Image Credit: Delil Souleiman/AFP via Getty Images

 

تصاعدَ طلبُ التدخّل العسكري الخارجي لدى قطاعات من المعارضة السورية مع اشتداد عنف النظام حتى بات، لدى كثيرين، أمراً مقبولاً بل طبيعياً ولا بدّ منه. لكنَّ الظهور الصريح لطلب المعارضة السورية التدخّل الخارجي في منطقتنا وبلدنا يعود إلى فترة احتلال النظام العراقي للكويت، وهي فترة شهدت أيضاً انهيار الكتلة السوفييتية وبروز مظاهر العولمة وأشكال تناقضها مع الدولة الوطنية.

يومذاك، ظهرت أصوات، غالباً ما سبق لها أن ادّعت اليساريّة، وراحت تبرّر التدخل الخارجي بمنطقٍ فقير التأسيس والتأثيث، يكاد يقتصر على إبراز ضرورة الخلاص من أنظمة مستبدّة مسلحة حتى أسنانها ومدعومة من أطراف خارجية إلى الحدّ الذي يستحيل معه الخلاص منها بالقوى الذاتية لشعوبها. وسوى آلام الاستبداد والقمع الوحشيين، لم يكن ثمة أساس لهذا المنطق يتعدّى القول إنّ العالم أصبح قرية كونية واحدة لا يمكن أن تترك لطرف فيها أن يُدْخِل الخلل والنشاز إلى انسجامها المترابط في ظلّ الليبرالية الظافرة؛ وإنَّ توسّع هذه الليبرالية الأميركية الأوروبية اليابانية خارج حدودها ينطوي على نشرٍ للتقدم والديمقراطية وخلاصٍ من الاستبداد والتخلف بضربة واحدة، من دون أيّ تساؤل عمّا إذا كانت هذه الليبرالية وسوقها الاقتصادي العالمي هي المصدر الأساس للخلل، ومن دون تقديم أيّ مثال كان فيه الاحتلال مصدراً لأيّ تقدّم خلال قرون الاستعمار المعاصر وإلى الآن.

باختصار، غالباً ما اتسمت ذرائع طلب التدخّل بالترخّص النظري والسياسي، مقتصرةً على استغلال الألم بعيداً عن أيّ تحليل جدّي لبنى العالم الحالي وعلاقات القوة فيه ولتاريخ تدخّلاته وتمايزاتها، واتّسامها في “العالم الثالث” بمزيد من الخراب والموت بحجة التخلص من الخراب والموت. هكذا، كنا أمام أشتات أطروحات نابعة من اليأس والألم وردّة الفعل كأطروحة “الصفر الاستعماري” التي طلع بها معارضون سوريون ولا تستند في تبريرها إلا على فكرة واهية تضرب في الغيب مفادها أنّ الخلاص من الاحتلال الخارجي الاستعماري أسهل من الخلاص من الاستعمار الداخلي الذي تمثّله الأنظمة المستبدة.

وبعد ما دُعي بـ”الربيع العربي”، وبعد سنوات من انتظار هذا التدخّل الذي لم يأت، كان طبيعياً أن يعبّر بعض هؤلاء المنتظرين عن خيبتهم، فتكاثرت في خطابهم كلمات مثل “الخداع” و”الأوهام” و”الأخطاء” وما شابه، إنّما من دون أيّ مراجعة نظرية أو فكرية جدية، ومن دون إقامة هذه الخيبة على أيّ أساس نظري وتحليلي، بل بقدر كبير من التعمية وربما النفاق، وباستعداد دائم للمراهنة من جديد على تدخّل خارجي يقوم به رئيس أميركي جديد، الأمر الذي حوّل هؤلاء إلى مَضْحَكَة حقيقية حتى لترامب نفسه الذي انتظروه. إذ قال هذا الأخير في 12 كانون الأول 2016 (بعد أيام من انتخابه): “أمريكا لا تدري من هم الثوار السوريون الذين تؤيدهم … نحن نؤيد الآن الثوار السوريين لكننا لا نفهم مَن هم هؤلاء”. ليعيد التأكيد لمنتظريه في 2 كانون الثاني 2019: “لقد قضي الأمر في سوريا منذ زمن طويل، وإضافة إلى ذلك نحن نتكلم عن رمل وموت، هذا ما نتكلم عنه. نحن لا نتكلم عن ثروات كبيرة”.

