قبل عام بالتمام، كانت الصورُ والمشاهدُ “الأيقونيّة” المُلتقطة في بيروت تغزو شاشات التلفزيون ومواقع التواصل: امرأةٌ مدنية تركل رجلًا مسلّحًا خلفه شعار مصرف؛ شابٌ يرفع إصبعه الأوسط لعدسة كاميرا مراقبة؛ شارةُ نصر خلفها نارٌ تحرق إسفلت وسط تجاري فارغ؛ لافتاتٌ بأسماء مسؤولين سياسيين منزوعةٌ عن الجدران؛ شعارُ “العدالة الاجتماعية” يصدح به صوت كاهن مفجوع؛ متظاهرٌ ورجلُ أمن يتجنبّان الاحتكاك بما يشبه التواطؤ الطبقي؛ وغيرها الكثير من اللقطات الموثِّقة للحظة مغايرة لكلّ ما سبقها…

لكن هل تكفي مشاعرُ السخط الجماهيري التي عبّرت عنها جموع لبنانية على امتداد عام كامل لخلق حالة ثورية؟

في الحقيقة هناك من بنى نظريته حول الثورات على هذه الفرضية بالذات. ففي كتاب (Why Men Rebel (1970، يركّز المنظّر الأميركي تيد غور على الجذور النفسية والاجتماعية للعنف السياسي. إذ ينجم “العنف الثوري”، بحسب غور، عن اتساع الفجوة بين الأشياءِ القيّمة والفُرص التي يعتقد الناسُ أنها من حقّهم، والأشياءِ والفرصِ التي يحصلون عليها في الواقع. بمعنى آخر، حين يُحرم الناس مما اعتادوا الحصولَ عليه والتعاملَ معه كحقّ مكتسب، ترتفع قابلية انفجارهم في وجه النظام الحاكم. يسمّي غور نظريته “الحرمان النسبي” Relative Deprivation. وهي تنطبق على لبنان جزئيًا. ففي لبنان سقطت امتيازات الطبقة الوسطى ومعها شبكات الأمان الاجتماعي للطبقتين الوسطى والدنيا. لكن، في المقابل، ظلّ العنف “الثوري” محدودًا. علمًا بأن العنف، بحدّ ذاته، ليس غاية، ولا هو ضمانة لنجاح التحوّل الثوري. بل قد يكون أداة مثلى لـ”الثورة المضادة”. والتحولات التي ضربت انتفاضات “الربيع العربي” شاهد على ذلك.

طيّب، إن كان السخط لا يكفي، فما الذي يمكن أن يدفع الناس إلى إطلاق تحوّل بنيوي في النظام إذًا؟ العالم السياسي الأميركي تشالمرز جونسون (الذي عمل كذلك مستشارًا لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية) ينظُر إلى المسألة من زاوية أخرى. يعتبر جونسون في كتابه الشهير (Revolutionary Change (1966 أن الثورة تستهدف بالدرجة الأساس تغيير التوجهات القيمية في المجتمع. فحين لا تعود القيم التي تقوم شرعيةُ النظام عليها متوافقة مع قناعات قطاعات عريضة من الجمهور، تنفتح هذه القطاعات على قيم بديلة تطرحها حركات ثورية. ذكاءُ النظام ومرونته يسمحان بإجراء إصلاحات تعيد التوافق بين القيم والمجتمع. وتصلّب النظام، في المقابل، يعجّل الاصطدام بالشارع. هل حصل أمر مشابه في لبنان؟ باستثناء “لحظات” شهدت نزوعًا للتفلّت من “القيم” التي يقوم عليها النظام اللبناني (الميثاقي الطائفي)، يصعب القول إن البلد شهد اكتساحَ قيم جديدة غالبيةَ سكّانه. فما زال العصب الطائفي يشدّ قطاعات واسعة من اللبنانيين إلى “ممثليهم” في النظام لأسباب مركّبة، تتضافر في تشكيلها عواملُ عقائدية واقتصادية وأمنية وخلافها. وما زالت قطاعات واسعة غير معنيّة بالنضالات الحقوقية في قضايا الإنماء والجندر واللاجئين والعمّال الأجانب وغيرها.

 السؤال الرئيس الذي لا بد أن تطرحه أي حركة احتجاجية تسعى إلى التغيير الجدي هو: ماذا عن اليوم التالي؟

حالة الاستياء العارم التي كانت موجودة في الأيام الأولى لم تثمر إذًا، بل تمّ ضبطها جزئيًا بعد دعوة “حزب الله” جمهوره إلى الانسحاب من الساحات وتمكّن قوى “نظامية” أخرى من ركوب موجة الاحتجاج والتأثير على إيقاعه، وما تبقّى من هذا السخط لم يسفر سوى عن إسقاط حكومتين (حكومة الحريري مطلع الانتفاضة، وحكومة دياب بعد انفجار 4 آب). أما الفجوة بين “قيم” النظام واللبنانيين، فلم تصل إلى حد يدفع أعدادًا جارفة منهم إلى قلب الموازين.

