يكاد يكون من المعيب التذكير بأنَّ أقلَّ المُنتظَر من شخصٍ يساري، أو حتى ليبرالي، هو رؤى وممارسات ديدنها النظر إلى البشر على أساس مواقعهم الاجتماعية الاقتصادية التاريخية وما يقترن بها من سياسات وأفكار، كلّ ذلك في أفق الحداثة والمدنية والتقدّم وأدواتها النظرية والتحليلية. فإذا ما تعقّد الوضع، كما في البلدان التي دخلتها الحداثة استعماراً، وبدا أنَّ كلّ ما سبق مرتبط بعناصر من تشكيلات سابقة على الحداثة، كعنصر الطائفية مثلاً، توقعنا أن ينبري اليساري إلى فكّ مغاليق هذا الارتباط فكّاً علمياً قدر الإمكان بطرح الأسئلة المناسبة: ما الذي يأتي بهذه العناصر القديمة إلى الحداثة؟ هل هي قديمة حقّاً، أم أنّها تبدو كذلك في الظاهر وحده، ولماذا تبدو كذلك؟ إلى آخر مثل هذه الأسئلة الأساسية التي اعتاد أن يطرحها إزاء هذه الظواهر لا اليساريين فحسب، بل كلّ من لديه ولو حدّ أدنى من العقلانية، إذ لا سبيل إلى الفهم من دونها.

الحال، إنّه قليلاً ما تكون مشكلة يساريّة اليساريّ أو ليبراليّة الليبراليّ مطروحةً في الأحوال العادية الهادئة، فإذا ما نشب صراع طائفي، مثلاً، واحتدم، رأيت ما سبق لمهدي عامل أن دعاه “انزلاقاً إلى المنطق الطائفي”، وهو انزلاق ليس ضرورياً أن يستثني اليساريين، فما بالك بأدعياء اليسار. ويمكن اختصار هذا الانزلاق، وفقاً لعامل، بأنّه نظر إلى الطائفة على أنّها جماعة بشرية، بدلاً من رؤيتها على أنّها علاقة سياسية، الأمر الذي لن نفصّل فيه هنا ويمكن العودة إليه بيسر لدى صاحبه. لكنَّ اللافت في انزلاقات اليوم إلى المنطق الطائفي قياساً بانزلاقات الماضي (كما لدى اليساريين الذين تناولهم مهدي عامل) أنّها بعيدة عنها كلّ البعد معرفياً وأخلاقياً، الأمر الذي يجعلنا نضع كلمة “يساريّ” حين نستخدمها لمنزلقي اليوم بين أقواس، تشكيكاً بها وسخرية منها.

سبق للمناضل الشيوعي المختطَف عبد العزيز الخيّر أن رصد في سوريا، قبل “الثورة” السورية بسنوات، موجةً ليبرالية طارئة، بدأت مع بدايات القرن الجديد وبعد عقود من الديكتاتورية. ورأى أنَّ هذه الموجة لا تصدر عن أوساط البورجوازية الحالية المسيطرة، ولا عن شريحة بورجوازية جديدة تشكّل أساساً لوعي ليبرالي، بل هي نبتٌ بلا جذور ولا حامل، وتكاد تقتصر على بعض القوى والشخصيات المعارضة التي كان أغلبها ماركسياً. ورأى أنَّ أسباب هذا “التلبرل” أسبابٌ “سلبية”، هي هزائم تجعلها أقرب إلى ردّة الفعل المَرَضيّة، من بينها الإحباط الناجم عن الدكتاتورية وعنفها؛ وانهيار السوفييت وما أثاره من ارتداد نموذجي؛ واجتياح الرأسمالية العالم باسم اللبرلة والحداثة مع التعتيم على المحتوى التدميري لهذا الاجتياح؛ وتدمير الاعتقال الطويل القاسي نفوس كثير من المناضلين الذين راحوا يتمسكون بما ألقاه الإعلام والتنظير الإمبرياليين في السيل الناتج عن انهيار السدّ السوفييتي من أخشاب (تمجيد الليبرالية، موت الاشتراكية، انتهاء مفهوم السيادة الوطنية، مُضِيّ عهد التنمية المستقلة، التغني بالعولمة التي ستمدن العالم رغم أنف الشعوب)؛ والحقد ونزعات الانتقام التي شكلت لبعضهم منبع طاقة لوعيهم المستجد ومواقفهم.

