نور م.

في الحقبة الناصرية، شهدت السجون المصرية وافدين من التيارات السياسية كافة، من شيوعيين وإسلاميين وغيرهم. وتعرض مثقفون وكتّابٌ للاعتقال، شأنهم شأن عديد من التنظيميين والحركيين المنخرطين في العمل السياسي المباشر.

لم يختلف وجه النظام القمعي في مصر وآلياته في العقاب والتوجيه المباشرين، منذ ستينيات القرن الماضي، وصولًا إلى العقود التي تلتها. ظلّت السلطة تستثمر في المتاح لديها من أشكال التخويف والتحريض والتعبئة، لتوجيهه ضد المعارضة والقوى المدنية بغرض تثبيت سلطويتها. وظلت تعنى بالحفر في وعي المواطنيين لتحويلهم إلى مجرد دمىً بشرية يسهل تطويعها ونفي وجودها، وإلا حوّلتهم إلى جثة في قبضة الجلاد.

في كتاب الدكتورة بسمة عبد العزيز، الطبيبة النفسية والفنانة التشكيلية، المعنون “إغراء السلطة المطلقة”، تكشف الكاتبة عن كيفية تشكّل علاقة الشرطة بالمواطن في مصر، والأخيرة عبارة عن تاريخ عنف مارسته بعشوائية أحياناً، وانتظام أحياناً أخرى، مختلفُ الأجهزة الأمنية ضد المواطن، سواء كان مسيّسًا أم غير مسيّس.

يمثل الكتاب وثيقة مهمة ومرجعاً لهذا التاريخ الشاق، الذي يكشف بدقة ووضوح شديدَين دور من أسندت لهم الأنظمة السياسية المتلاحقة على حكم مصر الدورَ الأساسي في تثبيت أركان حكمها، ومواجهة من يهدد وجودها أو ينافسها على شرعيتها القسرية.

ثمة حكم قسري خضع له المصريون في فترات تاريخهم المتعددة، بمعزل عن اختلاف سياقها الاجتماعي، وخطابها السياسي والأيدولوجي، ومعاييرها الحاكمة للوضعين المحلي والإقليمي. بيد أن السجن والتعذيب وسحق أي محاولات للتمرد والتغيير والمعارضة ظلت قاسمًا مشتركًا بين هذه الفترات. من هنا، فقد مثّلت ثورات “الربيع العربي” بالدرجة الأساس ردة فعل من المواطن على الخوف من الشرطي وممارسات المنظومة الأمنية عمومًا، ورغبة في التحرر منها.

في فصول الكتاب، نطّلع على المؤسسة الأمنية المصرية الأقدم في التاريخ وبدايات نشأتها وأداء جهاز الشرطة فيها، منذ أن كان جهازًا للأمن الداخلي في عهد الأسرة الأولى في مصر القديمة، مرورًا بتأسيس ديوان الوالي في عهد محمد علي، وصولًا إلى تدشين نظارة الداخلية، التي ما لبثت أن أصبحت “وزارة الداخلية” بعد إعلان الحماية البريطانية.

وقد لحقت بالجهاز الأمني وهيكله الإداري تطورات عدة، ناهيك عن تعديلات في طبيعة مناهجه الدراسية منذ ثورة 23 يوليو/تموز 1952. لكن ذلك كلّه اعتمد على المنطلقات والوسائل ذاتها التي تقوم على صناعة ذراع أمني قوي، بمقدوره الهيمنة وإخضاع الآخرين والتصدي لمحاولات التمرد على السلطة. وعليه، فقد قامت المنظومة الأمنية بوضع فلسفة أمنية عقابية، عالية الفعالية، لتشكيل آلياتٍ للضبط الاجتماعي.

ظهر التحرش الجنسي الجماعي بالمتظاهرات، كوسيلة قمع، منذ العام 2005، في نقابة الصحافيين، وهو ما منح مبررًا للعديد من جرائم التحرش الجنسي الجماعي، كما ظهر لاحقاً

أفضى التعذيب في السجون المصرية إلى حالات قتل، كحال شهدي عطية الشافعي، أحد رموز الحركة اليسارية في الستينيات، ناهيك عن قمع الحركة العمالية ممثلة بإعدام عاملين من كفر الدوار، في محاكمة صورية، هما خميس والبقري، بعد شهور من انطلاق حركة “الضباط الأحرار”. ومن الحالات المسجّلة في عهد مبارك، موتُ جندي مصري في ظروف ملتبسة، بعدما أطلق النار على إسرائيليين عبروا الحدود أثناء وقوفه حارساً للمنطقة الحدودية، ولم يمتثلوا لتوجيهاته الأمنية بعدم العبور. أما في الحقبة الحالية، في عهد السيسي، فقد وصلت حالات القتل في السجون إلى ذروتها، وبلغت حالات التعذيب المبلغ عنها آلافًا عدة.

