“لتبدأ نهاية هذه الحقبة الرهيبة من الشيطنة في أميركا الآن وهنا”.

جو بايدن في خطاب النصر

 

إذاً، أصبح المرشح الديموقراطي جوزيف بايدن الرئيس المنتخب، وهو في طريقه ليصبح رئيس الولايات المتحدة السادس والأربعين في كانون الثاني/يناير 2021. بعد سباقٍ انتخابي طويل طغى عليه التوتر والاستقطاب الحزبي في الشارع وعلى شاشات التلفزة و”السوشال ميديا”، حسم بايدن النتيجة إثر نيله 290 صوتاً من أصوات المجمع الانتخابي حتى الساعة هي حصيلة الولايات التي ربح فيها التصويت الشعبي. لم يكن بايدن مجرّد مرشحٍ أخر، بل هو تحوّل إلى رمز أملٍ لبلادٍ يرفض حوالي نصفها تصديق أن دونالد ترمب هو واحدٌ منهم، وأنه يمكن لسياساته ومعتقداته وتصرفاته أن تعبّر عن أيٍّ من ملامح الشخصية الأميركية. هذا ما ظهر جليّاً خلال هذه الأيام المحمومة الماضية، وهذا ما ساهم في حسم الانتخابات لصالحه، وهذا ما هو عليه الحال اليوم من نشوة الطمأنينة التي سادت النفوس في أميركا والعالم، ولسان حال الجميع: ما زال بالإمكان العمل ضمن نظامٍ عالمي فعاّل، ويمكن لشرطي هذا النظام أن يكون لطيفاً ومنفتحاً على الحوار. ولكن ما حقّقه بايدن من نجاحٍ في الانتخابات هو في الواقع أقلّ من إنجازٍ داخلياً وأكثر من انتصارٍ خارجياً.

في انتخابات 2020، كان هنالك عناوين إعلامية، وكان هنالك وقائع. بشّرت العناوين بايدن بفوزٍ سهلٍ، فيما تتالى نشر استطلاعات الرأي التي تظهر تفوقه على الطريق لتحقيق نجاحٍ ساحق. أجمع كثيرون أن ترمب رئيسٌ مكروه لن تنتخبه سوى نسبة محدودة من الشعب الأميركي. وبدا أن الوقائع تدعم هذه العناوين إلى حدٍّ كبير. قلّما حصل مرشحٌ على دعمٍ هائلٍ كما هو حال بايدن، وقلّما كان الدعم شحيحاً للمرشح آخر كما هو حال ترمب. إعلامياً، نال بايدن دعم 47 مؤسسة إخبارية في أميركا، ومن بينها كبريات الصحف مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”لوس أنجيليس تايمز” و”ذي أتلانتيك” و”بوسطن غلوب” بالإضافة إلى تخلّي مؤسساتٍ عريقة مثل “أميريكان ساينتفيك” و”يو إس أي توداي” عن تقليدها في التزام الحياد بإعلانها دعم بايدن. أيضاً دعمت بايدن كبرى الجامعات والمؤسسات البحثية والعلمية، بالإضافة إلى وقوف “هوليوود” ونجومها والكثير من أبرز وجوه صناعة الإعلام والترفيه خلفه. على المقلب الآخر، حصل ترمب على دعم سبع صحفٍ فقط، وجميعها ثانوية ولا يتجاوز معدل التوزيع لديها مجتمعةً 862 ألف نسخة. كما لا يخفى عن أحد رفض غالبية الشخصيات الأكاديمية والثقافية والفنية له ولسياساته. وعلى الصعيد الحزبي، حشد “الحزب الديموقراطي” جميع قواه ليدعم ترشّح بايدن ونجاحه في الانتخابات، فيما بلغ الشقاق أشدّه في “الحزب الجمهوري” إلى درجة رفض كثيرين تزكية ترمب، ومن بينهم الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش ووزير خارجيته كولن باول، وبعض من حكام الولايات، وأعضاء في مجلس الشيوخ والكونغرس والسلك الدبلوماسي والتنفيذي.

حصل بايدن على أكبر عددٍ من الأصوات في تاريخ الانتخابات الأميركية، تجاوز حتى الساعة 75 مليون صوت، لكن النسب تعني أيضًا أن ترمب حصل على أكثر من 70.9 مليون صوت، أي ثاني أكبر عددٍ للأصوات في التاريخ الأميركي

