في تشرين الثاني/أكتوبر الماضي، كان وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان قد أغلق الباب أمام التكهنات حول هوية مُرشحه لرئاسة هيئة الأركان الإسرائيليّة، طارحاً اسم أفيف كوخافي لخلافة غادي أزنكوت الذي كان قد تعرّض – برغم شعبيته – لحملات هجوم من اليمين المتطرّف وبشكل خاص من ليبرمان الذي اتهمه بمُهادنة “حماس” و”حزب الله”.

بعد شهر تقريباً، استقال ليبرمان نفسه من منصبه احتجاجاً على ما وصفه بـ”القبول المُهين” للهدنة مع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، بينما تابع كوخافي مساره نحو رئاسة الأركان إلى أن تمّ تعيينه رسمياً في منتصف يناير الماضي.

وقبل حلول اليوم المُعلن لتسلّم مهامه وتأدية اليمين الدستورية، انخرط كوخافي في العمل على جزء من الهدف الذي قال إنه آتٍ لأجله: “جعل الجيش الإسرائيلي فتّاكاً، فعّالاً وسبّاقاً”.

أولى خطواته كانت الدعوة إلى ورشة نقاش تمتدّ لثلاثة أيام في الأسبوع الأول من آذار/مارس، ويُشارك فيها ممثلون عن فرق مختلفة من الجيش الإسرائيلي للتوصّل إلى تحديد واضح لـ”كيف يُمكن لإسرائيل أن تحظى بنصر نظيف، حاسم، غير قابل للشكّ والتشكيك في الحروب المُقبلة التي ستخوضها”.

“ورشة النصر” أو “ندوة النصر” هو العنوان الذي أطلقه كوخافي على لقاء الأيام الثلاثة. وفيها، يُفترض على كل فرقة من الجيش أن تطرح مشكلاتها وما تراه ضرورياً لتحقيق “النصر الحاسم”، ثم يخرج القادة العسكريون بخطة عمل طويلة الأمد تدخل حيّز التنفيذ عام 2020، عقب الموافقة عليها من الحكومة (التي يُفترض أن تكون قد شُكّلت بعد الانتخابات).

 

البحث عن تعريف للنصر

في خطاب تعيينه رئيساً لهيئة الأركان، لم يُموّه كوخافي هدفه، بل قال بوضوح إن “النصر والتركيز على مهمتنا الأساسية هما القيمتان الجوهريتان لعملنا، وسنُقارب كل مهمة مُلقاة على عاتقنا بدقة وعزم، مُستفيدين من كل ما نملكه من أدوات”.

ولكن قبل العمل على ما يعتبره الإسرائيليون نصراً مُحتّماً، وجد كوخافي نفسه بمواجهة سؤال ما يُمكن اعتباره نصراً عسكرياً، في ظلّ تغيّر تركيبة وأدوات الجهات التي تُقاتل إسرائيل، وبعدما أصبحت التهديدات في العقود الماضية “غير متماثلة” و”غير تقليديّة”، حسب قوله.

مع حلول موعد اللقاء الذي دعا إليه رئيس الأركان الجديد، انتقل السؤال إلى الصحافة الإسرائيليّة التي تابعت النقاش مُبيّنة بعض جوانب الموقف الإسرائيلي الذي بدا أنه عائد بزخم كبير إلى مُربّع التعريفات.

“هل أدرك كوخافي أخيراً أن الجيش، وبرغم قدرته وقوته، لم يُحقّق نصراً حقيقياً منذ حرب الـ1973؟ وأكثر، هل انتبه فعلاً إلى أن الجيش لم يُكمل عملية عسكرية واحدة حتى النهاية، ما حتّم علينا الدخول في جولات قتال لا تنتهي على الجبهتين الشماليّة والجنوبيّة؟”.

في سؤاله هذا، سعى الباحث الإسرائيلي إسرائيل هاريل للإضاءة على ما يدور من نقاشات بين جنرالات الحرب (من خبرها ميدانياً) وبين المسؤولين عنهم (من يُخطّط لها).

كان هناك عامل آخر ناقشته الصحافة الإسرائيليّة يتلخص في أن “حزب الله” و”حماس” قد صرّحا مراراً بأن بقاءهما رغم كل المحاولات الإسرائيلية لمحوهما هو نصر بحدّ ذاته

ذكّر هاريل هنا بنقاش حدث بين الجنرال رومان غوفمان، قائد “الفرقة المُدرّعة السابعة”، وبين أزنكوت وكوخافي خلال حفل تنصيب الأخير.

هاجم غوفمان مسؤوله السابق بالقول: “نحن على أتمّ الجهوزية ونريد القتال، ولكنكم لا تقومون بتنشيطنا. لفترة طويلة كان هذا النمط سائداً بشكل إشكالي”، ثم توجه بالحديث لمسؤوله الجديد مؤكداً على موقفه: “في وضعنا الحالي، لدينا الكثير لنقدّمه في لبنان وغزة وسوريا، في أي مكان تريدونه…لكن لدينا مشكلة واحدة، هي أنكم لا تقومون بتشجيعنا”.

