لا يرضى معظم الكرد ومناصروهم بأقلّ من اعتبار القضية الكردية قضية قومية صريحة لا قضية مواطنة فحسب. وهذا يعني أنَّ حلّها يكون بتقرير المصير، اتحاداً أم انفصالاً، لا بمجرد حقوق المواطنة المتساوية وحرياتها.

غير أنَّ المصير وتقريره أخطر من يُربطا بالقوى الكبرى ويُترك لتلاعباتها التي تتبدّل بتبدّل وجهات مصالحها. كما أنّه أخطر من أن يُترك لتقديرات نخب قومية قد لا تدرك السياقات وتوازنات القوى المحلية والإقليمية والدولية والتكتيكات والتحالفات وحساب اللحظة المناسبة… إلخ.

أظهرت هذا الأمر في السنوات القريبة الماضية تجربتان كرديتيان، في العراق وسوريا، أدّتا، بسبب من سياسات النخب الكردية القائدة على اختلافها في البلدين، إلى تراجع القضية الكردية تراجعاً شديداً.

في عام ٢٠١٧ تحوّل الاستفتاء الذي جرى في كردستان العراق وافتُرض به أن يكون خطوة باتجاه الدولة الكردية إلى خطوة بالعكس، نظراً إلى رفض أنظمة المنطقة وأقسام واسعة من شعوبها والمجتمع الدولي، وعلى رأسه حلفاء القيادة الكردية، هذه الخطوة. ما أدّى إلى خسارة الكرد كثيراً مما كانوا قد كسبوه في العراق من عام ١٩٩١ إلى اليوم.

وفي سوريا، تمكّن “حزب الاتحاد الديمقراطي” و”وحدات حماية الشعب” المرتبطة به من السيطرة على مناطق واسعة شرق وشمال شرق البلد، وساهما مساهمة كبيرة في مواجهة إرهاب داعش ودحره، ووطّدا علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي في الحرب على “داعش”. لكنَّ ذلك كلّه ترجرج واهتزّ وعرّض للخطر ما تحقق من حكم ذاتي، ما إن أعلن الرئيس الأميركي نيّته سحب قواته من سوريا.

ثمة لَبْس تثيره في بعض الأحيان ممارسة بعض النخب الكردية وتصريحاتها بخصوص تقرير المصير

واضحٌ أنَّ ثمة “مفارقة” هنا بين تحول الكرد اليوم إلى قوة جديدة يُحسب لها حساب بعد حرمان طويل وبين تراجع قضية الكرد القومية على الرغم من التحالف مع أعتى القوى الدولية وأقواها. وذلك على نحو يذكّر بقوى المعارضة العربية، لا سيما الليبية والسورية، التي تناسب تقدّم قضيتها عكساً مع قوة حلفائها.

ومن الطبيعي أن تستدعي هذه “المفارقة” إمعان النظر لا في الرهانات السياسية للنخب الكردية فحسب، بل في رهاناتها الفكرية والنظرية أيضاً: وهي رهانات جرت عليها تحولات لافتة في عصر ما بعد الحداثة والعولمة، أقلّها التحول من فكرة نضال شعوب المنطقة المشترك بغية تحررها جميعاً إلى اعتبار القوى العالمية الكبرى سنداً وحليفاً في حلّ القضية الكردية. وليس المقصود بالنضال المشترك هنا عدم الاعتراف بتباين القضايا بين شعب وآخر، ولا أنّ تحرر الجميع يتم في لحظة واحدة تقتضي انتظار الابطأ تقدّماً، بل تعني تبيّن الترابط بين هذه الشعوب وقضاياها، بما يجعل نضالها المشترك أسرع السبل وأنجعها في الحقيقة على عكس ما بدا للنخب التي تبلغ الآن نهاية الشوط في توهماتها. وفي مثل هذه الحالات يغدو النقد الصريح ضرورة، وهو هنا نقدٌ يتناول عدداً من الأسس المفهومية المختلّة التي ارتكزت إليها سياسات النخب الكردية وتحالفاتها.

أشير، بدايةً، إلى أنَّ النخب الكردية كانت خلال الفترة الماضية من بين أكثر الجهات استخداماً لمفردة “المكوّنات” في قراءتها البنية المجتمعية. وقد وضعت المكوّنات الطائفية والقومية على قدم المساواة، الأمر الواضح في موافقة النخبة الكردية العراقية على “الديمقراطية التوافقية”، أي ديمقراطية ممثلي الطوائف والإثنيات، وفي ما تبديه النخبة الكردية السورية من ميل إلى الموافقة على مثل هذه الديمقراطية في سوريا. يقول صالح مسلم: “في سوريا أقليات، إسماعيليون وعلويون ودروز وشيعة وسنة، وهناك أكراد وعرب وتوركمان، لذلك فإن الحل الذي يجلب الاستقرار للبلاد يجب أن يقوم على اللامركزية”. ولا تخفي تصريحات بعض الأنصار على وسائل التواصل الاجتماعي أنّ “لا حلّ في سوريا الا بكيان للسنّة وآخر للكرد وثالث للعلويين ورابع للمسيحيين وخامس للدروز… ويمكن من ثم أن تتفدرل هذه الكيانات”، في خلط شنيع للقومية الكردية مع مذاهب دينية والتعامل مع العرب كأنَّ لا قضية قومية لهم وليسوا أمّة كالكرد، بل مجرد طوائف. والحال إن ديمقراطية الطوائف هذه هي في العراق اليوم من أكبر العقبات الكأداء في وجه قضية الكرد القومية.

