أقلّ من أسبوعين على الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، وهذا ما يعيد السوريين إلى أجواء الترقب التي سادت الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2012 و2016. في انتخابات 2012 التي ترشح فيها أوباما للفوز بولاية ثانية، كانت الحرب السورية لا تزال في مراحلها الأقل تعقيداً. لم تكن روسيا وتركيا قد أرسلتا قواتهما إلى داخل سوريا، وكانت إيران و”حزب الله” لا يزالان في مرحلة التدخل غير الصريح – بافتراض أن معركة القصير (نيسان/أبريل- حزيران/يونيو 2013) تعتبر مرحلة البداية الصريحة لمشاركة “حزب الله” في الحرب. في مثل هذه الأيام من 2012، كان هناك اعتقادٌ سائد بأن الولاية الثانية لأوباما ستشهد المزيد من الجنوح الأميركي نحو تخفيض الوجود المباشر في الشرق الأوسط، وانطلاق مفاوضات جدية مع إيران، وبالنتيجة تراجع الولايات المتحدة تدريجياً عن استراتيجية التدخل في الحرب السورية. كان ذلك الرهان مفرطاً في السطحية، ويتجاهل أن الرهان الأكبر لإدارة أوباما في تلك المرحلة كان على دعم من تصفهم بالإسلاميين المعتدلين وترى استنساخاً سريعاً مرجحاً في سوريا لما حصل في تونس ومصر.

أما في خريف 2016 فقد وُضع الرهان على حصان ترامب، وذلك لأسباب متعددة. منها تصديق اتهامات الأميركيين “الديمقراطيين” له بأنه سيكون دمية بيد بوتين، ولا يستطيع مخالفة الكرملين، خصوصاً في قضايا الشرق الأوسط، ولكنه، في الوقت نفسه، سيكون السيد المطاع داخل الولايات المتحدة. خاب ذلك الرهان وجاءت ولاية ترامب لتكشف – ربما للمرة الأولى منذ عهد الرئيس “الجمهوري” رونالد ريغان 1981-1989 – مدى نفوذ المؤسسات التقليدية في الولايات المتحدة، ومدى قدرتها على تهميش البيت الأبيض. والآن بالرغم من بقاء أسبوعين من ولاية ترامب، عادت الآمال وانتعشت بإمكانية التوصل إلى صفقة ما حول سوريا، خصوصاً بعدما كشفت صحيفة The Wall Street Journal الأميركية عن زيارة نائب مساعد الرئيس الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب، كاش باتيل، إلى سوريا لمناقشة قضايا المحتجزين الأميركيين فيها، تحديداً الصحافي وجندي مشاة البحرية السابق أوستن تايس. ولكن سرعان ما تبين أن الزيارة المشار إليها كانت قد حصلت في شهر آب/أغسطس، ولم تقد إلى كسر الجمود في ملف العلاقات الأميركية ـ السورية.

أما لماذا سرب مسؤولو الإدارة الأميركية أنباء الزيارة بهذا الشكل، فالأرجح أنهم فعلوا ذلك أملاً بالترويج لانتصارٍ آخر للسياسة الخارجية لترامب، وأملاً بتقليص الفجوة الكبيرة بين ترامب وبايدن. ففي الوقت الحالي لا يزال بايدن يتقدم بأكثر من عشر نقاط في استطلاعات الرأي التي تمنحه تأييد 52% من الأميركيين مقابل 42% لترامب. جاءت الأنباء في وسائل الإعلام الأميركية عن الزيارة إلى دمشق بعد أسبوع من ضغوط أميركية لإنجاز صفقة تبادل كبيرة في اليمن خرج فيها 200 مقاتل حوثي مقابل أميركيين اثنين، ورفاة أميركي ثالث، وسبقت الأنباء عن إعلان ترامب موافقة السودان على تسديد مبلغ 335 مليون دولار قيمة التعويضات المستحقة لضحايا الهجمات الإرهابية التي نفذها تنظيم “القاعدة”، بدعم من السودان، في العام 1998 ضد السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، وضد المدمرة USS Cole أمام سواحل اليمن في العام 2000. ولا يخفى أن هذه الأنباء تمثل التطبيق المباشر لشعار «أميركا أولاً» في السياسة الخارجية، وأن المهم هو المصالح الأميركية بمعناها الضيق حتى وإن أدت إلى التباين مع حلفاء الولايات المتحدة الذين يضغطون عليها لتبني أولويات مختلفة في كل من سوريا واليمن والسودان.

