لم يعد لدى الفقراء ما يُؤخذ منهم فانتفضوا.

الفقراء في لبنان – كما في كل بقاع الأرض – لم يكونوا في موقع الاختيار. انتُزعت منهم حقوقهم المعيشية الأساسية شيئاً فشيئاً. ضاقت المساحة، اختنقوا فيها، وظل التضييق مستمراً. المساحة التي تأويهم تُختصر، وتضيق بوافدين جدد هم أبناء طبقات وسطى سابقاً، وقد فقدت مداخيلهم قيمتها المالية، أو هم مطرودون من وظائفهم وقد تراكمت على أكتافهم قروض مصرفية بفوائد مرتفعة.

حدث الانفجار. وقد كان صاعق التفجير يحتاج إلى فرد شديد الانفصال عن الواقع الشعبي، ملتصق بشكل عضوي بالطبقة الأكثر ثراءً. فرد تعشش في ثنايا وجدانه وممارساته أفكار عمادُها نهجٌ اقتصادي – اجتماعي نيوليبرالي بالكامل.

ليس صدفة أن ينفجر الغضب الشعبي على وقع مقترح أو قرار من وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير بوضع غرامة على اتصالات خدمة “واتساب”، وهذا أمر شديد الارتباط بيوميات الناس، وله مستويات عدة.

الوزير شقير ممثل لـ”الهيئات الاقتصادية” التي يتحكم رجالها بتسيير المنظومة الاقتصادية في لبنان، هو جزء منها والابن الوفي لها. وهذه الهيئات تُشهر منذ سنوات عداءها المطلق للفقراء، وتُقيم أدبياتها على قاعدة الاستعلاء عليهم، وترفض وجودهم في المساحات التي تعتبرها خاصة بها، مساحات الثقل الاقتصادي. منذ ما قبل توليه وزارة الاتصالات، خرج شقير في مقابلات تلفزيونية ليُعلن أن الأزمة الاقتصادية في لبنان ناجمة عن عطاءات قُدمت لغير الأغنياء.

يفتقر الوزير شقير، من جهة ثانية، إلى تجربة الاتصال السياسي بطبقات مختلفة، بما في ذلك الفقيرة منها، والوسطى، بل حتى ببعض أبناء الطبقة الميسورة. يكاد يكون اتصاله محصورًا بدائرة تتألف من أصحاب الثراء الفاحش. يبني عبر عالمه الضيق هذا قناعاته وسلّم قيمه الاجتماعية، القائم على فكرة أن زيادة أرباح الأكثر ثراء ستزيد من ثرواتهم ليستفيدوا منها في عملية إطلاق استثمارات جديدة يشتغل فيها الفقراء كأجراء. أي أن الثروات يجب أن تبقى مركّزة بيد مجموعة ضيقة من الناس ليتحولوا إلى مركز الاقتصاد؛ في صناعته وإدارته وتسيسه وتشغيله.

أخذ محمد شقير السلطة اللبنانية إلى بر تبحث عنه، أو لنَقُل إنه أخذها، بالاستشارة لا بالإكراه، إلى الحد الأقصى من سياساتها القائمة على معالجة الأزمات من قوت الفقراء. وهذه النقلة الأخيرة تقوم على شقير (وأمثاله) لأنه، بعكس أمراء الحرب ورؤساء الأحزاب، لم يحتكّ يوماً بأبناء الشعب، فامتدت يده ويد السلطة إلى خدمة “واتساب”، الملاذ الأخير للبناني الفقير للاتصال بالعالم وللإطلالة على عصر ما بعد الحداثة. بهذا المعنى، ليس التسلط الضرائبي على خدمة “واتساب” تسلّط على ترف، بل إن الأخير جزء من مقومات التواصل الحديث لمجتمع عالمي قام التسريع فيه على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وإن كان الحديث عن “ثورة واتساب” أمرًا مضللاً، فإن الاعتراض قائم على كل سياسة الأوليغارشية الاقتصادية التي تزيد ثرواتها من نهب مقدرات البلاد.

الانفجار الشعبي جاء هذه المرة ممتداً إلى الطبقات الأكثر فقراً. دعوات التغيير لم تأت من الطبقة الوسطى كما جرت العادة وقام الاعتقاد. الطبقات الوسطى في لبنان تكاد تختفي تماماً. في الحراك أو الثورة (فالتعريف رهن بتطور الأمور ميدانياً والقدرة على مواجهة عُنف السلطة بمختلف وجوهه)، كُسرت مركزية التجمع، وانتشرت التحركات في أكثر من بقعة من لبنان. غابت الشعارات المنظّمة، وحصل اختلاط بين الناس عابر للطبقات. التوجه ضد مراكز تمثل مصالح الأكثر ثراء دليل على تشكل وعي يقوم على معاقبة الناهب ويحلم بعدالة اجتماعية لكل أبناء الوطن. منذ يومين عبّر كثيرون عن وجعهم الاقتصادي على الشاشات. نبذوا من دون تخطيط مسبق الانتهازيين الذين ركبوا موجات الاحتجاجات الأخرى. سقط من التحرك الطابع الـ”أن جي أوزي” الذي غلب على تحركات سابقة. فالمطلب مناقض تماماً لـ “البوليتيكيل كوركتنيس” (أو الصوابية السياسية) في قاموس الممولين العالميين. الفقراء هنا، هم إما فقراء قدامى أو مستجدون، والقدامى منهم أكثر تقدماً في صناعة المشهد اللبناني الثائر الغاضب الشديد العفوية والمفتوح على احتمالات كثيرة ومعقدة، لكن المشكّل لحالة انقلابية على التسليم بقضاء السلطة وقدرها لعقدين من الزمن.

طبعًا لا يمكن تحميل محمد شقير مسؤولية التدني الاقتصادي، فهذه الأزمة نتاج سياسات حكومية اقتصادية تم تشكيلها وتطبيقها مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية. لكنه “الفيترينة” – بالمعنى البشع – التي عُرضت فيها تجليات صنّاع الحكم في لبنان، هؤلاء الذين بعدما أسسوا منظومة الحكم، راحوا يضربونها بغباء. فكان مثلاً أن هددوا أخيراً أبناء القطاع العام بمكتسباتهم الأساسية، فحركوا ضدهم هذه المجموعة من القوى العاملة التي كان يُعتقد أنها تدين لهم دائماً بالولاء.

 
×