيف والكنس بالمكانس وبدواليب السيارات وأرجل الناس، سيبقى طويلاً هنا. ربما يكون من المستحيل ألّا نشعر بوجوده قريباً، تماماً كما التفجير الذي حصل.

ما خلّفه التفجير أبعد من تدمير مبانٍ تحتاج إلى عمليات تدعيم وترميم، إنّه اهتزاز في بنية هذه الأحياء وتحضير لتغيير ديمغرافي طبقي من جهة، ورمي للسكّان أمام نوّ المجهول ومصادر التمويل العديدة وذاكرة مشروع “سوليدير” وهلع التهجير.

إعادة الإعمار كعمل سياسي

في هذه المدينة، حين نرى منزلاً متهالكاً متصدعاً بلا شبابيك وينهار جزء من جدرانه، نتساءل عن السبب الذي أدّى إلى ذلك: هل هو الحرب الأهلية، أم الاجتياح، أم الحروب التي أتت بعده، أم المعارك الصغيرة التي نشأت بعد 2005، أم تفجير المرفأ، … أم الفقر وحرب سوق العقارات؟

من المهم أن نفهم ما يجري في المناطق المنكوبة اليوم كعمل سياسي- أنتروبولوجي، لا كعمل تقني. بمعنى أنّ عمل المهندسات والمهندسين والمخططين المدنيين، على الرغم من ترميمهم المباني التي تهدّمت وتضرّرت وتدعيمها، لا يقتصر على الدعم التقني، بل يتعدّاه إلى العمل السياسي الأنتروبولوجي في حماية الطبقة العاملة والفئات الأكثر تهميشاً من الطرد من المدينة، وفي حماية النسيج التقليدي للمباني، وفي تقديم نموذج بديل لخطط إعادة الإعمار، أي في حماية النسيجين العمراني والاجتماعي. وذلك لا يحصل إلّا بمشاركة السكّان، سواء عبر فتح نقاشات في الأحياء لسماع همومهم ومخاوفهم، أم عبر تفسير الإجراءات المتّخذة من قبل الدولة والجيش والجمعيات وحقوقهم في ظل ذلك، أم أخيراً عبر جعلهم مجموعة أساسية في عملية أخذ القرار خاصة في ما يتعلّق بالمنشآت ذات الاستخدام العام، والموروث العمراني الذي لا يمكن تعريفه بعيداً عن الذاكرة المجتمعية للحي.

هذا من جهة، أمّا من جهة أخرى، فمن الضروري الحفاظ على النسيج الاجتماعي للأحياء، وعيننا على طبقة السكان وأعمارهم والجنسيات وكل أشكال الامتيازات التي يفتقدون. ويحتلّ شكل الإشغال أحد أهم الامتيازات التي تفتقدها الغالبية من السكان في هذه الأحياء، إذ يشكّل المستأجرون العدد الأكبر من السكان. والحال، إنَّ المستأجرين يُنظَر إليهم كأفراد مارقين، سواء من الناحية القانونية أو الاجتماعية. في حالة إعادة الإعمار، يتعاطى كلّ من الدولة والمجتمع مع المستأجرين أو الشاغلين غير الشرعيين (لأسباب عدّة) على أنهم لا يملكون الحق بإبداء الرأي أو تقرير ما يجري في أحيائهم أو حتى في المباني والشقق التي يشغلون. ويحصل ذلك عبر إعطاء صاحب الملك الكلمة النهائية في الترميم أو عدمه، وحتى في قبول مبادرات الترميم من جهات مانحة.

لا يظهر تقديس الملكية الخاصة هذا قانونياً فحسب، بل أيضاً عبر المنظور الاجتماعي الثقافي للمستأجر وحقوقه وقوته أو ضعفه. فحين نزلنا إلى الأحياء المنكوبة كمهندسات ومخطّطات مدينيات متطوّعات، ولفترة أكثر من ثلاث أسابيع، بقي السكّان خائفين غير واثقين ممّا نقوم به، غير مصدّقين تماماً بأن هناك من يمكن أن يدعمهم ويحاول إظهار حقّ ليس معترفاً به في القانون.