بيد أنَّ الخيّر سيختطف، على طريق مطار دمشق الدولي عائداً من الصين، قبل أن يكحّل عينيه تمام التكحيل بفَقْسٍ جديد من اليساريين المتحولين يحقّ التساؤل إزاءهم إن كان ما يصدر عنهم جديراً بأيّ تحليل أو نظر جدّيين. فنحن هنا، في أحسن الأحوال، أمام ركون للفهم الشائع (common sense) أو ما يبدو كأنّه بداهة لا تحتاج إلى نقاش، كأن يكون أحدٌ على قناعة مفادها أنّ “السنّة يخافون العلمانيّة”، أو كأن يكون أحد آخر واثقاً من أنَّ العلويين السوريين ينفتحون “على الاتجاهات الفكرية الحديثة ويتحمسون لها لأنّها تنقذهم من أقلويتهم”. وذلك في تصوير لجماعة بشرية برمّتها على أنّها خائفة من العلمانية أو في تصوير لجماعة أخرى على أنّها مندفعة صوب الفكر الحديث، وتصوير الدافع وراء ذلك كلّه على أنّه “سنيّة” الأولى و”علويّة” الثانية، واعتبار هذا الدافع تفسيراً لسلوك كلّ فرد من أفراد الجماعة، فإذا ما خرج بعضهم على هذا الإجماع، كانوا استثناءً بسيطاً قليل العدد يُثبت القاعدة ولا ينفيها. وهذا، بالطبع، منطق طائفي، بصرف النظر عمّا يحسب صاحبه أنّه عليه. وهو منطق لا يتوقعه المرء من يساري يزعم، أو يتصور، أو يتوهّم أنّه خصم للطائفية.

السوية تبلغ دركاً منخفضاً أشدّ الانخفاض مع ثلاثي “يساري” سابق يصعب على من لا يعرفهم ويتابع كتابتهم أن يعلم أنّه كان لهم ماضٍ يساري

لكنّ هذه تبقى مع ذلك أحسن الأحوال، أمّا في أسوئها فنحن أمام طيف واسع يبدأ ببرهان غليون الذي سبق له أن كتب غير مرّة في المسألة الطائفية كتباً تبقى جديرة بالقراءة والنقاش، كائناً ما كان رأينا فيها، لكنّه هبط إلى منطق سياسات طائفية صريحة في مقابلة مع “وول ستريت جرنال” في 2 كانون الأول 2011، حين كان على رأس “المجلس الوطني”، وهو يستشرف مستقبل ثورته قائلاً: “يجب أن يكون العلويون متساوين أمام القانون، وفي الحصول على الوظائف في الاقتصاد، وفي الحصول على فرص العمل في مختلف القطاعات ما عدا أجهزة الأمن والجيش”. ويمارس هذا الضرب من الهبوط ذاته ياسين الحاج صالح (عضو سابق في الحزب الشوعي السوري-المكتب السياسي) الذي كتب مقالات عن الطائفية جديرة بالقراءة والنقاش رغم عيوبها الجوهرية التي لا تنتهي، لكنه ينزل من الكتابة إلى الصراخ الشعبوي الطائفيّ “إنّهم يقصفون السنّة”، في إشارة إلى نظام يعلم القاصي والداني أنّه يثخن بخصومه السياسيين مهما تكن طوائفهم، وأنَّ مناطق سيطرته لم تخل من الطوائف جميعاً في أيّ لحظة من لحظات الصراع، بخلاف ما دُعي بـ”المناطق المحررة” التي لم يطق فيها الحاج صالح نفسه بقاءً.

يتوالى الهبوط وتنخفض السويّة مع لؤي حسين (عضو سابق في حزب العمل الشيوعي)، إذ يرى، في 25 نيسان 2015، بعد سقوط جسر الشغور التي تقع “على مرمى العين من قرى العلويين” وإحساسه أنَّ “النظام تنهار أطرافه”، أنَّ “لا تغيير إيجابي جدي في البلاد من دون مشاركة العلويين بشكل فاعل وحقيقي … أو حتى تقديم ضمانة لهم”.

