على مسافة أقلّ من عام على مرور قرن على ولادة لبنان الكبير (أيلول 1920)، خرجت جموع من اللبنانيين في حالة تمرد عفوي غير مسبوقة على النظام السياسي ومكوّناته. وعلى وجه التحديد، فإن الصيغة المشوّهة لتطبيق اتفاق الطائف منذ نهاية الحرب الأهلية، أي صيغة النظام الطائفي الريعي الزبائني، والتي بدأت تتهاوى عام 2004 (عام صدور قرار مجلس الأمن 1559)، ارتطمت بالأرض يوم الخميس، 17 تشرين الأول، 2019.

لا يمكن القول إن ما حصل مفاجئ، إذ إن مقدّماته كانت متوافرة، وإن لم يكن توقيته واضحًا. فالنظام اللبناني يرتكز على قواعد الريوع، والطائفية، والمحاصصة. وهذه الأسس الثلاثة استنفدت ذاتها إلى درجة لم يعد النظام معها قادراً على أداء الحد الأدنى من وظائفه: أزمة مالية ونقدية حادّة، تباطؤ اقتصادي شديد، تدهور في الخدمات العامة، ترهل في أجهزة الإدارة الرسمية، وعقم في الحياة السياسية وتعطّل دوري لها. كل ذلك كان يجري فيما المواطنون يشاهدون التضخم في ثروات المسؤولين وأسرهم وحواشيهم (أعراس “ألف ليلة وليلة” لأبناء مسؤولين، ساعات باهظة الثمن في أيدي وزراء، إلخ).

والأزمة هذه ليست تقنية أو اقتصادية، بل هي سياسية بالدرجة الأساس، وهي تتّصل بالتحديد بغياب ثقة الناس بالحكومة وبغالبية أركان الطبقة السياسية. فمشروعية الحكومة (ومن خلفها البرلمان) اهتزت بشدة، واهتزت معها قدرتها على الحكم. والحلول ينبغي أن تنطلق من هنا، أي من خلال القيام بخطوات تهدف إلى تدعيم مشروعية الحكومة (عبر تعديل وزاري أو تشكيل حكومة جديدة) وقدرتها على الحكم (المسارعة بإجراءات تطيح بروؤس فاسدة).

اللافت كان مسارعة المشاركين في التظاهر منذ الأيام الأولى للتعبير عن أنفسهم بالقول إنهم “لبنانيون”، لا أبناء طوائف، وهو ما يعكس إحساسًا عامًا مشتركًا بأن الطائفية من أبرز القيود المفروضة عليهم بقصد إخضاعهم. واللبنانيون بهذا المعنى يعيدون اكتشاف أنفسهم. فقد بدأت تتسع الـ”نحن”، بالتوازي مع حصر هوية “الآخر” بشكل أدق. ثمة ظهور لهوية وطنية ما زالت بحاجة لأن تتبلور (لا سيما طبقيًا)، فيما “الآخر” في المقابل لم يعد طائفة أو منطقة بأسرها. “الآخر” بات النظام الريعي الطائفي، ولو حصل خلاف حول بعض تفاصيل هذا التشخيص.

وحتى لا يبقى الحديث عن هذا الاحتجاج أو الحراك ضبابياً، من المفيد فهم مكوناته، وهي كالآتي:

1- قوى وشخصيات سياسية معادية أو منافسة لأطراف داخل الحكومة، وهي إما من داخل النظام (حزبا “القوات اللبنانية” و”الكتائب”، و”الحزب التقدمي الاشتراكي” جزئياً) أو من خارجه (كـ”الحزب الشيوعي”، و”حركة الشعب”، و”الجماعة الاسلامية”، و”حزب سبعة”، وأسامة سعد، وأشرف ريفي، وغيرهم).

2- مجموعات مدنية تعمل إما على المستوى الوطني أو المحلي، وهي إما مسيّسة (مثل “مواطنون ومواطنات”، “بدنا نحاسب”، “حملة إسقاط النظام الطائفي”) ولديها أجندة سياسية واضحة (رؤية وبرنامج عمل)، أو مجموعات ذات طابع مطلبي بيئي أو اجتماعي (مثل “شباب صور” قبل تعليق مشاركتها)، وهذه المجموعات اكتسبت خبرة وراكمت “مشروعية نضالية” منذ 2015.