كان برهان غليون، البروفسور والمفكّر وأوّل رئيس لـ”المجلس الوطني”، قد صرّح في 8 أيلول من عام 2013، وفي مادّة موسومة “غليون: أميركا تحرص على ألا تكون سورية محافظة إيرانية تهدد الخليج”، أنَّ هناك “حالة من تقاطع المصالح في توجيه ضربة عسكرية لنظام بشار الأسد وتحديدًا بين مصالح أميركية وفرنسية ومصالح الشعب السوري”، وأنَّ “مصالح الغرب واضحة وهي أن لا تصير سورية محافظة ايرانية … تهدد أمن الخليج مصدر الطاقة الرئيسي للغرب والعالم … وهم أيضاً حريصون على أن يحتفظوا بعلاقات ودية مع الشعب السوري في المستقبل وحتى لا يتعرضوا للنقد من قبل الرأي العام العالمي عندما يسألهم لماذا صمتّم أمام مجزرة حقيقية ولم تفعلوا شيئاً”.

يريد غليون أن يظهر بمظهر “البسيط” الذي لا يعلم أن ليس لأميركا ولا للرأسمالية عموماً على مرّ تاريخهما تراث يُذكَر في دعم الديمقراطية ومناهضة الاستبداد وأنَّ لديهما تراثاً معاكساً

لكنه لم يلبث أن كتب في 13/11/2014 (أي بعد انقشاع أوهامه حيال تدخل أوباما الذي أطلق تصريحه الشهير إنَّ التسوية السياسية هي الحلّ في سورية):”مع هؤلاء الأصدقاء سورية تستغني عن الأعداء … لم يترك [أوباما] فرصة للتعبير عن عدم رغبته في التورط في القضية السورية، إلا واستغلها… التزامه في الشرق الأوسط اليوم يتعلق بالحرب ضد الإرهاب، وليس له علاقة بنظام الأسد، وإنه يرى أنَّ حل الأزمة السورية لا يمكن أن يكون عسكرياً، وإنما من خلال تسوية سياسية”.

بعدها راهن غليون على ترامب، لكنَّ ترامب لم يلبث أنّ خذل غليون فكتب في 30 كانون الأول 2018 مقالةً رأى فيها أنَّ ما سقط في إعلان الانسحاب الأميركي من شرق الفرات ثلاثة أوهام كبيرة، عاش عليها المشرق، وخربت حياته السياسية والإقليمية: وهم دعم واشنطن للديمقراطية العربية، ووهم الحماية الأميركية للخليج وثروته النفطية، ووهم تبنّي واشنطن لقضايا الأقليات القومية والدينية.

وها هو يتساءل اليوم، في مقالة مكتوبة في 29/11/2020: “ما الذي أودى بنا إلى هذه الهاوية؟” ويجيب: تعلقنا بأوهام ثلاث … الأول وجود التضامن الدولي مبدأ فاعلاً في السياسة … [و] أنَّ العلاقات الدولية مبنية على مواثيق وقوانين وأعراف دولية … الثاني انحياز الغرب الديمقراطي، بل دعمه الحتمي أي مشروع ثورة أو تغيير ديمقراطيين في العالم. وهو الوهم الناجم عن الاعتقاد بوجود تناقض استراتيجي وحتمي بين معسكري الديمقراطية والديكتاتورية، وأن الغرب الديمقراطي لا يمكن، من منطلق حماية مصالحه ذاتها، أن يتخلى عن دعم حركاتٍ ديمقراطيةٍ تقرّب منه بلداناً وشعوباً ترزح تحت سلطة الاستبداد … الثالث حتمية انتصار الحق، … وقد تبيّن لنا أن الحق لا ينفصل في السياسة والعلاقات الدولية عن المصلحة”.

