الصورة تحفة بصرية، امرأة بلباس تقليدي أبيض، يتدلى من أذنها حلي بلون ذهبي أشبه بقرص الشمس. شعاع الضوء عامودي متناسق مع جسد المرأة التي تقف في مكان مرتفع، ترفع إصبعاً الى العالي. إنها جميلة، جميلة وثائرة. إنها من السودان المنتفض على حاكم ظالم وفاسد. امرأة جميلة، من بلد فقير ومحافظ، رمز لثورة ضد رجل أطبق على حياة الناس. المرأة تثور هنا على الواقع السياسي والاجتماعي، وتبدو في الصورة كأنها تقود الثورة.

الصورة ساحرة، تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي والاعلام التقليدي، تحتل بسرعة البرق عدداً لا يُحصى من الصفحات الخاصة الإلكترونية، وهي أيضاً تحولت الى غرافيتي على جدران في سوريا وغيرها. هي صورة لها فعل عشرات بل مئات التحاليلات والمنشورات والخطب والمقالات والريبورتاجات، وأكثر: لها فعل تحويل هذه الثائرة إلى أيقونة، وهنا تحديداً مكمن الخطأ.

الثائرة السودانية هي واحدة من شخصيات كثيرة في العالم العربي، خرجت مع الجموع منذ عام 2011 تحملها إرادة التغيير وتحديد مصيرها، ويقودها الإيمان بأن ثمة غدًا آخر ممكن، وهذا الغد لا مكان فيه لأنظمة يرفضونها. حملت التظاهرات التي اجتاحت أكثر من بلد عربي الكثير من البريق، أعادت الحياة الى ساحات كانت قد بدت ضامرة صامتة، أعادت إلى الأذهان عملية إدراك بسيطة مفادها أن الشعب “يريد الفعل” وأنه قادر على تحقيقه. هذه التظاهرات، بما فيها من حيوية وإرادة وعزم، أبهرت شعوباً ودولاً كثيرة كانت قد اعتقدت أن العقل والفعل العربي مرادفان لتعبير الاستكانة والاستسلام، أو الإرهاب وفق قواميس وسائل إعلامية دولية.

في هذه الأسلبة ما هو مضاد للثورة وللتغيير، حيث الثائر يحمل أسئلة المجموعة التي ينتمي اليها ويناضل معها، حيث الخطأ والتعثر والنهوض والوجع والفوز والخسارة من أدوات العمل، والأهم حيث أنه بشر لا صور

انكسر “الستريوتيب” ليُخلق آخر، ثمة من خرج في هذه الجموع وهو يصلح لأن يتحول إلى أيقونة باستخدام إعلامي. الأيقونة لها وظيفة يُحددها مسار استخدامها، لا سؤال عما سبق الصورة، عن المسار الذي سلكه هذا الثائر وصولاً الى لحظة التقاط الصورة. الصورة تنزع عن المتمرد إنسانيته، قلقه، أسئلته. تحوله إلى “موديل” جميل، تمحي مشروعه، فيصبح فقط مادة للاستخدام وفق المعايير التي تُناسب الأقوى في صناعة الإعلام والرأي العام، الأقوى في القدرة على النشر على امتداد مساحات أكبر من هذه الكرة الأرضية. أما الأفراد- الثوار، موضوع الصورة، فإما أن يتماثلوا مع الإطار الذي وضع لهم أو يُرمون مجدداً في غياهب النسيان.

في هذه الأسلبة ما هو مضاد للثورة وللتغيير، حيث الثائر يحمل أسئلة المجموعة التي ينتمي اليها ويناضل معها، حيث الخطأ والتعثر والنهوض والوجع والفوز والخسارة من أدوات العمل، والأهم حيث أنه بشر لا صور. بشر قد يحيد عن مساره ويستسلم، بشر قد تكون أولوياته مناقضة لكل الخطاب الإعلامي الدولي، بشر يعرف حدوداً لمعركته مع السلطة هي حدود عدم هدم الدولة، أو بشر يبدع في اجتراح أساليب مواجهة غير تقليدية وغير معروفة مسبقاً، أو بشر في هم الانتماء الى الـ”نحن” في الفعل الثوري، أو بشر في صيغة الاندفاع لما يفوق قدرته على التفكير والتحقيق. أي أنه بشر قد يصلح للقيادة أو للتحول إلى رمز، وقد لا يصلح لها من دون أن يقلل ذلك من شأنه كإنسان رافض لواقع ظالم.

في عملية الأسلبة التي ترمز إليها الصورة- الأيقونة يكمن جزء من فشلنا في التغيير، إضافة إلى عوامل أخرى كثيرة قادت معظم التحركات منذ عام 2011 إلى مسار انحدار لا قرار له في الأفق المنظور.

بعد حرب الخليج الأولى صدر كتاب جان بودريار الشهير “حرب الخليج لم تقع”، في إيحاء إلى تحويلها إلى حرب دائرة على شاشة شبكة الـ”سي أن أن”. وبهذا المعنى يندرج التوظيف “النيو إعلامي” للصورة- الأيقونة سالباً لها، فتصير التظاهرة وكأنها لم تقع إلا من خلال ثقوب التعاطي الإعلامي معها.

في كل وسائط الإعلام، الصورة-الأيقونة صارت لوحة إذاً. لكن اللوحة، أي لوحة، في تعريفها بكل قواميس اللغوية والسوسيولوجية إنما هي حبيسة التأطير، مفعول به لا فاعل، لا سيادة لها على “أناها”، مُسيرّة لا صاحبة خيار وسيطرة على غدها ولا حاضرها، ولا هي حرة بما تحلم به. اللوحة أسيرة الكادر الذي يطبق على أجنابها، الكادر يُحدد المساحة التي تحتلها ويحدها، ويسمح في تسميرها بأمكنة يختارها آخر.

اللوحة تُحفة للعرض وليست فاعلًا ثائرًا، فيما الثورة والتغيير مشروع للحياة ولحرية “الأنا” في التفكير بمصيرها وبمصير الجماعة التي تنشط من أجلها.

المزيد من هذا المؤلف

 
×