في حزيران/يونيو 2009، وطأت قدما الرئيس الأميركي باراك أوباما أرض المملكة العربية السعودية للمرة الأولى. كانت الزيارة جزءًا من جولة أوسع في المنطقة، أراد أوباما من خلالها إعادة ضبط علاقات بلاده بالدول والشعوب الإسلامية بعد سنوات من حكم بوش الابن وحربه على الإرهاب، التي ربطها بعض أركان إدارته بالإسلام إثر هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. توّج أوباما جولته الإقليمية تلك بخطاب ألقاه في جامعة القاهرة بعنوان “بداية جديدة”، تضمن مديحًا للدين الإسلامي واعترافًا بدوره في الحضارة الإنسانية، ففرّق بين الإرهاب والإسلام، ودعا إلى التعاون والانفتاح في شتى المجالات بين الدول الإسلامية والولايات المتحدة.

ورد ذكر السعودية 34 مرة في كتاب أوباما الجديد، “الأرض الموعودة”، مقارنة بإيران التي ذكرها 59 مرة. بمراجعة المواضع المتعلقة بالسعودية في الكتاب، تبرز لغة شديدة السلبية استخدمها أوباما حيال الرياض، وذلك ربطًا بنمط التدين السعودي وقمع الحريات وانتهاكات حقوق الانسان ونشر التطرف ومعارضة التغيير السياسي في الداخل وفي العالم العربي كما برز في العام 2011 في مصر والبحرين بالتحديد.

يقول أوباما في كتابه إنه إثر اندلاع الاحتجاجات في مصر عام 2011، رغب بعض قادة الدول معرفة السبب وراء عدم دعمِ إدارته نظامَ حسني مبارك بقوة أكبر. أصرّ نتنياهو (بيبي كما يسميه) على أن الاستقرار وبقاء نظام الحكم في مصر هما المسألتان الأكثر أهمية، وإلا “فسترى إيران هناك خلال ثانيتين”. أما الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز فكان أشدّ تحذيرًا. يشير أوباما إلى أن الملك أخبره أن انتشار الاحتجاجات في المنطقة يشكّل تهديدًا وجوديًا للعائلة الملكية التي لطالما أخمدت أيّ شكل من أشكال المعارضة الداخلية. خاطب عبد الله أوباما قائلًا إنه يعتقد أن المتظاهرين لا يحتجّون من تلقاء أنفسهم، بل ثمّة أربع جهات تقف خلف تحركهم في الشارع: “الإخوان المسلمون” و”حزب الله” و”القاعدة” و”حماس”. يعلّق أوباما على موقفَي نتنياهو وعبدالله بالقول إنهما لا يصمدان أمام الفحص والتدقيق، إذ كيف يكون لإيران و”حزب الله” دور في تحريك الشارع فيما الغالبية المسلمة في مصر سنية، مضيفًا أن تأثير “القاعدة” و”حماس” في مصر فرضية لا دليل عليها.

آثر الملك الصمت خوفًا من حصول سوء تفاهم حين طلب منه الرئيس الأميركي أمرين: دور سعودي وعربي في دفع محادثات “السلام” بين الفلسطينيين وإسرائيل، والنظر في احتمال نقل بعض سجناء “غوانتنامو” إلى السعودية

يقدّم أوباما في الكتاب موجزًا حول المملكة السعودية التي نشأت بتحالف بين آل سعود والوهابية، ثم سرعان ما تمددت إلى الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، ما منح حكام السعودية منصة للتأثير على المسلمين حول العالم. لاحقًا جرى اكتشاف النفط الذي أدى إلى بروز ضغوط التناقضات بين نمط حياة شديد المحافظة يشبه ما شهدته القرون الوسطى وبين عالم الحداثة. يقول أوباما إنه تساءل مرارًا عمّا إذا فكّر السعوديون في مراحل ما باستغلال ثرواتهم لمحاولة انتاج إسلام أكثر تسامحًا وحداثة. لكنه يستبعد ذلك لأن حكام السعودية كانوا خائفين أن يجرّ الإصلاح الديني “إصلاحات سياسية واقتصادية غير مرغوب فيها”. كما أن انتصار “الثورة الاسلامية” في إيران دفعت حكام المملكة إلى تعزيز تحالفهم مع المؤسسة الدينية الوهابية المتشددة لضمان استقرار النظام ونشر نموذج الإسلام الذي تقدّمه حول العالم الإسلامي، وهو ما جعل الأصوليين أكثر قوة. هذا الموقف السعودي أدى إلى صعود حركة أصولية فوق ـ وطنية تحتقر التأثير الغربي وتشكك في “الغزل” السعودي تجاه الولايات المتحدة وتعمّق التطرف بين الشباب المسلم كما كان الحال مع أسامة بن لادن.