تبدو، والحال هذه، مقاربة عالم السياسة الأميركي تشارلز تيلي أكثر من منطقية. يقول تيلي في كتابه From Mobilization to Revolution (1978) إن الانخراط في العمل السياسي (سواء كان سلميًا أم عنفيًا)، لا يمكن أن يحصل إلا عبر الانضواء في مجموعات منظّمة تتوافر لها الموارد. وهذا، في الحقيقة، يحيلنا إلى قضية نالت الكثير من النقاش. إذ كثُر الحديث عن عدم الحاجة إلى أي شكل من أشكال التنظيم في عصرنا الرقمي هذا، حيث يمكن لـ”الثورة” أن تكون “ملوّنة” ومستغنية بالكامل عن الرؤية والبرنامج.

وجهة النظر هذه تقوم على فرضية مفادها أن النظريات الكلاسيكية حول الثورة (ما ذُكر أعلاه مجرّد بعضها) لم تعُد تصلح لتفسير الديناميكيات التي ينطوي عليها العالم اليوم. فها هي الحراكات الثورية تأخد شكل ظواهر اجتماعية تمتاز بغياب القيادة leaderlessness وأفقيّة التنظيم horizontalism. حصل هذا في دول المعسكر الاشتراكي أثناء انهياره، وأُعيدت الكرّة في جورجيا (2003) وأكروانيا (2004) وقرغيزستان (2005) وأماكن أخرى من العالم.

لكن “الرومنسية” الشعبوية تلك تغفل حقيقة أن الحراكات التي تمكّنت من إحداث خرق في النظام أو تعديل موازين القوى فيه أو التي تحوّلت إلى ثورة وأطاحت به تمامًا، كانت ولّادة لتنظيمات وقيادات، وخلقت رؤى وبرامج قابلة للحياة، حتى في عالم اليوم. فلنضع جانبًا دول المعسكر الاشتراكي السابق لأن “التغيير” فيها كان مؤقتًا، وسهّله دعم الغرب في سياق صراعه الجيوسياسي مع موسكو. في الدول التي شهدت حراكات احتجاجية واسعة النطاق مع حدّ أدنى من التدخل، كحال حركة “الغاضبون” Indignados في إسبانيا عام 2011 مثلًا، وُلدت أحزاب تمكّنت من خرق النظام (بابلو إيغليسياس، أحد وجوه الحراك، أسس حزب “بوديموس” اليساري عام 2014 الذي أصبح الثاني من حيث أعداد المنتسبين في البلد في غضون سنتين فقط، قبل أن يتراجع في انتخابات 2019).

المراد قوله أن السؤال الرئيس الذي لا بد أن تطرحه أي حركة احتجاجية تسعى إلى التغيير الجدي هو: ماذا عن اليوم التالي؟ كما لخّص سلافوي جيجيك في تعليقه على ثورات 2011 في العالم العربي وحراكات ذاك العام في الغرب (تحديدًا Occupy Wall Street في أميركا).

عودة إلى لبنان. الأكيد أن ما شهدناه كان “لحظةً ثوريّة”، لكنّه، كما امتداداته، لم يكُن “ثورة”. علمًا بأن الانتفاضة، بكل ما فيها من عيوب، ومع كل ما واجهته من ضغوط وإشاعات، غيّرت خطاب الطبقة السياسية، ولو شكليًا حتى اللحظة. وهذه الديناميكية التي تنتجها مبادرات “من تحت” (وَلَو أنها، بداهة، معرّضة للاختراق وللسّطو من قوى داخلية وخارجية)، ستبقى برسم أصحاب العقول المقفلة، القلقة من احتمالات التغيير بالمطلق.

لكن الأكيد في المقابل أن لا تغيير ممكن من دون تشخيص حقيقي ـ لا دعائي ـ للواقع ولموازين القوى فيه. فالثورة المضادة تبني على ضعف التشخيص والتحديد، وتستثمر في الفوضى والتعميم. والولع بالتظاهر، في لحظة عدم الرضى أو الرغبة بالثورة على الواقع، هو فعل خارج السياسة. ومن دون رؤية واضحة (أو برنامج أو لائحة مطالب)، وتنظيم جدي (أو تنظيمات جدية أو عمل جبهوي)، وزخم (لم يعد موجودًا بالقدر نفسه)، وموارد (هذه تحديدًا هي عدة الثورة المضادة اليوم)، فإن الشارع لن ينتج تغييرًا جديًا للنظام.

الفعل الذي يقع في صلب السياسة هو ذاك يوظف الشارع لخدمة أغراضه. وهو ذاك الذي يستند إلى رؤية (أو برنامج ولائحة مطالب) يُجيد أصحابُها التموضعَ حيال قضايا الداخل والخارج، ويستندون إلى معطيات واقعية وإلى عمل جبهوي أو منظم، ويحسبون الموارد وموازين القوى. وبعد ذلك يدركون أن عدم القدرة على قلب النظام لا يعني أن خرقه من أجل تغييره تدريجيًا أمر محال. بل قد يكون أحيانًا عين الصواب.

أما نموذج الكرنفال الذي يجري تعميمه أخيرًا حول معنى “الثورة” في لبنان، فهو “ثورة مضادة” بحدّ ذاته.

 
×