واضحٌ، إذاً، تكرر حصول الأوهام لدى هذا “السوربونيّ” الذي ساهم في أخذنا إلى الهاوية (سواء كرئيس للمجلس الوطني وعضو فيه أم كـ”مفكّر” مزعوم) والذي يتذاكى فيجعل من أصدقائه وأصدقاء أمثاله أصدقاء لسورية كلّها وينسب أوهامه وأوهام أضرابه إلى “المشرق” أو إلى “نا” جمعيّة غامضة ينسب إليهما وهم المراهنة على أميركا في قضايا الديمقراطية والتحرر القومي، كأنّه لم يسمع بدكتاتوريات أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا وانقلاباتها العسكرية المدعومة أميركياً ولا بتبنّي أميركا التام لإسرائيل، آخر استعمار استيطاني في الدنيا، أو وهم الفصل بين الحقّ والمصلحة الذي لا يمكن لربع متعلّم أن يرتكبه، أو وهم أنّ المواثيق والقوانين والأعراف دولية هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الدولية الراهنة الذي لا يمكن حتى لصبيّ غرّ أن يقترفه.

يريد غليون، إذاً، أن يظهر بمظهر “البسيط” الذي لا يعلم أن ليس لأميركا ولا للرأسمالية عموماً على مرّ تاريخهما تراث يُذكَر في دعم الديمقراطية ومناهضة الاستبداد وأنَّ لديهما تراثاً معاكساً. كما يريد أن يظهر بمظهر “البسيط” الذي لا يعلم أنَّ الديمقراطية في الرأسمالية ليست بنتها هي ذاتها بل بنت الطبقات الشعبية والمضطهَدين (عمال، نساء، زنوج، فلاحين، أقوام مستعمرَة … إلخ)، وأنَّ التدخلات الأميركية (ومعها تدخلات بقية الضواري) عادةً ما تكون لمصلحة الدكتاتوريات وتثبيتها، فإذا ما اضطرت لإسقاطها حاولت أن يكون ذلك في سياق تحطيم للبلدان ينضاف إلى التحطيم الذي مارسه طغاتها بما يولّد عشرات من الطغاة المافيوزيين بدل الواحد.

والسؤال الواضح، بالفمّ الملآن، ألا يمارس غليون هنا النفاق والكذب والتعمية، على جمهوره أولاً ثم على العالمين، فلا أوهام ولا من يتوهمون؟ فهذا “اليساروي” السابق لطالما أدان الإمبريالية الأميركية وسواها من دون أوهام. وحين تحوّل من “اليسار” صوب نسخة قوموية-إسلاموية من الشعبويّ، هي ثمرة قراءته المغلوطة والشائهة لسمير أمين، كادت كتبه التي وضعها منذ عقود أربعة تقريباً أن تقتصر على القول إنَّ الأنظمة العربية مرتبطة بما يدعوه “الغرب” ارتباطاً عضوياً (بعكس ما يدّعيه الآن من توهّم التناقض بينهما)، بل هو يتّخذ موقفاً مناوئاً لـ”النهضة” العربية ورجالاتها منذ بدايتها وحتى النهاية بسبب “غربيّتها” المماثلة لـ”غربيّة” الأنظمة، ليرى عملياً، أنَّ الحلّ يكمن، إذاً، في ما هو معادٍ لـ”الغرب” ومناصر للأصالة (ومَن هو المرشح الأفضل لهذا الموقع عند واحد مثل غليون سوى الإسلام السياسي الشعبوي؟) وحتى لو قبلنا، على سبيل الافتراض، أنّ ما من نفاق أو كذب أو تعمية، فهل ما يدعوه بـ”الأوهام”، منظوراً إليه على خلفية الخراب السوري الرهيب، هو مجرد أوهام فحسب؟ ما الجرائم السياسية والعسكرية، إذاً؟

يهلّل واحد من هؤلاء من أستراليا لضربات ترامب التي شنّها ليل 14 نيسان 2018 على مركز البحوث العلمية في برزة في دمشق (حيث يقيم الطلاب ويتعلمون): “كتّر خيرك عمّي ترامب”