تبدأ رواية أوباما عن السعودية منذ أن حطت طائرته في مطار الرياض واتجه إلى مزرعة الملك عبد الله خارج العاصمة. ملاحظته الأولى تمحورت حول خلو مراسم الاستقبال من الأطفال والنساء واقتصارها على “صفوف من الرجال ذوي الشوارب السوداء” بالزي العسكري والتقليدي. فور انطلاق الموكب، ظهرت لأوباما الطرق الحديثة والمباني الضخمة والمساجد ومعارض السيارات الفخمة. كلّ ذلك دفعه إلى الالتفات نحو الفارق الكبير بين الإسلام بنسخته السعودية وذاك الذي تعرّف عليه في إندونيسيا حين كان طفلًا، حيث كان الإسلام بارزًا ولكن ليس مهيمنًا، كما هي حال المسيحية في الولايات المتحدة. المقارنة كانت من حيث نمط الحياة، فالمسلمون في إندونيسيا يؤدون العبادات ويقيمون المناسبات الدينية، ولكنهم خارجها لا يختلفون عن أقرانهم المسيحيين والهندوس وغير المؤمنين.

وصل أوباما إلى “المزرعة” فأدهشته مظاهر الفخامة فيها، وهو ما دفعه إلى التعليق قائلًا إن تسميتها بالمزرعة تحتاج إلى تصويب، “فالمجمع السكني بدا أقرب إلى فندق على مستوى “الفور سيزونز” في وسط الصحراء”. ويبدو أن السعوديين سعوا جاهدين إلى إبهار ضيوفهم وسحرهم باستعراض معالم البذخ والثراء والحداثة والتطوّر في البنى التحتية والعمران والتجهيزات، بما يقلل من التفاتهم إلى النمط السياسي والاجتماعي المحافظ داخل المملكة. يقول أوباما إنه قرر اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا تجاه قضايا حقوق النساء في المملكة، بعكس المقاربة الأميركية التقليدية، على الرغم من قبوله بواقعية التحالف مع المملكة والدول المماثلة لخدمة الأمن القومي الأميركي، وإنه يدرك أن إدارته لن تتتمكن من تحويل الشرق الأوسط إلى “واحة من الديمقراطية”، لكن ثمّة ما ينبغي القيام به لتحفيز التقدّم نحوها. وكي يضمن أوباما هامشًا أوسع تجاه مصالح الحكم السعودي، يذكّر أنه صمّم إستراتيجية طاقوية، واحدة من أهدافها تتمثل بتحقيق الاستقلالية عن النفط السعودي.

بادر أوباما بالسؤال: “أرجو منك ألا تمانع جلالة الملك أن أسألك كيف تدبّر أمورك مع اثنتي عشرة زوجة؟ فأجابه الملك مع هزة رأس “بشكل سيء جداً، الوضع معقد أكثر من سياسات الشرق الأوسط”

بالعودة إلى “المزرعة”، افتتح الملك السعودي الحديث بالتأكيد على الصلات التاريخية بين البلدين وامتدح الفكرة الأساسية لخطاب أوباما المرتقب في القاهرة بعد ساعات، وأكد أن الإسلام دين سلام، مشيرًا إلى “دوره الشخصي في تقوية الحوار بين الأديان”. ثم أوضح لأوباما أن المملكة ستنسق مع مستشاريه الاقتصاديين للتأكد من أن أسعار النفط لن تعيق التعافي من الأزمة المالية الاقتصادية العالمية. إلا أن الملك آثر الصمت خوفًا من حصول سوء تفاهم مع الرئيس الأميركي حين طلب الأخير منه أمرين: دور سعودي وعربي في دفع محادثات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، والنظر في احتمال نقل بعض سجناء “غوانتنامو” إلى السعودية.