إذا ما كان الأميركيون قد أطالوا خداع معارضين سوريين أكثر من خمس سنوات، فإنّ أوهام النخبة الكردية السورية لم تَدُمْ سوى أيام قبل أن توافق أميركا على دخول الأتراك الأراضي السورية عام ٢٠١٦

ثمة لَبْس تثيره في بعض الأحيان ممارسة بعض النخب الكردية وتصريحاتها بخصوص تقرير المصير. ذلك أنَّ “تقرير المصير”، انفصالاً أو اتصالاً، حتى في فهمه الليبرالي الذي عبّر عنه وودرو ويلسون وتبنته الأمم المتحدة، إنّما يتمّ باستفتاء السكّان المقيمين في المنطقة المدّعاة حتى لو كانوا من قومية واحدة، وفي حال الاتحاد يكون السكّان في بقية البلد معنيين بشكل الاتحاد وحيثياته قبولاً أو رفضاً. ولا يُفْرَض في الحالين أيّ شيء بالاستيلاء والضمّ -كما بدا في محاولة إقامة كوريدور بين كوباني وعفرين أو ضمّ الرقة وما تصل إليه البنادق- ولو كان ذلك في سياق مكافحة الإرهاب.

زاد هذا اللبْس لبساً مراهنة النخب الكردية على القوة الأميركية في دعم قضيتها القومية، وهي قوة تحول بنيتها وموقعها دون أن يُرتَجى منها أيّ خير في مثل هذه المسائل، ولو أظهرت عكس ذلك. وهذا ما زكّى ويُزْكي الوهم الخطير الذي سبق إليه معارضون عرب وسوريون: وهم استغلال المرء أميركا وتوظيفها لخدمته. وإذا ما كان الأميركيون قد أطالوا خداع معارضين سوريين أكثر من خمس سنوات، فإنّ أوهام النخبة الكردية السورية لم تَدُمْ سوى أيام قبل أن توافق أميركا على دخول الأتراك الأراضي السورية في عام ٢٠١٦ للحيلولة دون قيام كيان كردي، ثمّ تتأهّب هذه الأيام لسحب قواتها من سوريا.

لقد سبق حتى للسفير الأميركي السابق في سوريا، روبرت فورد، أن أشار في أواسط ٢٠١٧ إلى أنَّ “الأكراد سيدفعون غالياً ثمن ثقتهم بالأميركيين”، ذلك أنَّ “الجيش الأميركي يستخدمهم فقط لقتال “داعش” ولن يستعمل القوة للدفاع عنهم ضد قوات النظام السوري أو إيران وتركيا”. ولم يمرّ وقت طويل قبل أن يعترف صالح مسلم في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية بأنَّ “التفاهمات التركية الأميركية مؤامرة حصلت على الأكراد”. وقال “سبق أن حدثت مؤامرة على عفرين وتم السماح بتسليمها للأتراك مقابل رحيل فصائل مسلحة عن الغوطة الشرقية … والآن هناك اتفاق أميركي – تركي حول منبج”. واتهم مسلم الولايات المتحدة بالتفريط بالمناطق التي سيطر عليها المقاتلون الأكراد … مقابل “مصالح تنتزعها من تركيا، ربما مقابل مناطق أخرى في سوريا أو خارجها… وفي هذا ظلم كبير لنا”. أمّا الدرس الذي يستخلصه مسلم من ذلك كلّه فهو المزيد من مواصلة الشيء ذاته: “كل شيء وارد … وتحالفاتنا قد لا تتوقف عند دولة بعينها … كنا نأمل أن تكون الأمور مختلفة… ولكن حدث ما حدث، وبالنهاية نحن لا نتحكم بالقرار الأميركي… الأميركيون يقررون حسب مصالحهم، وبالمثل نحن أيضا لنا تحالفاتنا التي تحددها مصالحنا، لسنا عبيداً أو خدماً لأحد… لنا سياساتنا، وإذا توافقت مصالحنا مع الأميركيين فسنسير معهم… وإذا توافقت مع الروس فسنسير معهم، وإذا توافقت مع الرئيس الأسد فسنسير معه”.

 
×