كلّما كنت أعبر الطريق الدولية بين دمشق واللاذقية في السنوات الماضية، كنت أشعر بغصة تخنقني، وتستفحل كلّ مرةٍ أحصي فيها كم شجرةٍ نقصت على جانبي الطريق وفي المدى البعيد، وكم شجرةٍ تحولت إلى مجرد قرمةٍ مقطوعةٍ من دون حياةٍ ككلّ شيءٍ آخر في هذه البلاد المنهكة بالفساد والصفقات قبل الحرب والمؤامرات. وخلال جولاتي في جبال سوريا ولبنان، رأيت الإسمنت يقضم الغابات بضراوة، ورأيت مساحات شاسعة اختفت منها الخضرة، وسادتها درجات الرمادي الكئيب، واستسهل الناس فيها قطع الأشجار أو حرقها لأي سببٍ كان.

ما حصل خلال اليومين الماضيين في سوريا ولبنان، وإن كان رهيباً، إلا أنه ليس بالحدث الفريد أو الجديد. تتكرر الحرائق في أحراج البلدين وغاباتهما في كل موسم. وفي كل موسمٍ يشلّ هول المفاجأة الأجهزة الحكومية المعنية في البلدين، فتترك الميدانَ لأفواج الإطفاء والدفاع المدني والمتطوعين بما لديهم من تجهيزات متواضعة كي يكافحوا النيران. ظهر في أيلول الماضي “تحدي تيتريس” على صفحات “السوشال ميديا” بعد قيام دوريةٍ من شرطة المرور في مدينة زيورخ السويسريّة بالتقاط صورة لما تحويه سيارتهم من معداتٍ مرتبة على الأرض إلى جانبها. وسرعان ما انتشر التحدي بين أفواج النجدة من إطفاء وإسعاف وشرطة حول العالم، وظهرت معه صورٌ تظهر المعدات المتخصصة التي تزدحم بها سيارات أجهزة الاستجابة الأولية هذه. فيا ترى كم ستكون الصور مخزية لو وصل التحدي إلى سوريا أو لبنان؟

في اللاذقية التي ضربتها أعتى الحرائق في الأيام الماضية، يكرر فوج الإطفاء، على صفحته على “فيسبوك” وفي كل تحقيق صحفي يجري معه، شكواه حول افتقاد رجاله لأجهزة الاتصال اللاسلكي، ما يضطرهم للجوء إلى هواتفهم المحمولة الخاصة أثناء المهمات، بالإضافة طبعاً إلى غياب الكثير من المعدات الحديثة الأخرى والحوافز والمكافآت المالية. في لبنان يخوض متطوعو الدفاع المدني صراعاً طويلاً ومريراً من أجل الحصول على التثبيت الوظيفي وما يستتبعه من حقوقٍ ماليةٍ وقانونية. وفي حال حصول التوظيف، لا بدّ من مراعاة التوزيع الطائفي “العادل”، بغض النظر عن الوقت الإضافي الذي قد تستلزمه العملية تلك. أما طائرات الإطفاء، وهي من الوسائل الأفضل في مكافحة حرائق الغابات، فلا حاجة للبلدين بها طالما أن تركيا وقبرص واليونان وإيطاليا تمتلك بعضها، والجار للجار.

ليست الهيكلية القانونية في البلدين بأفضل. وسواء كان القانون قديماً أم جديداً، فهذا لا يعني تطبيقه بصرامة ولا خلوّه من العيوب. صدر قانون حماية الأحراج في سوريا، على سبيل المثال، عام 2018، لكن ثغراته تسمح بانتهاكاتٍ عديدة كما هي الحال في المواد التي تنص على المبدأ الفضفاض الذي يسمح بـ”السياحة البيئية ومنشآتها”، والتي قد لا تتمثل سوى بمقهىً ملوِّث مُقَام قرب محمية أو في قلب غابة حتى. يحدد القانون أيضاً حرم الحراج بنطاق يحيط بالحراج بعرض 25 متراً فقط. وفي المادة 17 منه، يسمح القانون بإقامة منشآتٍ تبعث نفاياتٍ ضارة بالأحراج على بعد 1000 متر من ذلك الحرم، فيما تستطيع ” أي منشأة خدمية أو صناعية أو زراعية أو سياحية غير ضارة بالأحراج” التواجد على مسافة 10 أمتار فقط، أي 35 متراً من الحرج ذاته، من دون تعريف ما هو ضار وتفريقه عما هو غير ضار. كما يسمح القانون ببعض الاستثمارات والأعمال الإنشائية والخدمية الأخرى في الأحراج شرط نيل موافقة الوزير المختص، بدلاً من منعها بشكل تامٍ في بلادٍ تحوي الكثير من المساحات غير الحرجية المتاحة للاستثمار.

تتضافر أعمال إشعال الحرائق المتعمّدة مع ما سبق كي تزيد من وقع المشكلة. فحتى ولو جرّمت القوانين هذه الأفعال، إلا أن الجهات المنفذة للقانون قد لا تكون من القوة أو الشفافية لتمنع حدوث هذه الجرائم. فمن قلّة كوادر حرس الأحراج وضعف تدريبهم وأجورهم، إلى اختراق وحدات حماية الأحراج بالفساد والفوضى، يصبح من السّهل إشعال الحرائق بهدف الإتجار بمخلفات الحريق، أو توسيع مساحات الأراضي الزراعية من قبل أناسٍ غالباً ما يتسلّحون بحماية متنفذٍ أو مسؤولٍ ما.

كل ما سبق، بالإضافة إلى غياب التّوعية وانعدام ارتباط الأهالي بأرضهم وشعورهم المتزايد بالإهمال والانسلاخ والغربة، هو ما حرق بلادنا وغاباتنا وسيحرقها أيضاً وأيضاً. ليست الأزمة الاقتصادية مبرراً مع وجود مخصصاتٍ حكوميةٍ لا تتيح معالجة تلك الأزمة بل تسمح بتفاقمها. وليست الحرب مبرراً، فمن يخسر جبهته الداخليّة لن ينتفع من أي انتصار خارجي. وفيما الناس يتابعون قتالهم في الفضاء الافتراضي حول أولوية الحزن وأحقيّته في ثنائية البشر/الحجر، يندر أن يلتفت أحدٌ إلى الشجر وإلى دوره الجوهري كي يبقى هناك بشرٌ يعمّرون الحجر.

 
×