ما من سوري إلا بات يعلم ما الذي يعنيه الوهم والانخداع هنا من مساهمة في طوفان الدم الجاري وتفكيك البلد وتهتيك نسيجه الاجتماعي، على يد أشخاص لا نعلم من انتدبهم لتمثيل السوريين أو التعبير عنهم. وبذلك، فإننا لا نكون أمام مجرد منخدعين أو متوهمين، بل أمام مجرمين سياسيين تجب محاكمتهم كسواهم، بدل تركهم “فالتين” يبحثون عن مُمْتَطٍ جديد يخدعهم. وليس الحديث عن غليون هنا حديثاً عن شخص واحد يعترف هو نفسه أنّه مارس مثل هذه الضروب من التوهّم أو جرى خداعه، بل حديث عن شخص هو، رغم كلّ شيء، “الأفصح” و”الأشد تماسكاً” و”الأقل ابتذالاً” بين “جوقة” من أضرابه المهيّئين بنيوياً للانخداع والذين يتدنّى باطّراد مستوى طلبهم للتدخّل الخارجي وشكل تعبيرهم عن هذا الطلب.

يقول الائتلافي (اليساري السابق) ميشيل كيلو في مقال بعنوان “وثيقة حول سورية”، منشور يوم 9 تموز 2016: “صديقنا الأميركي المخلص نجح في الضحك علينا وخداعنا، طوال السنوات الخمس الماضية التي كنا في أثنائها في غفلةٍ أوقعتنا في حال من الغباء وسوء التقدير والفهم”. ويقول للفيغارو الفرنسية في 17 كانون الأول 2020: “لم نكن ندري ان المعارضة السورية ستختفي بوجود القوى العظمى، وكنا نتوقع تدخلاً أميركياً لإسقاط النظام … كنّا ساذجين، وكان لا بد من إيجاد حلّ مع النظام”.

ويبدو أنَّ نائب رئيس الائتلاف الحالي، عقاب يحيى (بعثي سابق، يساري سابق)، كان مقتنعاً أنّ الولايات المتحدة الأميركية تقف “مع” الثورة السورية، وإلّا لما كتب في 24 كانون الثاني 2016: “الولايات المتحدة تخلّت عن الثورة السورية … بات واضحاً أن إدارة الرئيس باراك أوباما، تنتقل بنا من خداع إلى آخر … ولا أتوقع تغييراً في هذا الموقف قبل الانتخابات [الأميركية] المرتقبة أواخر العام الحالي”.

غير أنَّ الحضيض الذي بلغه بعض الشبّيحة من “اليساريين” السابقين على هذا الصعيد، يكاد يجعل من كلّ ما سبق شيئاً عادياً. وإذا ما كنّا نتحدث في الحالات السابقة عن “متحوِّل يساري”، فإننا نتحدّث في حالة هؤلاء الشبّيحة عن شيء شائه ومتفسّخ بكل ما تعنيه الكلمة. وعلى سبيل المثال، فإنَّ ترامب نفسه تورّع عن تحقيق رغبات بعض هؤلاء في ضرب بلدهم تلك الضربات التي ترضيهم ويصعب أن يجدوا من يوافقهم عليها كاملةً سوى عتاة الصهاينة. هكذا، يهلّل واحد من هؤلاء يُدعى سمير سليمان من أستراليا لضربات ترامب التي شنّها ليل 14 نيسان 2018 على مركز البحوث العلمية في برزة في دمشق (حيث يقيم الطلاب ويتعلمون): “كتّر خيرك عمّي ترامب”. لكنّه ما إن يكتشف إنّ الضربات لم تسقط ما يكفي من الضحايا حتى ينحو على عمّه ترامب باللائمة: “الله لا يكتر خيرك. بس هيك؟ … فينا نستعمل الكريدت كارد وناخد شوية ضربات من السنة الجاية”؟

إنقاذاً للقارئ العزيز من الارتكاسات الهضمية التي تثيرها مثل هذه الحالات، وكي لا يخرج صفر اليدين من عرض مواقف يسع أولاد المدارس الصغار أن يفنّدوها. دعونا نطرح قضية التدخل الخارجي والموقف منها في ضوء بعيد أشدّ البعد عن هؤلاء:

