في بلاد كل ما فيها يدفع مواطنيها نحو انقسام حاد عمودي، دار نقاش عنيف قبل أيام، في الذكرى التاسعة عشرة لتحرير مناطق من الجنوب اللبناني والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي. النقاش انطلق من مطلب أعلنه سياسيون حول حق هؤلاء المتعاملين، الفارين مع اندحار جيش الاحتلال إلى دولة الاحتلال، بالعودة الى وطنهم لبنان. لم يكترث جزء من اللبنانيين الى هذه الدعوات، وثمة من تفاعل معها. المتفاعلون يمكن تقسيمهم الى ثلاثة محاور، محور “حقهم يرجعوا” للمدافعين عن عودة الفارين الى إسرائيل، يعتبرونهم “مبعدين قسريا”، محور معارض بشكل مطلق لأي دعوة مماثلة تذكيراً بالجرائم التي ارتكبها المتعاملون مع الاحتلال الإسرائيلي ضد أهالي القرى التي كانت محتلة، ومحور ثالث لا يرفض عودتهم شريطة أن تتم محاكمتهم أمام القضاء اللبناني.

بسرعة انطفأت الدعوة والتفاعلات معها، أُثيرت كأنها زوبعة في فنجان، همدت خلال أيام معدودة وانسحبت من النقاش العام. لكنها رغم ذلك تمثل مثالاً تجدر قراءته بتمعن، باعتباره أحد مآلات الصراع العربي- الإسرائيلي، خاصة أننا في مرحلة حساسة تقع في مسافة تمتد بين إعلان موت عملية السلام – وفق ما كرره رئيس الوزراء الإسرائيلي المُعاد انتخابه بنيامين نتنياهو- ومحاولة اجراء ولادة قيصرية وشبه سرية لـ “صفقة القرن”. الدعوة المُطلقة لعودة المتعاملين مع إسرائيل الى لبنان نقرأها إذا في بُعدها العربي، كنموذج لموجة تبرئة تعفي إسرائيل من أي مساءلة، تعفي المتعاونين معها من أي مقاضاة، وهي محاولة من طرف واحد (يشكله جزء من اللبنانيين) لطي صفحة صراع بما يجعل إسرائيل وحدها مستفيدة من هذا الفعل. خلال نحو عقدين من الزمن ثمة وقائع يجري التعامي عنها، إيراد بعضها مفيد في نقاشنا.

عام 2014، شنت إسرائيل عدواناً عنيفاً على غزة، كان العدوان واحداً من اعتداءاتها الكثيرة على هذا القطاع. يومها بكى كثيرون أولاداً أربعة، كانوا يلعبون على الشاطئ وقتلهم الطيران الإسرائيلي وهم يلهون بكرة القدم. فظاعة هذا المشهد شلت قدرة كثيرين على التفاعل مع مزيد من الأخبار المأساوية الناتجة عن العدوان الإسرائيلي. في تلك الفترة، كان بين الصحافيين المتواجدين في القطاع، صحافيون سويديون قابلوا عدداً من سكان المنازل التي تضررت، وكان بين هؤلاء رجال وشبان تم اعتقالهم وتعذيبهم بعدما جرى التحقيق معهم في ظروف غير إنسانية، حكوا عن المحققين الذين ضربوهم وأهانوهم، حكوا عن اجرام هؤلاء المحققين الذين كانوا يتحدثون بلهجات لبنانية، بعد تحقيق واستقصاء تبين أنهم من المتعاملين الذين فروا من لبنان عام 2000.

في ردود الرافضين لعودة المتعاملين مع الاحتلال الإسرائيلي، وردت صور وأخبار عن عدد من المتعاملين وأولادهم الذين التحقوا بأجهزة الجيش الإسرائيلي.

أوردنا المثالين أعلاه للانطلاق نحو تساؤلات استفسارية وليست اتهامية.

يمكن أن يُشكل المتعاملون اللبنانيون مع إسرائيل نموذجاً يُدرس باعتباره عينة عن الدور الذي تنيطه الحكومات الإسرائيلية للفئات المماثلة

لماذا تُطلق الدعوة لعودة هؤلاء المتعاملين؟ ما هو الإطار القانوني الذي يحكم قضية عودة أو إعادة هؤلاء المبعدين؟ ما هي الرؤية السياسية التي تؤطر هذه العملية؟ وبعد ذلك، ثمة أسئلة خاصة بمرحلة عقدين قضاها المتعاملون تحت السلطة الإسرائيلية، فكيف عاملت الحكومات الإسرائيلية هؤلاء المتعاملين؟ لما ارتضى الإسرائيليون ادخال أعداد من اللبنانيين الى أراضيهم؟ ما هو الثمن الذي أرادوه منهم؟ أليس أقله “الوفاء” لإسرائيل وعقيدتها والسياسات العامة فيها؟ ما هي الترجمة العملاتية لهذا الوفاء؟ لماذا لم تصدر الى اليوم أي مراجعة علنية وعميقة لقرار هؤلاء الفارين بالعيش تحت سلطة الإسرائيلي وفي حمايته؟

ننتقل من هذه الأسئلة إلى مجموعة أخرى من الاستفسارات: لماذا تطوع بعض هؤلاء المتعاملين في خدمة الجيش الإسرائيلي؟ كيف نقرأ استمرار بعض هؤلاء بأداء المهمات نفسها في خدمة الاحتلال الإسرائيلي؟ بمعنى أنهم يؤدون ضد الفلسطينيين في غزة ممارسات التحقير والتعذيب التي قاموا بها ضد الأسرى في المعتقلات الإسرائيلية في الخيام وأنصار بشكل خاص. أي تفاعل لهؤلاء مع المجتمع الإسرائيلي؟ ما هي الميادين التي يُسمح لهم بالعمل فيها؟ بدراستها؟ بزيارتها؟

أن نتعامى عن هذه الأسئلة يعني أننا لا نريد أن نعرف إسرائيل، وهنا مكمن جديد لضعفٍ قاتلٍ، أكنا مؤيدين للسلام معها أو منتمين لمعسكر الحرب ضدها، ففي القبول أو الرفض لأي كيان ثمة قاعدة أساسية في التعامل معه: أن تعرفه، أن تعرف أكثر عمن تعاديه أو تسايره. بهذا المعنى يمكن أن يُشكل المتعاملون اللبنانيون مع إسرائيل نموذجاً يُدرس باعتباره عينة عن الدور الذي تنيطه الحكومات الإسرائيلية للفئات المماثلة، للقابلين بها. في المقابل يمكن أن يُشكل تعاطينا مع هؤلاء المتعاملين حجر أساس جديد نبني رؤانا وسياساتنا تجاه من تعاملوا- ويتعاملون- مع إسرائيل بإيجابية في أشرس فترات عدائها لنا.

 
×