لاحقًا، انتقل الطرفان إلى مأدبة غداء وصفها أوباما بالمدهشة لفرط ما فيها من صنوف الطعام. أثناء المأدبة حاول الملك فتح نقاش عائلي معه، سائلًا إياه عن أحوال أسرته فأجابه بأنهم يحاولون التكيّف مع الإقامة في البيت الأبيض. وهنا سارع الملك السعودي إلى ذكر أن لديه اثنتي عشرة زوجة وأربعين ولدًا وعشرات الأحفاد (يضع أوباما هنا جملة اعتراضية للتشكيك بمصداقية الملك، إذ يذكر أن التقارير الإخبارية تشير إلى أن للعاهل السعودي ما يناهز ثلاثين زوجة). بادر أوباما عند هذه اللحظة بالسؤال: “أرجو منك ألا تمانع جلالة الملك أن أسألك كيف تدبّر أمورك مع اثنتي عشرة زوجة؟ فأجابه الملك مع هزة رأس “بشكل سيء جداً. دائماً ما يغرن من بعضهن البعض، الوضع معقد أكثر من سياسات الشرق الأوسط”.

عاد أوباما إلى جناحه مع فريقه لاستكمال كتابة خطاب القاهرة. وإذ به يجد بانتظاره حقيبة تحوي “عقدًا طوله يعادل نصف طول سلسلة الدراجة الهوائية مزينًا بياقوت ولآلىء تُقدّر قيمتها بمئات آلاف الدولارات ومعه خواتم وأقراط تليق به”. سارع أحد الحاضرين إلى إخبار أوباما أن أعضاء الوفد الأميركي وجدوا في غرفهم ساعات باهظة الثمن متروكة لهم أيضًا. علّق أوباما قائلًا إن أحدًا على ما يبدو لم يبلّغ السعوديين أنه ممنوع على الوفد الأميركي تلقي الهدايا. هذه الحادثة أثارت في ذهن أوباما، وفق زعمه، مسألتين: الأولى تتصل بعدد القادة الآخرين الذين لا يوجد ما يحول دون تلقيهم هدايا مماثلة، وكذلك بما يمكن أن يكونوا قد حصلوا عليه أثناء زيارة المملكة. والثانية ترتبط بعدد الشباب المسلمين في جوار السعودية من اليمن إلى مصر والعراق والأردن وصولًا إلى أفغانستان وباكستان، الذين لن توازي أجورهم مدى الحياة قيمة العقد الذي بين يديه، ليستخلص: “انشر التطرف بين 1% فقط بين هؤلاء الشباب وسيكون لديك جيش من نصف مليون شخص جاهزين للموت سعيًا للمجد الأبدي، أو ربما لتذوق شيء أفضل فقط.”

ما تقدّم يمكن أن يوضح لنا صوابية مخاوف الحكم السعودي من وصول نائب أوباما جو بايدن إلى سدة الحكم في البيت الأبيض في 20 كانون الثاني 2021، أي بعد أسابيع قليلة. وما يفاقم من المأزق السعودي أن “الديمقراطيين” يرون أن الحكم السعودي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى جزء من الانقسام الأميركي الداخلي المحتدم بسبب دعمهم غير المحدود لدونالد ترامب، وهم لذلك يتحينون الفرصة لـ”معاقبة” حكّام الرياض، من دون أن يعني ذلك تعريض العلاقة بين البلدين إلى اهتزاز، بل لعلّ الهدف يتمثّل بإعادة إنتاج العلاقة وفق أسس جديدة. سننتظر زيارة “الرئيس” بايدن الأولى إلى المملكة، وفي أذهاننا الجملة التي يوردها أوباما بعد نزوله من الطائرة إلى أرض مطار الرياض عام 2009: “لقد أدهشني كم كان ذلك المكان المعزول مقموعًا وحزينًا، كما لو أني دخلت فجأة إلى عالم حيث كل الألوان فيه قد أُسكتت”.

المزيد من هذا المؤلف

 
×