يستحقّ رئيس الحكومة اللبنانية إنتاجًا دراميًا يستعرض تجربته على شبكة “نتفلكس” أو سواها. لا يقلّ صخبُ حياته عن أقصى ما يُمكنُ لمُخيّلةٍ أن تبتدعه. ولعلّه، حين يخلع بدلته الرسمية إثر يوم حافل، يعود خمسة عشر عامًا إلى الوراء بوَمضَة عين، ويمرّر شريط الأحداث في ذهنه سريعًا:

انفجارٌ ضخم في وسط بيروت. بهاء الحريري يصرخ بمشيّعي والده رئيس الحكومة الراحل: “يا قَوم!”، ثمّ يختفي عن المشهد ليظهر هو، الأخ الأصغر، سعد، كشخصية رئيسية. يتدرّج في السياسة التي ورثها بغتة، ويُطلّ على حياته السابقة على السياسة خلسةً كلّ حين. يتّهم النظامَ السوريَ باغتيال والده متوعدًا إياه بالقصاص، ويتابع حلفاءَه يتساقطون في عمليات اغتيالٍ تباعًا. يتسلّم رئاسة الحكومة بعدما وضعت حربٌ إسرائيليةٌ مهولةٌ أوزارَها من دون أن تقضي على مقاومةِ خصمه “حزب الله”. تهزمه لاحقًا مواجهات عسكرية مع الأخير. ثم يُصافح الرئيس السوري متراجعًا عن اتهامه بقتل أبيه، قبل أن يدعم ثورة ضدّه بعد عامين.

يأخد وقتًا مستقطعًا. وجه الحريري اليوم مُختلف عمّا كان عليه قبل امتهانه السياسة والسلطة. الجيوب تحت عينيه أصبحت أكثر انتفاحًا، والأرق المصاحب لنمط حياته الجديد يُظهرهُ ترهّلٌ إضافيٌ في جفنيه وسوادٌ تحتهما.

يعود الشريط إلى الجريان: أزماتٌ ماليةٌ تجتاح إحدى ركائز إمبراطوريته الموروثة في الرياض شركة “سعوديه أوجيه”. يبتعد عن الحكم توازيًا مع الأحداث السورية، ويعيش في المهجر حياته السابقة على السياسة. يكسر ساقه أثناء التزلج في سويسرا كمن يعوّض ما فاته من أدرينالين. يعود إلى لبنان إثر صفقة رئاسية عمادها خصمه السابق ميشال عون. يخطفه راعيه الإقليمي المفترض، وليُّ العهد السعودي الجديد، قبل أن يُطلَق سراحُه برعاية دولية. يسأله طفل في لقاء متلفز عن سعر ربطة الخبز بعد ثلاثة عشر عامًا من خوضه غمار السياسة فيجيبه: “لا أعرف”. يتوقف تلفزيون والده الذي صنع صورته ومعها جانبًا من الذاكرة الجمعية للبنانيين عن البثّ، وتخرج من تحت عباءته حشود من المحتجين على البطالة. وقبل أن يكتمل شريط الأحداث، تظهر إلى العلن أخبار علاقةٍ جمعته بعارضة بيكيني جنوب أفريقية مقابل ١٦ مليون دولار، يؤكّد بعدها عبر تغريدة على “تويتر”، بقاءه على رأس حكومة بلدٍ مهدّد بالإفلاس.

تلك الأعوام كانت شاهدة على حيازة سلطةٍ، وعلى كثير من لحظات النشوة، والضعف، والخيانة. ولحظات ضعف الحريري، أثناء ابتعاده عن السلطة، أغرت بخيانته غير مرة: حين احتُجز في الرياض قبل عامين، أْريد منه إشعال حرب أهلية في بلاده من دون مُقدّمات، ثمّ خرج على الإعلام في مقابلة تلفزيونية كاد ينفجر خلالها أثناء اضطراره للدفاع عن جلّاده. رأى بأمّ العين مقرّبين انفضّوا عنه، وآخرين شحذوا السكاكين للانقضاض عليه أو للحلول مكانه، لكنّه رأى أكثر من هؤلاء بين أنصاره، يتمسّكون به رمزًا وُلد من رحم انفجار رهيب هزّ وسط بيروت ذات شباط من عام ٢٠٠٥، وغيّر وجه المدينة إلى الأبد.

وللخيانة مستوياتٌ كثيرة، بعضها يُفصح عن حال الحريري ورغباته. اللغة مثلًا ظلّت تخونه لسنوات. كان يبحث جاهدًا عن المفردات خلال إطلالاته أمام الجمهور، وأحيانًا، حين يضيق ذرعًا باللفظ وموجباته، يقرّر الانقلاب على القواعد ويردّ على خيانةِ اللغةِ له بالانتقام منها: يجمع الفتحة والضّمة والكسرة والشّدة، يضعها في خلّاط، ثمّ يقذُفها مبعثرةً بسينيكيّةِ من لا يأبه بشيء. سبق أن بلغ تلعثمه أثناء قراءة البيان الوزاري في مجلس النواب أواخر ٢٠٠٩ حدَّ اقتراح نبيه بري أن يُكمل أحدٌ غيره القراءة. ضحك الحريري يومها، وتابع تحطيمه اللغة كمن يحتجّ عليها وعلى كلّ قيد مشابه. مجلس النواب اللبناني مسرح عبثي أصلًا. فلينسجم مع عبثيّته وليُبرزها على الملأ. ثمّ ما هذا الهراء… قبل خمس سنوات بالتمام، قبل اغتيال الرئيس الوالد، كان متحرّرًا من كلّ هذه الاعتبارات، بل كان متحرّرًا من قيود الدنيا كلّها.

حين يخلع سعد الحريري بدلته الرسمية إثر يوم حافل، يعود خمسة عشر عامًا إلى الوراء بوَمضَة عين. ولا بد أن فكرة اعتزال السياسة راودته غير مرّة، لكنّه لم يُقبل عليها. غواية البقاء في سدّة رئاسة الحكومة أقوى من الحنين إلى زمن سابق على السياسة هذه والمشقّات المصاحبة لها، وهو ما زال قادرًا على التأرجح بين الزَّمنين في حياته الخاصّة. هذه السّدة، تحديدًا، لن يخونها، ولن يخلع بدلتها تاركًا إياها لسواه. وسدّة الرئاسة لها رمزية تلامس التقديس لدى أنصاره، ومميزاتٌ دنيويّة له، ومنها يَستمدّ دورًا. وتَلبُّسُ رمزيّةِ رفيق الحريري، الراحل الحاضر، يستأهلُ أداء الدور حتى الحلقة الأخيرة.

 
×