منذ أن أعلن المستعمِر دولة لبنان الكبير، راسمًا بعنايةٍ حدودها لتضمن ما يعطيها فسحةً للّعب بين توازنات الطوائف طوال مئة عام، والثقافة المحليّة موضوعٌ حاضرٌ غائب، ولكنّها أيضًا موضوعٌ متحوّل. فبعد قرونٍ من موروثٍ ثقافي غير مقيّد بحدود دول، وممتدّ جغرافيًا بتنوّعه وغناه إلى مناطق واسعة من المشرق، بات إيجاد ثقافة محليّة أمرًا ضروريًا لخلق “هويّةٍ” ما تميّز هذه الدولة الحديثة النشأة من جهة، وتفصل بينها وبين الدول المجاورة لها من جهةٍ أخرى.

ليست الثقافة منتجًا طارئًا على أي مجتمع، ولا يمكن لصفاتها أن تتغيّر لحظة إعلان دولة جديدة والشروع بعمليّة “ضمّ وفرز” أراضٍ جديدة لها. فالثقافة هي ما ينتج عن مجتمعٍ ما، فتحمل خصائصه وميزاته وتقاليده وسلوكياته وتعبيراته، وجذرها في اللغة العربية هو “ثَقِفَ”، أي فطن وتعلّم وحذق. وهي، بالتالي، وباختصار تبسيطيّ، منتجٌ مجتمعيٌّ عامٌ يتغيّر مع مرور الزمن، تنسجم فيه عناصر جديدة، وتُلفظ منه عناصر أخرى لا يستطيع المجتمع هضمها في منظومته. ولكنّها أيضًا منتجٌ يتقولب من خلال أدوات، داخليّةً وخارجيّة، قد تبسُطُ عليه مفاهيم، وتُغيّبُ عنه مفاهيم أخرى.

اليوم، يُطرح في لبنان سؤال من قبيل: كيف تهيمن السلطة الحاكمة على الثقافة المحليّة؟ وما هو موقع الثقافة في عمليّة الخروج من هذه الهيمنة؟

منذ انطلاقة الانتفاضة الشعبيّة في لبنان في 17 تشرين الأول 2019، التي راكمت على تظاهرات 2011 وحراك 2015 قبلها، ظهرت لدى المنتفضين على السلطة مجموعة من الطروحات التي سعوا من خلالها إلى تحديد ما هو مرفوض في شكل هذه السلطة وما هو مطلوب منها. وبرغم عدم سهولة حصر ما هو مرفوض ـ على اعتبار أنه تبلور تدريجيًا لدى فئات من اللبنانيين على امتداد ثلاثين عامًا إثر نهاية الحرب الأهلية ـ فقد برز في الانتفاضة الشعبيّة الراهنة الشقّ الأصعب والأكثر تعقيدًا من السؤال: ما هو المطلوب من السلطة؟

هل يتغلب “النظام” استنادًا إلى منطق اللاغالب ولا مغلوب، الذي يعيد إنتاجه كلّ مرّة؟

ليس غياب الإجابة على هذا السؤال نقصًا في إعلان المنتفضين على السلطة عمّا يحلمون به في بلدهم، من حياة كريمة تؤمّنها تقديمات اجتماعية وصحيّة، وتحميها سياسات مالية وضريبية عادلة، بل يرتبط أساسًا بتجريد المنتفضين من إمكانيّة نطق ما يسعون إليه، ومن تجاوز رفضهم الواقع القائم إلى تقديمهم احتمالات بديلة قابلة للتحقّق. فمن خلال أدواتٍ عدّة، منها المناهج التربوية المتعدّدة في البلاد، ووسائل الإعلام التي تقاسمت معظمها قوى السلطة الرئيسية، والنصوص الدستورية والقانونية التي تتمحور في أدبياتها ومفرداتها على تحنيط مفهوم التوافق والحفاظ عليه بالأثمان كافة، يتم إرساء وتعميم ما يغذّي ثقافة الأفراد وينعكس تاليًا على ثقافة المجتمع. وفي البحث عن طبيعة هذه الأدوات، نجد “النظام” الذي ـ إذا عدنا إلى لحظة تأسيسه قبل 100 عام ـ يهيمن على المجال العام ويتحرّك فيه ضمن توازنات ضابطة، ليخلق ثقافة محليّة تميّزه عن محيطه. ضمن هذا المنظور، وفي أفضل الأحوال، يبدو المقصود الذي يسعى إليه المنتفضون خارجًا عن المنظومة المحليّة المألوفة إذما نُطق (كرفض مفهوم الميثاقيّة، مثلًا، باعتباره أداة تستخدمها السلطة للحيلولة دون إحداث تغيير جدّي في النظام وبنيته). وقي أسوئها، يكون المنطوق غير مقصود، أو غير معبّر عن إرادة الرافضين المنتفضين، بل يجسّد بشكلٍ أو بآخر تعبيرًا عن السلطة الحاكمة (كتبنّي السلطة وبعض المنتفضين خطابًا تمييعيًا لتوصيف الحلّ المطلوب، وربطه بحكومة “احتصاصيّين” للخروج من الأزمة).

إنّ تجريد الأفراد والمجموعات من قدرتهم على بلورة ما يصبون إليه والتعبير عنه، بعدما تلمّسوه من خلال المقارنات والاختبارات وتراكمات المعرفة الفردية والجماعية طوال سنوات، هو في صلب عمل السلطة الحاكمة التي تصارع لضبط الفسحة المتاحة على إيقاعٍ يشبه طبيعتها، القائمة على التوافق ضمن التوازنات. وفي السلطة من يدرك أنه كلّما تمكّن الأفراد والمجموعات في الانتفاضة من نطق قصدهم بوضوح أكثر، وبدقّة أكبر، بانت خصال ثقافيّة كامنة، قد تكون موجودة أصلًا، قادرة على إعادة طرح المطلوب من السلطة من خارج المفردات السائدة.

تبدو الحركة الشعبيّة الراهنة، بأحد وجوهها، كما لو كانت سعيًا لنطق المقصود الّذي يعمل المنتفضون على بلورته، ولتجاوز رفض الواقع إلى طرح احتمالاتٍ بديلة غير مألوفة بالضرورة. لكن هيمنة المنطوق السائد، الّذي يرعاه “النطام” الحاكم ويعمّمه ويسخّر أدواته للحفاظ عليه، يعيق هذا المسعى.

“بين منطوقٍ لم يُقصد، ومقصودٍ لم يُنطق”، نعيش كلبنانيين اليوم صراعًا بين ثقافة السلطة المهيمنة ونظامها، وثقافة الانتفاضة الساعية إلى التغيير. فهل يتغلب “النظام” استنادًا إلى منطق اللاغالب ولا مغلوب، الذي يعيد إنتاجه كلّ مرّة؟ أم تتمكّن الانتفاضة من فرض شكل جديد للحكم في السنوات القادمة، مع انطواء قرن كامل تلى لحظة الإعلان الاستعماريّة المؤسَّسة؟

*القول الأصلي لجبران خليل جبران “بين منطوق لم يُقصد ومقصود لم يُنطق تضيع الكثير من المحبّة”

 
×