كانت حركة التنوير الأوروبية في القرن الثامن عشر قد أَعْلَت من شأن فكرة “الكونية” والقيم الإنسانية الجامعة وأقامتها على أساس متين هو الطبيعة الإنسانية المشتركة؛ فرأت أنَّ اشتراك البشر في الطبيعة الإنسانية السامية يقتضي أن تكون لهم مطالب سياسية وأخلاقية بعضهم تجاه بعض كي ينعموا بما يجدر أن ينعموا به من حرية وسعادة وعدل، لأن مثل هذه المسائل أهم وأخطر من أن تُتْرَك لرحمة ما هو محلّي ولنزوات الأسياد والطغاة وأهوائهم. وإذا ما كان صحيحاً أنَّ هذه الفكرة ارتبطت بالطبقة الوسطى البرجوازية الغربية البيضاء والذكورية التي انتهكتها أيّما انتهاك في الداخل والخارج ولم تمنح الاحترام المتساوي للجميع (العمال، النساء، غير الأوروبيين، الفلاحين الفقراء…)، إلا أنّ حرية الجميع صارت مهمة في النظرية على الأقلّ. وكان هذا تقدماً ضخماً، وصار بمقدور أولئك الذين قمعهم مجتمع الطبقة الوسطى أن يواجهوه شاهرين في وجهه منطقه هو نفسه وقد أمسكوا به في حالة من التناقض بين ما يقول وما يفعل. وهذا شكل من النقد أمضى على الدوام بالمقارنة مع ذلك الشكل الذي يعمل على تقويم النظام الاجتماعي ونقده قبالة قيم لا يُعتَرَف بصحتها.

بعبارة أخرى، يبقى هذا المذهب الكوني الذي يرتّب مطالب للبشر كلّهم تجاه بعضهم بعضاً، سلاحاً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً ماضياً في مواجهة لا الطغاة المحليين فحسب بل في مواجهة الاستغلال الأوروبي والأميركي للعالم أيضاً، إذ يمسك بهذا الأخير وهو ينتهك في الممارسة ما يدّعيه في النظرية. ولذلك، ليس من الحصافة، ولا من السهولة النظرية ولا الأخلاقية أن يُرفَض كلّ تدخل للبشر في شؤون غيرهم من البشر رفضاً مطلقاً ودائماً. ومن الضروري الدفاع عن “الكونية” في وجه ممارسات الطغم المحلية المتوحشة التي تحتمي بـ”الخصوصية” وبأشكال بائسة من “الوطنية” تكاد تقتصر على الفتك بشعوبها ومعارضاتها، كما هو من الضروري الدفاع عن “الكونية” ذاتها في وجه ضواري العالم الكبار الذين لم يفعل تدخلهم الأناني المُغرِض في أرجاء هذا الكون سوى دفع مناطقه الفقيرة مزيداً من الدفع في مهاوي الدمار والخراب البنيوي والخروج من التاريخ على كلّ الأصعدة، على نحو ما نجد في العراق والصومال وليبيا وسواها الكثير.

ترتكز التدخلات الأميركية الحالية على فرط القوة العسكرية التي لا تكفّ عن انتهاك المبادئ الليبرالية أكثر مما ترتكز على مزايا النظام الاقتصادي الأميركي

ما يعنيه هذا هو أنَّ العالم، إذا ما أراد أن يضع حدّاً للطغاة الذين يذبحون شعوبهم كأنّها خراف يملكونها، عليه أن يثبت أنَّ هذا لن يكون بأيدي طغاة عالميين يذبحون هذه الشعوب ذاتها ويمتصون دماءها، وأنّه لن يكون باتجاه إحلال طغاة محليين جدد محلّ القدماء على خلفيةٍ من تدهور الدولة الوطنية باتجاه بنى ما قبل الدولة لا باتجاه القيم العالمية الأوسع. وإلى أن تغدو “الكونية” ومعها التدخّل مشروع العالم ككل، العالم الذي أصلح منظماته الدولية وأقامها على أسس العدل والمساواة لا على هيمنة الأقوياء وتفرّدهم، فإنَّه محل شكّ، كما تثبت تجارب التاريخ وكما يثبت التحليل النظري، أن يفضي التدخل إلا إلى مزيد من الغوص في حمأة التخلف والظلم والاستبداد.