3- مشاركون بصفة فردية، وهؤلاء إما نخب ونشطاء لديهم القدرة على التعبئة والتحشيد والتنظيم، وقد راكموا تجربة منذ 2015 (بينهم إعلاميون وأكاديميون)، أو مواطنون عاديون تحركهم الأزمات والمواجع، وهم الغالبية في هذا الحراك، ولا مطالب سياسية موحّدة تجمعهم.

هناك بضع عشرات الآن يحددون أجندة الحراك بشكل غير مباشر، وهذه ليست مؤامرة بالضرورة، بل هي طبيعة الأمور

هذا التقسيم يُظهر وجود محاولات لتوجيه الاحتجاج من قوىً داخل السلطة أو تربطها علاقات مع سفارات أجنبية، من دون أن ينفي أن الغالبية العظمى من المشاركين هم مواطنون تحركهم المظالم، وأن كثيرًا من الجماعات المشاركة هي قوىً وطنية مشهود لها في المسائل الاجتماعية. لكن السؤال هنا يتمحور حول من يمتلك الموارد والأدوات للتعبئة والتأثير، ومن هي الجهات التي تدير الاحتجاجات وتنسّقها لتحافظ على زخمها، وتتولى كذلك تحديد مطالبها، ومنها مطلب إسقاط الحكومة؟

إن مطلب إسقاط الحكومة هو نقطة قوة للحراك، نظراً لمفاسد العديد من مكوناتها، ولكنه في الوقت نفسه نقطة ضعف. لنتخيّل أن رئيس الحكومة استقال غداً، في وقت يرفض فيه أطراف الحراك تشكيل إطار قيادي. من الذي سيحدد حينها معايير الحكومة المقبولة من جانب الحراك، ومن الذي سيوافق عليها؟ هل سيكون هذا قرار الربع مليون أو النصف مليون متظاهر، أم رأي بضعة أفراد مسيطرين على المنصات في الساحات وعلى الخطاب الاعلامي؟

فعليًا، هناك بضع عشرات الآن يحددون أجندة الحراك بشكل غير مباشر. وهذه ليست مؤامرة بالضرورة، بل هي طبيعة الأمور. غالبية هؤلاء يرفضون فكرة إعلان إطار قيادي، حفاظاً على نفوذهم الحالي المضمر. هولاء العشرات، ليسوا أيضًا بمستوىً واحد من التأثير. فمن يملك قناة تلفزيونية أقوى ممن يملك حزبًا صغيرًا، ومن يملك حزبًا متماسكًا أقوى ممن يملك منصة، ومن يملك منصة أقوى من نشطاء لديهم خيمة، وهكذا. من هنا، فإن هذه المجموعة المؤثرة قادرة بسهولة نسبية على صنع توافق حول ما ترفضه نيابة عن الحراك. لكن الأزمة ستبدأ حين نصل إلى مرحلة الحديث عن البدائل والمساومات.

أما لناحية التوزّع الجغرافي، فقد تركّزت الاحتجاجات الكبرى في المدن ذات الغالبية الإسلامية مثل طرابلس وبيروت وصيدا والنبطية وصور وبرجا، وبدرجة أقل في المناطق المسيحية، بدعم من حزبي “القوات اللبنانية” و”الكتائب”، بالإضافة إلى كتلة من الطبقة الوسطى. إن ما يجري أساسًا هو انفجار داخل “البيئة المسلمة” في لبنان، التي تضم الأكثر تهميشًا، لا سيما في الضواحي والأطراف. وهناك تقاطع بين المهمشين اجتماعياً والمهمشين سياسياً. يضاف إليهم جزء من الطبقة الوسطى اللبنانية التي تستشعر أنها على وشك خسارة موقعها وامتيازاتها بفعل الأزمة المالية والاقتصادية.

بمعزل عن مسار الأمور، يمكن القول إن العودة لما قبل 17 تشرين الأول لم تعُد ممكنة. فما مات قد مات، والتباينات اليوم ليست حول هذه النقطة، بل حول الوجهة التي سنمضي إليها. هناك توازن قوى جديد، وثمة قوى سياسية انتهت فعليًا، ولم تبق إلا جثثها مع دفن مؤجل. السؤال الأساسي الآن هو من سيشغل الفراغ وكيف؟ وإجاباته ستظهر في الشهور المقبلة تحت وطأة الصراعات والمناورات والانهيارات. ما يجري الآن يدور حول شكل الصيغة الجديدة، ومن أسئلتها: ماذا عن الريوع، والطائفية، والتوازنات داخل الطوائف، وشكل الشراكة الجديدة، وعلاقة اللبنانيين بالدولة والسلطة. هذه ستكون بنود “صفقة القرن” اللبنانية.

 
×