يعكس موقف غوفمان ما اشتكى منه قادة عسكريون كثر ومنهم يائير غولان حول وجود تباعد بين الرؤية العسكرية الميدانية وبين قرار القيادتين السياسية والعسكريّة.

وإن كان واقع التباعد هذا قد أعطى زخماً لدعوة كوخافي إلى “ورشة النصر”، كان هناك عامل آخر ناقشته الصحافة الإسرائيليّة يتلخص في أن “حزب الله” و”حماس” قد صرّحا مراراً بأن بقاءهما رغم كل المحاولات الإسرائيلية لمحوهما هو نصر بحدّ ذاته.

يُضاف لذلك في نقاش عامل التطوّر في الترسانة العسكرية لـ”حزب الله”، الذي وصل التصعيد في خطابه خلال السنوات الأخيرة إلى مسامع الإسرائيليين وباتوا مُدركين أن انعدام الهزيمة الكاملة لم يعد هو النصر بالنسبة للحزب، بل بدأ الأخير يستعرض إمكانياته بالتسبّب في خسائر فادحة لإسرائيل.

 

من يُحدّد معايير النصر؟

يصبّ هذا السؤال في صلب التعليقات حول ورشة كوخافي. حضر في النقاش مفهوم “الردع” أو “الاحتواء”، فحمّل هاريل هذا المفهوم بالتحديد مسؤولية عدم منح إسرائيل نصراً حقيقياً. البديل وفق المُحلّل الإسرائيلي هو عمليّة عسكريّة مدروسة لا تقف إلا عندما يُسلّم العدو سلاحه، فـ”هكذا يتمّ النصر وهكذا صيغت معظم عمليات السلام في العالم”.

في المقابل، كان ثمة وجهة نظر أخرى رأت أن هاريل قد أخطأ في مفهومه للنصر، لأن حججه تستند إلى سوء فهم لأعمال الحكومة ومُخطّطات العسكر.

تشرح مقالة كلّ من جوناثان شمشوني وآرييل ليفيت الأمر من ناحيتين: الأولى دستورية، وحجتها أنه “ليس للجيش تحديد النصر بل الأمر عائد للقيادة السياسية التي تُحدّد الأهداف والقيود والاعتبارات والتكاليف المقبولة… بينما يجب على الجيش تقديم بدائل مختلفة لتحقيق هذه الأهداف وتحديد كيف يتوافق كل منها مع المعايير المختلفة”.

أما الثانية فاستراتيجية، إذ يشرحان أن العمليات العسكرية لا يجب أن تكون محور المواجهة الأمنيّة، بل هي مرتبطة بالتدابير الاستخباراتية والاقتصادية والدبلوماسية ونشر المعلومات التي تهدف إلى تحقيق الأهداف السياسية.

على مقلب آخر، وفي معرض البحث عن المعايير، اشتكى أحد المحللين العسكريين، وهو صاحب مشروع “نصر إسرائيل” الذي “يهدف إلى إقناع واشنطن على دفع إسرائيل للنصر”، من تهميش مفهوم “النصر” في الخطاب الإسرائيلي منذ اتفاقية أوسلو عام 1993.

برأيه، استبدلت خطابات المسؤؤلين الإسرائيليين “النصر” بكلمات مثل “التسوية”، “التنازلات”، “بناء الثقة”، “المفاوضات”، “المرونة”… مُستحضراً المثال على ما قاله رئيس الوزراء إيهود أولمرت عام 2007: “السلام يتحقّق من خلال التنازلات”.

تغيّر الحال بعد وصول بنيامين نتنياهو، وبدأت تظهر في الخطابات عبارات مثل “العودة إلى طريق النصر”، “نموذج النصر”، “النصر الواضح والحاسم”… لكن وبينما كان نتنياهو يتبنى خيار النصر الحاسم في لقاءاته الداخليّة حول لبنان وسوريا وسيناء وغزة والضفة الغربية، لم يتحدث عن ذلك في العلن، وبقي النصر – كمفهوم – ضبابياً.

بموازاة ذلك، كانت تخرج أصوات خجولة تُحاول تعريف “النصر” للإسرائيليين بأنه إيجاد حلّ لأزمة الاختناقات المرورية، تأمين خدمات صحيّة متساوية، الفوز بجوائز أوسكار والإنفاق أكثر على التعليم.  يبدو هذا التعريف الأخير للنصر أشبه بمزحة ثقيلة بالنسبة لكيان لا يفهم الانتصار على عدّوه إلا بمنظار عسكري… حتى لو تكرّرت الصور لقادته وهم يستخدمون منظاراً مُغلق العدستين.

 

 
×