تكاد التدخلات المعاصرة كلها أن تكون جزءاً من مشروع للهيمنة خلّع بنى ما دُعي بـ”العالم الثالث”، ويكاد يطيح في أشكاله الأميركية الحالية المنفلتة من كل عقال بكلّ ما أنجزته الاستقلالات وحركات التحرر الوطني. كانت التدخلات الأميركية السابقة والحالية، على اختلاف أشكالها، جزءاً من مشروع وقفت على رأسه الطبقة القائدة في الولايات المتحدة ونخبها الجمهورية والديمقراطية خدمةً للشركات الأميركية عابرة القوميات أساساً، وهو مشروع إمبريالي بمعناه الفظّ الذي يرمي إلى النهب وحده وإلقاء البلد المنهوب على قارعة الخراب والفوضى المتعاظمة التي تستدعي مزيداً من الفظاظة والعنف.

ترتكز التدخلات الأميركية الحالية على فرط القوة العسكرية التي لا تكفّ عن انتهاك المبادئ الليبرالية المدّعاة أكثر مما ترتكز على مزايا النظام الاقتصادي الأميركي. فهذا الأخير ربما لا يستطيع كسب الرهان على منافسيه في سوق مفتوحة فعلاً، كما يتخيّلها الاقتصاديون الليبراليون، ولذلك نرى السياسات الحمائية الأميركية الشديدة ودعم الدولة لقطاع السلاح المتفوق شبه الوحيد بين بقية القطاعات الاقتصادية والذي كثيراً ما يتفلّت من قواعد السوق. هكذا تبدو أفضلية الولايات المتحدة، على حدّ تعبير سمير أمين، أشبه بأفضلية قنّاص يغطي عجزه الآخرون، طوعاً أو قسراً. وهذا ما يجعله في حالة “حرب دائمة” ربما يحتاج فهمها، علاوةً على فهم بنية عالمنا الحالي، إحاطةً بالتشكل التاريخي للرأسمالية الأميركية الشمالية وخصوصياتها: الثورة الأميركية التي كانت حرباً محدودة من أجل الاستقلال ووقف تقاسم المغانم مع الطبقة المسيطرة في الوطن الأم من دون أبعاد اجتماعية كالتي عرفتها الثورة الفرنسية مثلاً؛ إبادة الهنود الحمر واستمرار العبودية؛ البروتستانتية المتطرفة الناجمة عن تكييف التأويل الديني لا عن تحوّل جذري في هذا التأويل؛ تشكّل الأمة من مجموعات من المهاجرين الذين ينشدون النجاح الفردي والانضواء في آفاق لا تتعدى جماعاتهم وطوائفهم بدل الانضواء في أحزاب معارضة؛ ديمقراطية تكاد تقتصر على جانبها الانتخابي وإدارة الاقتصاد من دون إدارة الحياة السياسية .. إلخ.

أخيراً، إنَّ عدم رضا تلك الزّمَر من المعارضة السورية المطالبة بالتدخل الخارجي عن سياسة أوباما وترامب وخيبة أملهم إزاء إحجامهما عن ضرب سوريا عسكرياً، إنما تضعهم في موضع أقرب سياسياً وعقلياً وأخلاقياً إلى تلك الزمرة من مجرمي الحرب اليمينية المتطرفة التي ارتبطت بريغان وآل بوش والمحافظين الجدد، تلك الزمرة التي جاءت ببوش الصغير بعد انتخابات مثيرة للشكوك ليسرّع تنفيذ سياسة مرسومة مسبقاً، مستغلاً حدثاً غامضاً ومثيراً للشكوك أيضاً هو الحادي عشر من أيلول 2001، على نحوٍ يشبه كثيراً استغلال النازية حريق الرايخستاغ كي تصفي المعارضة وتحضّر للحرب.

 
×