يجب الإشارة إلى أن قانون عقوبات “قيصر” كان من مشاريع الحزب “الديمقراطي” وقد عارضه “الجمهوريون” لسنوات قبل أن يقوم “الديمقراطيون” بإدخاله في صياغة قانون الموازنة الدفاعية

ينهي ترامب ولايته، ويغادر على الأرجح المشهد السياسي الأميركي، بالطريقة نفسها التي أمضى بها السنوات الأربع الماضية، وهي اتخاذ كل قراراته في السياسة الخارجية وفق معيارٍ واحدٍ فقط، وهو شعبيته في الداخل الأميركي. هنا لا تختلف ضغوط ترامب على باقي الدوائر الأميركية، في نيسان/أبريل 2018، لتوجيه ضربة عسكرية تقطع رأس القيادة السورية عن ضغوطه اليوم لعقد صفقة مع دمشق حول الرهائن الأميركيين. هذا ما تخوف منه صراحةً روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى WINEP”، يوم 14 تشرين الأول/أكتوبر، عندما ظهرت توقعات بأن ترامب يمكن أن يمضي إلى حد مبادلة المحتجزين الأميركيين في سوريا بالوجود العسكري الأميركي في التنف، عند مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية، والذي يمثل أحد المعابر الثلاث الحتمية – وأحد اثنين تسيطر عليهما الولايات المتحدة – للجسر البري الإيراني عبر العراق إلى سوريا وشرق المتوسط.

الآن بعدما تأكد استحالة عقد الصفقة الحلم بين واشنطن ودمشق، يبرز التساؤل عن مسار العلاقات الأميركيةـالسورية في مرحلة جو بايدن. يمكن توقع بعض الملامح العامة فقط. فبالرغم من أن بايدن قد نشر بيانه السياسي بما في ذلك لأولوياته في السياسة الخارجية، في 11 تموز/يوليو، إلا أن ما نشره لم يتجاوز خطوطاً فضفاضة للغاية. فهناك مقطع واحد فقط حول إيران، ينتقد فيه سياسات ترامب ويتعهد بالعودة إلى الاتفاق النووي بالتزامن مع استخدام ما يصفه بالدبلوماسية الهادفة لمواجهة أنشطة إيران التقويضية في المنطقة. بالمقابل لا يرد اسم سورية إطلاقاً. إلا أن هذا ليس بالأمر المفاجئ في الحقيقة. فصعود بايدن حقق بين المتنافسين للفوز بترشيح الحزب “الديمقراطي” من خلال تجنب اتخاذ مواقف واضحة في القضايا المختلفة، الداخلية والخارجية على حد سواء. وفي التصفيات الأخيرة بين المرشحين “الديمقراطيين” كانت نقطة قوته الرئيسية أنه ليس يسارياً، ولم ينادِ بتغيير اقتصادي عميق. وهذا ما كان مطلوباً من قبل التيار التقليدي في “الحزب الديمقراطي” ومن قبل الشركات الكبرى الداعمة للحزب. ومع تركيز ترامب لهجماته على بايدن وتجاهل باقي المرشحين “الديمقراطيين” ارتفعت حظوظ بايدن وبات من الممكن للتيار التقليدي في الحزب “الديمقراطي” تسويقه على أنه المرشح المثالي لمواجهة ترامب. حافظ بايدن على شعبيته في الأشهر الأخيرة لأنه ليس ترامب فقط. وعلى هذا الأساس سيقوم الأميركيون بالتصويت له من دون أن يضطر للخوض في التفاصيل الحساسة للسياسة الداخلية أو الخارجية.

بايدن يتحدث بصراحة عن مواجهة الصين وروسيا، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف أعلن أنه ملتزم بنقل 60% من البحرية الأميركية إلى غرب المحيط الهادئ لردع الصين، كما تعهّد، في أيلول/سبتمبر، بمعاقبة روسيا بسبب تدخلاتها في السياسة الداخلية الأميركية منذ العام 2016. وهذا ما يعني فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية بحق روسيا والعودة إلى استراتيجية دعم المعارضة الروسية. ومع تركيز الصين وروسيا على منطقة الشرق الأوسط، ستكون هذه المنطقة مسرحاً للتنافس بينهما وبين أميركا بايدن – إن جاز التعبير. وما نعرفه أيضاً أن بايدن يمتلك صداقة شخصية قديمة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وعلاقته باليمين الإسرائيلي جيدة. وبالتالي تكرار مرحلة العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية كما كانت في عهد أوباما هو أمرٌ مستبعدٌ تماماً. في المقابل علاقته سيئة مع أردوغان وقد فشلت محاولاته في العام 2016 لتقريب وجهات النظر بين الإدارة الأميركية والقيادة التركية. ويشارك بايدن قادة “الحزب الديمقراطي” رفضهم التخلي عن المقاتلين الأكراد في سوريا، ورفضهم الصفقة التي عقدها ترامب مع أردوغان في تشرين الأول/أكتوبر.