الشركات التي تستفيد

يشبه ما يحصل اليوم في تدافع الجميع -من شركات هندسية لطالما كانت في أساس الأزمة في لبنان أو شركات كبرى هي بشكل من الأشكال غارقة في نظام الاستغلال في لبنان وتعيد رسم صورتها الإعلانية بشكل rebranding عبر إعادة تموضعها كمشاركة في إعادة الإعمار- ما فعله عديد من الشركات الأميركية (وهي شركات شهيرة باستغلالها للموارد والعمّال والأطفال مثل آبل وآمازون ومايكروسوفت وغيرها) من خلال حملة Black Lives Matter، بوضعها خلفية سوداء على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تمويلها مظاهرة هنا أو جدارية هناك لتتتمكن هذه الشركات المستغِلّة التي هي جزء من النظام الرأسمالي الذي يغذّي العنصرية في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك الذي صنع التفجير في لبنان، من غسل صورتها ووضع نفسها في مصاف فاعل الخير المتبرّع لقضية محقة.

لقد نشأ مؤخّراً نوع من التسويق يُعرف بالـ Brand activism أو نشاطية الشركات، يعمل عبر مبادرة الشركات لإظهار التزامها ومشاركتها بالحركات الاجتماعية، مع ما يعنيه ذلك من محاولة لتبييض صفحة هذه الشركات، إن كان من ناحية استغلالها للعمال والموارد بشكل خاص، أو كدورها في النظام الرأسمالي بشكل عام. وفي الوقت ذاته، فإنَّ هذه الشركات لا تخطو خطوة من دون أن تكون متأكدة من أنّها ستترجمها- عاجلاً أم آجلاً، وفي أغلب الأحيان، عاجلاً- أرباحاً. وبما أنّنا نتكلّم على شركات، فما يمكن أن يبدو لوهلة كأنه التزام أخلاقي، يمكن فهمه في ما أظهرته دراسة على 35 دولة نُشرت عام 2018 بأن 46% من المستهلكين/ات يشترون أو يقاطعون المواد بناءً على الالتزام السياسي للشركات أو غيابه.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الالتزام المفترض لم يُترجم لا عدالة في توزيع المسؤوليات والوظائف على الأميركيين السود في حالة “بلاك لايفز ماتر” ولا تغييراً في نمط عمل هذه المؤسسات في جميع الحالات ومنها لبنان. فشركات مثل “سبلين” و”هولسيم” و”لسيكو”، و”سودامكو” و”تينول، وهي شركات قدّمت مواد بناء أو تخفيضات للمتضررين في الأحياء المتضرّرة في بيروت، من دون أن يغيّر ذلك من ارتباطها برؤوس الأوليغارشية، أو عملها في توجيه السياسات الإعمارية في لبنان. وفي حين تحاول الشركات التغطية على أن الأزمة في هذا النظام بنيوية لا تجمّلها ولا تمحوها دعاية أو شعار عاطفي، فإنّها تستغلّ الأزمات والكوارث مرة أخرى، لتكديس الأرباح.

المادي واللامادي

أحد أسباب التوجّه نحو الترميم والإبقاء على المناطق المنكوبة ونسيجها الاجتماعي اليوم، هو أن هذا العمل هو اعتراف بمعنى المكان بالنسبة إلى سياقه الاجتماعي العمراني أولاً، ومعناه غير المادي ثانياً. وغير المادي هذا يتمظهر في المبنى كذاكرة كما في الملموس والحسي واليومي والموروث ومانتصوّره في مخيّلتنا لما يجب ان تكون عليه المدينة.

وهذا أمر أساسي بالنسبة لبيروت، ولهذا المشروع الملاصق تماماً لحدود مشروع “سوليدير”، لأن مبادرة إعادة الإعمار من حيث خطابها السياسي المطالب بإشراك السكان ومنع الإخلاءات والمحافظة على الموروث العمراني هي انتقام، خلق البديل الذي لطالما تكلّمنا عنه في إطار رفضنا لمشروع إعادة الإعمار التهجيري التدميري للموروث والتاريخ والجماعة. هنا نقول إنّنا تعلّمنا ممّا حصل وإنّنا لا نريد استعادته. قامت “سوليدير” وهي تقول إنَّ غيرها مستحيل، واليوم يُخلق ما يسمّى مستحيلاً، وهذا جزء من التفكيك الحاصل للسلطة الذي سعت إليه الانتفاضة: بسط سلطة الشعب على تاريخه ومدينته وأحيائه.

 
×