ولكن الوقائع مضت لتتبدّى بشكلٍ مختلفٍ بعض الشيء يوم التصويت ذاته. كل الدعم والتعبئة وحملات الضغط والتأثير أوصلت بايدن إلى البيت الأبيض بنسبة 50.7 بالمئة من الأصوات فقط، فيما نال الرئيس “المكروه” نسبة 47.7 بالمئة من الأصوات بحسب آخر المعطيات غير النهائية. وإذ خرجت الكثير من العناوين بُعيد الانتخابات تحتفل بحصد بايدن لأعلى عددٍ من الأصوات في التاريخ الأميركي، كان من الأجدر ربما ذكر المعلومة كاملةً: لقد شهدت انتخابات 2020 إقبال العدد الأكبر من الناخبين الذي أدلوا بأصواتهم تاريخياً، ونسبة المشاركة الأكبر (تقديرياً 67 بالمئة) منذ 120 عاماً حين بلغت نسبة المشاركة في العام 1900 حوالي 74 بالمئة من الناخبين المسجلين بحسب مايكل ماكدونالد، الأستاذ في جامعة فلوريدا ومؤسس موقع البيانات “U.S. Elections Project“. تعني هذه النسب أن بايدن حصل بالفعل على أكبر عددٍ من الأصوات في تاريخ الانتخابات الأميركية، تجاوز حتى الساعة 75 مليون صوت، ولكنّها تعني في الآن ذاته أن ترمب حصل على أكثر من 70.9 مليون صوت، أي ثاني أكبر عددٍ للأصوات في التاريخ الأميركي. وعلى الرغم من أن بايدن استطاع قلب أربع ولايات جمهورية، أريزونا وبنسلفانيا وميتشغان وويسكونسن، وقد تصبح جورجيا الخامسة، إلا أنه حقّق هذه النتيجة بهوامش ضئيلة قاربت الواحد أو النصف بالمئة فقط وبفارق بضعة آلافٍ من الأصوات.

خريطة نتائج انتخابات 2020 لغاية 9 تشرين الثاني/نوفمبر

أما على المستوى العالمي، يمكن لفوز بايدن في الانتخابات أن يشكّل الانتصار الحقيقي للولايات المتحدة في وقتٍ بات دورها يخضع فيه أكثر للتشكيك والمنافسة. على الرغم من عدم شنّه حروباً جديدة أو حتى عملياتٍ عسكريةٍ على نطاقٍ واسعٍ ومكلفٍ بشرياً وعسكرياً، إلّا أن ترمب عبث بقواعد اللعبة وتعامل كرجل أعمالٍ متسلّط يعقد الصفقات ويحصي أرباحه الشخصية. سعى ترمب، خلال سنوات حكمه الأربع، إلى تقويض مؤسسات المجتمع الدولي، وإلى الخروج من المعاهدات الدولية والاتفاقيات الجامعة. كما كان فوزه بالانتخابات عاملاً مساهماً في تعزيز موقع اليمين المتطرف ونمو الشعبوية في عدة دولٍ من حول العالم. سرّعت تصرفات ترمب الهوجاء أيضاً من نمو الخلل الذي بدأ يضرب النظام العالمي، وهي، بحسب رأي العديد من محللي السياسة الأميركية والعاملين بها، قرّبت الأعداء، مثل روسيا، ونفّرت الأصدقاء، مثل الاتحاد الأوروبي. ولهذا بادر بايدن في تصريحاته الأولى بعد إعلان فوزه على تأكيد أولوية العمل لإعادة الاعتبار للبلاد دولياً، وعلى العودة إلى منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ، وعلى التعاون مع الحلفاء والتنسيق معهم مرة أخرى في رسم السياسة الدولية.

وهكذا، بعد أربع سنواتٍ من رعونة ترمب الشخصيّة ومن شيطنة الإعلام لكل سياساته، سوف يبرز بايدن قديس هذا الزمن ومنقذه من شرور التغير المناخي وتغوّل مفرطي الثراء وانفلات الطغاة. وما يظهر اليوم على الإعلام من تفاؤلٍ وطمأنينةٍ بفوز بايدن يمنحه ضوء أخضر ليحقّق السياسات الأميركية عبر الدبلوماسية الناعمة أكثر مما فعل ترمب بنزقه وعجرفته. ما قام به ترمب في فترته الرئاسية الوحيدة جعلت من عبارة “أهون الشرين” ممارسةً مقبولةً حتى من جانب أعرق الأكاديميين والسياسيين. وبدا الناس عبر تعليقاتهم على الحدث على منصات “السوشال ميديا”، حتى في العالم العربي، وكأنهم راضون بتحقيق الأهداف المتواضعة القصيرة المدى التي لا تقلب القواعد المتعارف عليها، وبدوا مقتنعين أن هزيمة ترمب خيرٌ وبركة. سوف يقوّي هذا كلّه من رئاسة بايدن في الشؤون الداخلية أيضاً، فأمامه مآزق عدّة تبدأ مع مواجهة جائحة كوفيد-19، ولا تنتهي بالضائقة الاقتصادية التي سبّبها. ولكن كيفما أدار بايدن هذه الملفات، فهو سيحقّق نتائج أكثر جدوى بفضل اعتماده على أسلوب عمل الفريق وأخذ رأي الاختصاصيين. سوى أن تركة ترمب ثقيلة وهي لن تضمحلّ بتركه منصب الرئاسة، فهو أعاد إنعاش أفكارٍ دينية وعرقية وطبقية، وأسّس قاعدةً شعبية لا يمكن التغافل عنها وخريطة الولايات المتحدة الانتخابية دليلٌ عليها.

المزيد من هذا المؤلف

التطبيع: غلبة الزمن

كعكة شرقي المتوسط

 
×