إذاً، من المرجح أن تتأثر سوريا بهذه العوامل، الصراع الأميركي مع كل من الصين وروسيا وتوتر العلاقات بين واشنطن وأنقرة. وفي ما يخص سوريا نفسها بشكل مباشر، فيجب الإشارة إلى أن قانون عقوبات “قيصر”، الذي أقر نهاية العام الماضي، كان من مشاريع “الحزب الديمقراطي” وقد عارضه “الجمهوريون” لسنوات قبل أن يقوم “الديمقراطيون” بإدخاله في صياغة قانون الموازنة الدفاعية للعام 2020، ووُضع “الجمهوريين” بين خيار إسقاط كامل مسودة القانون والعودة إلى نقطة البداية وخيار إقرار قانون الموازنة الدفاعية ومن ضمنها قانون عقوبات “قيصر”. ولكن بالرغم من القيود التي يفرضها هذا القانون على الإدارة الأميركية لناحية الالتزام بجدول زمني حول فرض الحزم المتتالية للعقوبات الاقتصادية، بما فيها العقوبات على المصرف المركزي السوري، إلا أن إدارة ترامب نجحت بالمماطلة وتمرير المزيد من العقوبات الشكلية، التي تطال شخصيات سياسية واقتصادية سورية، وتجاهلت المؤسسات الأكثر حيوية، وعلى رأسها المصرف المركزي. والدافع الرئيسي للجمهوريين كان محاولة إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة محتملة مع موسكو، أو حتى مع دمشق حول ملف المحتجزين الأميركيين. لهذا فمن المرجح أن تكون إدارة بايدن أكثر تشدداً في تطبيق العقوبات على دمشق.

يتبقى الملف الإيراني وطريقة إدارة بايدن له وما إذا كان بايدن قادراً على الوفاء بوعده بالعودة إلى الاتفاق النووي. يستحق هذا الملف دراسة متأنية لتفاصيله العديدة، وهذا ما سنتركه لمقالة مقبلة. ولكن ما هو أكيد أن أي اتفاق جديد – بافتراض حصوله – لن يجلب معه أجواء الثقة والتعاون التي سادت بين إيران والولايات المتحدة منذ تموز/يوليو 2015. وأجواء الثقة والتعاون الأميركي الإيراني في 2015 لم تنعكس إيجاباً على سوريا، بل كانت تلك المرحلة إحدى أسوأ سنوات الحرب، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. لهذا فمن المستبعد توقع أي انعكاسات إيجابية لأي اتفاق إيراني أميركي محتمل على الملف السوري. ولعله من المفيد التذكير بأن إيران إذا ما مضت للتفاوض مع الولايات المتحدة، فسيكون ذلك للتخلص من العقوبات الاقتصادية الخانقة التي هوت بالعملة الإيرانية من مستوى 40 ألف ريال أمام الدولار في نيسان/أبريل 2018 إلى 320 ألفاً هذه الأيام. فإذا ما كانت الأولوية هي الخروج من العقوبات، فهل ستخاطر إيران بخرق العقوبات الأميركية والأوروبية على سوريا؟ هذا في الخطوط العامة، أما التفاصيل فتحتاج لمعرفة ما ستقوم به دمشق وباقي اللاعبين الإقليميين في الملف السوري وكيفية التفاعل بين أجندات هؤلاء اللاعبين والخطوط العامة للسياسة الأميركية. بالمجمل، لا يُتوقع حصول انفراجة. وفي هذه الأثناء لعله من المفيد للسوريين التمعن في المشهد السوداني وأزماته الاقتصادية، والصفقة التي اضطرت الخرطوم لعقدها مع واشنطن، وذلك لأخذ فكرة عن الصفقات المتاحة في المنطقة.

 
×