يُخطئ من يعتقد أن أحزاب السلطة في لبنان، المُربَكة بمعظمها، والتي تعاني استنزافًا مُتفاوتًا في رصيدها الشعبي، مُقبلة على انهيارٍ أو ضمور دراماتيكي. نحن نتحدّث هنا عن قوىً لها تمثيل عمره ثلاثون عامًا على الأقل في بيئات طائفية متنوعة (الأحدث بينها، أي “التيار الوطني الحرّ”، راكم شعبيته أواخر الحرب الأهلية، بينما القوى الأخرى أكثر أقدميّة)، ولها شبكاتُ رَيع زبائني من خلال أجهزة الدولة المتضخّمة، ولأحدها قضايا تتجاوز الحدود، ومنظومة عقائدية وانضباط حزبي يُضرب به المثل على مستوى المنطقة (“حزب الله”، الذي يضع رجلًا في السلطة وأخرى في المعارضة، لاعتبارات كثيرة).

وهذه القوى، بطبيعة الحال، عدا عن تقاذفها المسؤولية واستهداف بعضها البعض ربطًا بحسابات محلّية وإقليمية، تعمل على استعادة زمام المبادرة، وترغب بتجاوز قطوع الأزمة بحدّ أدنى من التنازلات، ولو أن كلًّا منها له “باروميتره” الخاص لقياس الحدّ المقبول من التنازلات هذه. فحسابات “حزب الله”، مثلًا، لا تقوم على الرغبة بحماية النظام المصرفي بالقدر نفسه الذي تقوم عليه حسابات الحريرية السياسية وغيرها، بل على قراءته لمعطيات إقليمية تمتد من العراق إلى اليمن، ولأدواره في هذه الساحات، وحسابات “حركة أمل”، كما “الحزب التقدمي الاشتراكي” تقوم أساسًا على عدم التفريط بالطبيعة الزبائنية للنظام، على اعتبار أن الأمر بالنسبة لهما يمثّل شريان حياة، وحسابات العونيّة السياسية لا يمكن عزلها عن شعار “حقوق المسيحيين” و”تقوية موقع رئاسة الجمهورية”، مع ما يعنيه ذلك من حاجة إلى فرض وجود التيار البرتقالي في أجهزة الدولة وتقاسم ريوعها، وحسابات “القوات اللبنانية” لا تُغفل الرغبة بوراثة جزء من الحالة العونية وتعظيم وجودها في البيروقراطية الرسمية تاليًا، والطموح إلى الرئاسة ثالثًا في حال اختلال الموازين.

إنّ ما يفصلنا الآن عن قيام قوى السلطة برد فعل تلي محاولتها احتواء الحراك والتقاط أنفاسِها، مجرّدُ أيام قليلة. وفي الأثناء هذه، يشهد الحراكُ الشعبيُ نفسُه ولادة ديناميكيات، يرتبط قسمٌ منها بأولويات القوى الاجتماعية المشكّلة له (والتي بدورها لها حساباتٌ تقوم على انحيازات طبقية وعقائدية وبرامجية وخلاف ذلك)، ويرتبط قسم آخر منها بحقيقة أن المحتجين ليسوا جميعًا خارج عباءة قوى السلطة تمامًا، وأن قطاعًا منهم ما زال يتأثر بها.

ويمكن القول، في الإطار هذا، إن الحراك في لبنان دخل مرحلة الاستهدافات المتبادلة؛ بمعنى أن كلّ من لديه جمهور من القوى السياسية الوازنة، أو قدرة على التأثير في جمهور، يعمل على توجيهه لاستهداف طرفٍ خصمٍ له في المعادلة الداخلية، عبر تظاهرات، أو اعتصامات، أو قطع طرق، أو تسويق شعارات، أو تأمين تغطيات إعلامية… وقد يكون الطرف المُستَهدَف هنا حزبًا في السلطة، أو وزارة، أو جهازًا أمنيًا، أو مسؤولًا سابقًا، أو مصرفًا، أو قناة تلفزيونية… وهو أمر طبيعي، على اعتبار أن الفاعلين في لبنان كُثُر، وأن كلًّا منهم يسعى إلى تقليص الضرر في خاصرته الرخوة، وإلى مراكمة المكاسب حيث يتمكّن من استهداف خصومه.

غير أن الدخول في المرحلة هذه من شأنه أن يُولّد في الحركة الاحتجاجية مطالبَ متفاوتة المدى والجذرية، وأولويات مختلفة، وتكتيكات متضاربة في الشارع. وهذا بدوره سيؤدي إلى استنزافها وإلى تشتيتها عبر فرزها إلى “جماهير”، وإلى خلق مساحة رمادية تتّسع يومًا إثر آخر، لتحوي أعدادًا متزايدة من الذين ستخور قواهم، ويستهلكهم الشارع، ويبحثون عن خلاص الحدّ الأدنى، وعن تيسير شؤونهم الحياتية الملحّة من دون معوقات.

ثمة كمّ هائل من الأسئلة والتحديات لقوى الاحتجاج الآخذ بعضها بالتبلور على شكل مجموعات (وليست المجموعات تلك كلّها ذات منشأ سياسي واجتماعي واحد، ولن تكون أهدافها واحدة)، فضلًا عن قوى السلطة. وهذه الأسئلة والتحديات تتوالد يوميًا.

الأكيد بالنسبة لقوى الاحتجاج، كما علّمتنا تجارب “الربيع العربي” (ربّما) بموجتيه الأولى والثانية (في السودان تحديدًا) – مع التسليم بالاختلاف في معطيات وظروف كلّ منها – أن تحقيقَ خرق جدّي في بنيان النظام يُمكن البناء عليه مستقبلًا، أكثرُ واقعية من الرهان على انهياره تمامًا (وأقلّ كارثية).

قد يبدو كلام من هذا النوع ممجوجًا. لكنّ الثورة لا تصنعها الانفعالات (فقط)، وثمة ضرورة لعدم السماح لقوى الأمر الواقع في لبنان، أو بعضها، بالانسحاب من المشهد مخلّفة وراءها خرابًا عظيمًا (الحيلولة دون تهريب رؤوس الأموال إلى الخارج، مثلًا، أَولى من تنظيم انتخابات مبكّرة، وعدمُ منح الطاقم الحكومي فرصة للتهرب من مسؤولياته أَولى من السماح له بالاستقالة من دون تبعات…).

ولعلّ أولى الأولويات في هذا السياق تتمثل بالانقضاض على كلّ فرصة يتيحها النظام اللبناني لخرقه، بدلًا من التوهم بالقدرة على إسقاطه، سواء تمثلت الفرصة بتشكيل حكومة لا ينتمي وزراؤها إلى الطبقة التقليدية وأحزابها، أم بملء الشغور الوزاري الذي خلّفته استقالة وزراء “القوات اللبنانية” بوجوه إصلاحية، من خلال ضغط الشارع في هذا الاتجاه، كما في اتجاه تقديم رؤية حكومية اقتصادية أكثر جذرية، وأبعد مدى في معالجاتها للأزمة وتبعاتها.

 
×