انطلقت الموجة الاولى من الانتفاضات العربية في تونس ومصر، ثم انتقلت إلى ليبيا وسوريا واليمن وأخذت مسارات اختلفت من بلد إلى آخر، حتى تحولت في بعض البلاد إلى خريف مظلم ودماء وفوضى بعد عسكرتها.
يقينًا أن الانتفاضات العربية كانت مشروعة، وكانت جميعها ضد نظم استبدادية اختلفت في الدرجة لا في الجوهر، ومع ذلك فقد نجحت في تونس حين حافظت على دولتها الوطنية وأطلقت مسار انتقال ديمقراطي، وتعثرت في مصر حتى لو نجحت في الحفاظ على دولتها الوطنية، إذ فشلت في إصلاح مؤسساتها وفي تأمين عملية الانتقال إلى الديمقراطية، في حين كانت النتائج كارثية في تجارب أخرى، فقد بقي النظام الاستبدادي في سوريا وتراجع البديل المدني الديمقراطي لصالح البديل “الداعشي” الذي كان أسوأ من الجميع حكمًا ومعارضة، وباتت ليبيا أسيرة اقتتال الميليشيات، فيما يشهد اليمن حربًا أهلية بدا فيها صوت السلاح أقوى من صوت السياسة.
ولأن البعض اعتبر حصيلة الموجة الأولى من الانتفاضات العربية سلبية في ظل تجربه نجاح وحيدة هي تونس، فإنه لم يتوقع أن تخرج موجه ثانية منها مثلما جرى في السودان والجزائر، وهي موجة أعادت ليس فقط تقييم تجارب الموجة الأولى، بل أعادت أيضًا الاعتبار لدور الشعوب في أي معادلة سياسية في العالم العربي.
وقد بدت الموجة الثانية كما لو كانت “عكس السير”، أي في ظل واقع دولي وإقليمي يحاول أن يرتب أوضاعه لا على قاعدة فشل النخب السياسية العربية في بناء دولة قانون ونظم ديمقراطية فحسب، بل فشل الشعوب العربية أيضًا، فعادت الأخيرة لتقول “نحن هنا”، وما زلنا قادرين على الفعل والتأثير.
وإذا ما نظرنا إلى انتفاضة السودان، سنجد أنها جاءت في بلد يعاني من انقسامات عرقية أدت إلى انفصال جنوبه، ومن انقسامات مشابهة في دارفور ما زالت تهدد وحدته (أو ما تبقى منها)، كما أنه يعاني من توظيف للدين في السياسة. والمفارقة أن الحكم “الإخواني” السوداني حصل على دعم نظم عربية كما في حال مصر، تتناقض جذريا مع خطه السياسي، إلا أن الصعود الجديد لتيار الحفاظ على الوضع القائم بدا عابرًا للأيديولوجيات والخلافات السياسية.
أما الجزائر فقد انطلقت فيها تظاهرات عارمة حين خرجت السلطة الحاكمة عن “الاستبداد المعروف”، ورشحت رئيسًا عاجزًا عن الحركة والكلام، ونجح في منعه من الترشح لولاية عهدة خامسة.

يتوقف نجاح الانتفاضة في كل من الجزائر والسودان على القدرة على إصلاح المسار القائم والتمسك بالخيار الدستوري، لا على إسقاطه مثلما جرى في تجارب التعثر أو الفشل

لقد قبل الجزائريون مضطرين نظام الحزب الواحد والدولة الأمنية لأن البديل كان الفوضى والإرهاب، لكن كان صعبًا أن يقبلوا إهانة كرامتهم وكبريائهم الوطني بترشيح رئيس يصفه كثيرون، للأسف، بـ”الرئيس الميت”.
وقد حملت الموجة الثانية من الانتفاضات العربية في كل من السودان والجزائر (على ما بين البلدين من تباين) مؤشرات رئيسية ثلاثة:
المؤشر الأول يتمثل في تراجع اهتمام الرأي العام العالمي بما يجري في هذين البلدين برغم الاهتمام الفرنسي الحذر بالجزائر (لأسباب تتعلق بالجوار والتاريخ والحجم الكبير للجالية الجزائرية في فرنسا)، والمقصود هنا هو الزخم والتفاؤل بهذه الانتفاضات كما جرى مع الانتفاضتين التونسية والمصرية، وذلك نتيجة فقدان قطاع واسع من المتابعين والمهتمين ثقتهم في المجتمعات العربية. فالرأي العام العالمي الذي أيّد بغالبه الثورات باعتبار أنها تسمح للعالم العربي بأن ينتمي إلى قيم حقوق الإنسان، اكتشف أن معظمها فشل في إجراء أي تحول ديمقراطي ودخل في أتون حروب أهلية، وعرف إرهابًا وعنفًا لم يعرف العالم مثيلًا له منذ عقود (كما في حال سوريا)، فأصبح يتعامل بحذر مع أي حراك شعبي سلمي، خوفًا من أن يتحول إلى فوضى شاملة، يتكرر معها سيناريو الهجرة والإرهاب الذي لم تسلم منه أوروبا.
ثاني هذه المؤشرات يتمثل ببعد انتفاضتي السودان والجزائر عن أيدي الإسلاميين حتى اللحظة، وهو ما يعطي لهما فرصة نجاح. فـ”الحكم الإسلامي” في السودان هو الذي تقوم التظاهرات ضده، والانتفاضة التي شهدتها الجزائر لا يسيطر عليها الإسلاميون مثلما جرى في انتفاضة 1993 التي انتهت بما يشبه الحرب الأهلية (العشرية السوداء).
أما ثالث المؤشرات فيتصل بتوقف نجاح الانتفاضة في كل من الجزائر والسودان على القدرة على إصلاح المسار القائم والتمسك بالخيار الدستوري (بمعزل عن الرأي بهذا الخيار)، لا على إسقاطه مثلما جرى في تجارب التعثر أو الفشل.
وقد نجحت الجزائر في التقدم خطوة كبيرة حين تمسك الحراك الشعبي بالمسار الدستوري، وطالب بعدم ترشح الرئيس الجزائري لولاية (عهدة) خامسة، على اعتبار أنه غير مؤهل صحيًا وفق الدستور الجزائري، علمًا أن معظم النخب الجزائرية حرصت على إعلان تقديرها لتاريخ الرجل ودوره في حرب التحرير الشعبية ضد المستعمر الفرنسي، وفي وقف الاقتتال الأهلي عقب سنوات طويلة من العنف والإرهاب.
فرصة إصلاح النظام الجزائري من داخله نتيجة ضغوط الشارع الجزائري واردة بدرجة كبيرة، أما السودان فمشكلته الرئيسية تكمن في عدم قدرته على تقديم بديل شعبي لنظرية “تسقط بس” التي يتبناها الشارع السوداني ونخبته المعارضة، وعلى السعي إلى تحصيل ضمانات لعدم ترشح البشير في الانتخابات القادمة التي ستجري بعد عام من الآن.
إن الحفاظ على المسار الدستوري، على عيوبه، وعدم الخضوع لخطاب التطرف الثوري، أفضل من تنحي أي رئيس لصالح الفراغ والفوضى، الذي عادة ما يملأه الإسلاميون أو الجيش، علمًا أن فرص الجزائر تبقى أكبر من السودان لاستيعاب دورس الماضي القريب، من أجل الانطلاق نحو مستقبل أفضل.

 
×