هناك علاقة غريبة تربط الناس في البلاد العربية بالحكومة الكندية. ليست تلك العلاقة، بكل أسف، علاقة تعلّم ولا نقد، بل هي في الواقع خلقٌ لصورةٍ مثالية يعلّق عليها الناس إحباطاتهم وآمالهم عبر نشر أخبار زائفة على “السوشال ميديا” تنتج الكثير من الفوضى المعرفيّة والدونيّة ما بعد الكولونيالية. تقول خلاصة تلك المنشورات إن الحكومة الكندية ناجحة لأنها تجمع الاختصاصيين وتضع “الرجل المناسب في المكان المناسب.”

بدايةً، لا بد أن الحكومة الكندية – في حال وصلتها هذه المعلومة الشيّقة عن نفسها – سوف تعترض على عبارة “الرجل المناسب” مع حرصها في السنوات الماضية على تحقيق مناصفةٍ كاملة بين الرجال والنساء في تشكيلاتها. وتالياً، قد تكتشف الحكومة الكندية أن تلك المنشورات العربيّة الاستشرافيّة قد حوّلتها، من حيث لا تعلم، إلى حكومة تكنوقراطيّة. يكثر نشر ومشاركة تلك المنشورات خلال الأزمات والمنعطفات. فهي مثلاً غزت حسابات على “فيسبوك” و”تويتر” مؤخراً عندما ساد في لبنان حديث تشكيل حكومة تكنوقراط.

تسبغ المنشورات على الحكومة الكندية الكفاءة المرتجاة في الوطن كونها تمنح الحقائب الوزاريّة لأهل الاختصاص والمعرفة. تقول مثلاً بعض الصور المتناقلة إن وزير الاقتصاد رجل أعمال ناجح، ووزير العلوم عالم، ووزير الزراعة مزارع، ووزير الصحة طبيب، ووزير النقل رائد فضاء، وهلمّ جرا، إلى أن تصل إلى وزير الشباب الذي يتبين أنه شاب، فما من اختصاص معين تتطلبه هذه الوزارة على ما يبدو سوى عمر الشخص الذي يتولاها. تعمل ترّهات كهذه على غرس الأوهام والمعلومات الخاطئة في عقل المتلقي العربي الذي أصبح يؤمن بكل ما تطرحه عليه “السوشال ميديا” على أنه واقع وحقيقة، وعلى أنه الحلّ لكل مشاكله.

ليست التكنوقراطية ولا الميريتوقراطية (حكم الجدارة) حلولاً سحرية بحد ذاتها. وليست مهنة الوزير أو خلفيته التعليمية هي ما يحل المشاكل، بل آلية عمل الحكومة وأساليب إدارتها للبلاد. الحكومة في كندا سياسية تماماً، وهي تضم بعضاً من أكبر السياسيين المحترفين، وقلّما يشكل اختصاص الوزير عاملاً مؤثراً في توليه حقيبة ما. فعلى سبيل المثال، لم يتولَّ طبيبٌ حقيبة الصحة سوى مرةٍ واحدةٍ فقط. فليست مهمة وزير الصحة معالجة المرضى ولا إجراء العمليات الجراحية أو وصف الدواء لهم. المطلوب من الوزير أن يشرف على أداء هذه الأمور بعدلٍ وإدارتها جيداً. معظم من تولوا إدارة الصحة في كندا كانوا خريجي قانون وإدارة، بل في إحدى الحكومات كان وزير الصحة يحمل درجة البكالوريوس في الفلسفة. وزيرة الصحة الحالية حاصلة على الماجستير في الإدارة العامة. ووزيرة الزراعة أيضاً ليست مزارعة، بل هي خريجة اقتصاد. أما وزير النقل فهو بالفعل رائد فضاء سابق، إلا أن الكنديين في الحقيقة لا يتنقلون من مكانٍ لآخر في صواريخ الفضاء، بل يستخدمون السيارات والباصات والقطارات كما باقي شعوب الأرض، وقطاع النقل في البلاد يعاني بعض مشاكل الدّقة والموثوقيّة وتطوير الوسائط.

ومن المضحك المبكي بمكانٍ مشاركة السوريين مثلاً لمنشوراتٍ كتلك على الرغم من أن الحكومات السورية لطالما كانت تكنوقراطيّة، بل وقد ضمت في بعض الأحيان تقنيين من بين الأفضل في مجالهم وعلى مستوى دولي، خصوصًا في الشق الاقتصادي، مثل عصام الزعيم ومحمد العمادي ورياض الشعار، وهم نجحوا في أمورٍ وفشلوا في أخرى كثيرة. لقد سادت مقولة “الشخص المناسب” في سوريا طويلاً، ولم تثمر أي نتيجةٍ ملموسة. لقد كان الشخص المناسب بحاجةٍ إلى آلةٍ مناسبةٍ تمنحه حرية الحركة والتفكير والتخطيط.

ما تحتاج له بلادنا ليس تعيين اختصاصيين وخبراء بالضرورة في مراكز القرار، بل تمكينهم من اتّخاذ القرار. هناك حاجة ماسة في سوريا، كما في لبنان، لتغييرٍ حقيقي في البنى الإدارية التي تعمل الدولة بموجبها. وتغيير كهذا لا يأتي عبر الحلول الترقيعيّة والمرحليّة التي سادت لأعوامٍ طوال. بل هو يتحقق باجتثاث المنظومة الهيكلية والقانونية من جذورها، وإعادة صياغتها كي تأتي بنظم عملٍ عصريةٍ تجري بها عجلة شؤون المؤسسات بسلاسةٍ وسرعةٍ وأناس أكفّاء، لا يجري تعيينهم وفق قرارات حزبية أو تقارير أمنية أو محاباة عائلية وعشائرية وطائفية. ليست الحكومة الكندية بآلةٍ عالية الأداء وأعطالٍ صفريّة، ولكنها تعمل دائماً لتحقيق المصلحة العامة، ومن يفشل يرى في كوابيسه صندوق انتخابات فارغ. أما في بلادنا، فينام كثُر على أحلام تكنوقراطيّة، علمًا أن الدّول لا تحيا بتصورات وهمية عن حال الآخرين.

 
×