وتعد فترة السادات أقل حدة عن سابقتها من الناحية الأمنية، خاصة في ما يتصل بالتعاطي مع الخصوم السياسيين، وهو أمر نُفذ بغرض تغيير الانطباع السائد إبان فترة حكم عبد الناصر، والتأكيد على جملة القيم المتصلة بالحريات التي روّج السادات لها، والتي ترافقت مع “انفتاحه الاقتصادي” وتحريره الأسواق. بيد أنه استحدث مجموعة من القوانين التي ساهمت في تقييد المعارضين وسهّلت سجنهم.

لاحقًا، أصبح دور الجهاز الأمني في عهد مبارك يتمثل بردع المواطنين وإذلالهم، الأمر الذي يتماثل مع جوهر أداء وسلوك أفراده في عهد السيسي، إذ باتت حوادث العنف والتعذيب والقتل منهجية، لا فردية أو استثنائية. وبدأت ممارسات التعذيب للحصول على الاعترافات من المواطنين تتكشف، وتظهر معها الأدلة الملفّقة.

وتشير عبد العزيز إلى وجود تحول كيفي وكمي للعنف، وقد اتسعت دائرته خارج أسوار القسم وأماكن الحجز، ليشمل الشارع والمنازل وأماكن العمل، فضلًا عمّن يحيط بالأفراد المطلوبين، الذين يطالهم الأذى عبر القمع والضرب، والعنف المعنوي، وتهديد أمنهم، وإتلاف ممتلكاتهم أو نهبها.

كذلك، فقد ظهر التحرش الجنسي الجماعي بالمتظاهرات، كوسيلة قمع، منذ العام 2005، في نقابة الصحافيين، وهو ما منح مبررًا للعديد من جرائم التحرش الجنسي الجماعي، كما ظهر لاحقاً في أعياد عامي 2008-2009.

ووقع الأمر نفسه، في الأربعاء الأسود يوم 25 مايو/أيار 2016، أمام نقابة الصحافيين المصرية، حيث تم سحل عدد من الصحافيات وتمزيق ملابسهن والتحرش بهن من قبل مجموعة من البلطجية، بعدما استعانت بهم قوات الشرطة.

وفي لحظة استثنائية في تاريخ مصر، إبان ثورة 2011، فضح تصريح لوزير العدل بعد الثورة، المستشار محمد عبد العزيز الجندي، استعانة الأجهزة الأمنية والداخلية على وجه التحديد بالبلطجية، حيث أكد وجود 450 ألف بلطجي مرتبطين بمختلف أجهزة وزارة الداخلية، منهم 69 ألفا مرتبطين بجهاز “مباحث أمن الدولة” وحده.

أما عن طريقة تشكيل وعي ضابط الشرطة وخريطته النفسية، ونوعية الدراسة التي يحصل عليها، فيشير الكتاب إلى حشو رأس هذا الضابط بأدوار ومهام منوطة به، وآليات لتحقيقها. يُضاف إلى ذلك تأكيد على مكانته “المميزة” وغير العادية داخل المجتمع.

ففي كلية الشرطة يُصوّر الطالب أنه فوق الجميع، فقط بسبب انتمائه لجهاز الشرطة، كما يُهان الطلبة ويتعرضون للإذلال، وهو ما يرتدّ على شاكلة قهر يمارسه هؤلاء بعد ذلك ضد كل من هو “أدنى”.

في كتابها “إغراء السلطة المطلقة”، تشير عبد العزيز إلى مشهدية تعد مفتاحية في فهم عقلية رجل الشرطة في مصر، الذي يكون أول تدريب له بعد وصوله إلى قسم الشرطة قائمًا على يد الضابط الأقدم منه، الذي يصطحبه إلى مكان الحجز الذي يقبع فيه الموقوفون، ثم تبدأ “حفلة” ضرب للمساجين، ويُطلب منه المشاركة الفورية، فيقف الضابط الصغير أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الإحجام عن المشاركة، فيصبح محل سخرية ويُتّهم بالضعف، أو المشاركة لنيل ثقة المحيطين به.

المزيد من هذا المؤلف

من أين يأتي الأمل في قَفْر؟

 
×