لكنَّ السوية تبلغ دركاً منخفضاً أشدّ الانخفاض مع ثلاثي “يساري” سابق يصعب على من لا يعرفهم ويتابع كتابتهم، في الصحف أو المواقع أو على وسائل الاتصال الاجتماعي، أن يعلم أنّه كان لهم ماضٍ يساري، أو حتى يميني متطرف، أو حتى أيّ شيء. أول هؤلاء هو عبد الرزاق عيد (عضو سابق في الحزب الشيوعي الرسمي، وصاحب مؤلّفات عديدة في الفكر والنقد الأدبي)، إذ يرى “أن ما يبدو للغرب أنه انفتاح مدني حداثي في أوساط الطائفة العلوية تجاه العلاقات الجنسية، ليس تعبيراً عن انفتاح مدني حضاري حداثي، بل هو تعبير عن حسية بدائية غرائزية لم ترتق فيه `الأنا الاجتماعية المدنية` للقمع أو الكبت الحضاري الضروري للـ`هو الغريزي` في مجتمعات الحداثة المنظمة والكابتة لاندفاعات ونزوات `الهو` من أجل الانتظام الذاتي الفردي والاجتماعي، حسب فرويد أحد أهم أنبياء الحداثة الغربية”.

الثاني هو بكر صدقي (عضو سابق في حزب العمل الشيوعي، تروتسكي التوجّه) الذي كتب، في سياق ردّه على طلب لؤي حسين ضمانات للعلويين، أنّ العلويين لم يتمكنوا كجماعة أهلية “من إفراز ممثليهم السياسيين الخاصين بهم… ليجلسوا على طاولة المفاوضات مع الجماعات الأخرى … وأنهم ينظرون بعين العداء إلى المكون الأكثري السني بوصفه تهديداً وجودياً لهم كطائفة … لفهم هذا السلوك المتناقض ظاهرياً، لا بد من افتراض سيكولوجيا جمعية لعلويي سوريا”. ومع أنَّ صدقي كان أول الفارّين من “المناطق المحررة” بأيدي ثوّاره، إلا أنّه يسمح لنفسه بالتحدّث باسمهم مخاطباً من يدعوهم “العلويين” مخاطبة المفاوض الظافر: “الضمانات تكون طرفاً في صفقة، طرفها الآخر تخلي العلويين عن النظام واختيار ممثلين آخرين للطائفة. طالما لم يحدث هذا فهم يطلبون الحماية، لا الضمانات. والرد الإيجابي على طلب الحماية هو `العفو عند المقدرة` وهذا ليس مضموناً في الشروط الراهنة”.

آخر هذا الثلاثي الهابط هو سمير سليمان (عضو سابق في حزب العمل الشيوعي، موجود في أستراليا منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين، لا تجد له مقالات يمكن العودة إليها، لكنه يكثر التعبير عن نفسه على الفيسبوك، ويدهشك ما يبديه، وهو في أستراليا، من ثقة العالِم والقائِد الميداني في آنٍ معاً). ومن درره مخاطبته من يدعوهم “العلويين”، في 8 أيار 2015، قائلاً: “العلويون حلفاء النظام، صحيح. ولكنهم أسفل التراتيب في سلم حلفائه. فهل تنوون الخلود في أسفل هذا السلّم؟” ليعود في 4 تشرين الثاني 2017 إلى ممارسة المستقبليات: “إذا انتصر الأسد في معركته هذه لا سمح الله، فسوف ترى الأجيال القادمة على شواطئ طرطوس واللاذقية بكامل بهجتها وأناقتها تتمشى على الكورنيش حافية الأقدام، والبوط معلق بشريطة على الرأس”.

هكذا نزل المتحول اليساري السوري إلى ميدان الحدث السوري الرهيب، وبلغ من شأن هبوطه حدّ أنّك لم يعد بمقدورك أن تتبيّن أنّه كان في ما مضى يستخدم “الطبقات” بالحماس المُغثي ذاته الذي بات يستخدم فيه “الطوائف” (الأمر الذي يبقى غريباً أن تجده حتى لدى الليبرالية التي زعم هؤلاء أنّهم تحولوا إليها)، بل بلغ في بعض الحالات، كما في الأمثلة الثلاثة الأخيرة، حدّ أن يخلط المرء ويضيع في رنّة التشابه اللفظي بين “المتحوّل اليساري” ومتحوّل آخر من الكائنات يعرفه الأطباء والعامة على حدّ سواء.

المزيد من هذا المؤلف

عن الرقابة والخوف

 
×