لا يُفترض أن يكون عبد الباسط الساروت الذي قضى في معركة مع الجيش السوري في ريف حماة عنوانًا جديًا للاشتباك أو الجدل. بداهة، ثمة من يرى فيه أيقونة ثورية، وثمة في المقابل من يعتبره “جهاديًا” متطرفًا. لو لم يكُن هناك صدع سوري تبدو معه الملائكة شياطين في عيونٍ والشياطين ملائكة في أخرى، لما غرق نصف مليون سوري في دمائهم على امتداد نزاع عمره ثماني سنوات حتى الآن.

وليس مردّ التباين المهول بين النظرتين إلى الساروت اختلافًا جذريًا في الموقف السياسي بين أصحاب النظرتين فحسب. بل إن جانبًا من الأسباب يتصل بمسار الشاب نفسه، والظروف التي حكمت تَشَكُّل شخصيته، منذ أن بدأ منشدًا في التظاهرات الاحتجاجية قبل أن يتجاوز سنّ العشرين، مرورًا بحمله السلاح وتراوح شعاراته لاحقًا بين استحضار نوستالجي لمدينته حمص التي هُجّر منها، وبين دعوات ظهرت، في أوج حماسته، لإبادة العلويين واجتثاث المسيحيين، وترافقت مع تمجيده وثلة من رفاقه دُرّة هجمات “القاعدة” في ١١ أيلول/سبتمبر، ومبايعته، مضطرًا كما يقول، فرانكشتاين “الجهاديين” البازغ يومها، “داعش”.

طبعًا، حين نتحدث عن الظروف التي شكّلت شخصية الساروت وحدّدت شكل المنعرجات التي مرّ بها، لا بدّ من الإشارة إلى أن أربعة من أشقائه، وفق مصادر المعارضة، قُتلوا على أيدي قوات “النظام”، ولحق بهم أو سبقهم عدد من أخواله أيضًا، ومع هؤلاء لا ريب أن المئات من رفاقه قضوا جوعًا أو قصفًا أو تنكيلًا في المعتقلات (ومنهم من مارس القتل بدوره). صعب ألا تتمدّد، والحال هذه، الشياطين في شخص الساروت على حساب الملائكة.

لكن لبّ الجدل، إن كان لأي جدل من معنى اليوم، لا يتصل بظروف “حارس الثورة” الشخصية هذه بقدر ما يرتبط بتعامل “الآخرين” مع ما يمثّله. فلنوسّع العدسة قليلًا، ولنسلّطها على من صفّق لـ”الثورة السورية” بمنعرجاتها من دون استثناء، مسقطًا من تقييمه طبيعة هذه المنعرجات وإشكالياتها. ولنقرّ بداية بأن الساروت هو رمز لهذه الثورة فعلًا، من مراحلها السلمية في الأشهر الأولى مرورًا بالتدرّج الذي مهّد له عسف النظام ثم رعته قوى الخارج، نحو حمل السلاح، والعنف الطائفي، وتمجيد الإبادات الجماعية، ومبايعة قوى تباهت بحرق الأحياء وتعليق الرؤوس المقطوعة في الساحات.

النقاش الحقيقي يكمن هنا، وموضوعه النخب المتابعة لـ”صيرورة” الساروت وثورته، والمؤثرة في أحداثها اليومية، بصرف النظر عما إذا كان تأثيرها ذاك يسيرًا أو عظيمًا. النقاش الجدي يتصل بكون الساروت شاهدًا على الانفصام المهول بين الرومانسية الثورية والواقع، وبكونه سؤالًا كبيرًا برسم من حافظ على حماسته، على امتداد سنوات، لقوى مسلحة تبنّت جماعاتها الوازنة على الأرض مشروعًا فاشيًا صريحًا، في متن خطابها وبرامجها السياسية والعملية. والنقاش يرتبط كذلك بكون “أيقنة” الساروت، كما آخرين، وُظفت كقنابل دخانية أريد من خلالها التعمية على مشهد حرب، لا يمت الفاعلون الرئيسيون فيها بصلة إلى شعارات براقة ظلّت تُلاك ويُعاد إنتاجها، حتى ابتلعها الواقع وانتهت مع هذا الابتلاع صلاحيتها.

في أواخر تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٧، تحدث وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم في لقاء تلفزيوني عن “الصيدة اللي فلتت واحنا نتهاوش عليها”، في إشارته إلى سوريا، الفريسة التي تقاتلت عليها الرياض والدوحة حتى أفلتت من كليهما. تكلم يومها عن تنسيق حركة السلاح بين الرياض والدوحة عبر اسطنبول قبل الخلاف الخليجي، الذي نمت إثره القوى المتطرفة داخل “الثورة” تباعًا، وكبر مع هذا النمو تأثيرها في شخص الساروت وعشرات الآلاف من أمثاله، معزّزًا على الدوام بعنف أجهزة النظام. يمكن القول إن ملامح هذا المسار (واستثمار الخارج فيه)، أخذت تظهر منذ العام الأول. الساروت، برمزيته، بمعناها السلبي أو الإيجابي، كاشف لفشل الكثير من النخب، لا في قراءة الأحداث فحسب، بل في الاستخفاف بدلالاتها وفي التحول، تلقائيًا، إلى واحدة من المكونات الكثيرة لعدّة الحرب السورية، ولاقتصادها أيضًا.

لو كان ثمة معنى لأي جدل اليوم، فلعله يبدأ من هنا.